إن النظام الإعرابي في لغة الضاد ليس مجرد حركات تُنطق على أواخر الكلمات، بل هو هندسة معنوية بالغة الدقة تتأثر بالبيئة التركيبية للجملة والسياق الدلالي للخطاب. وإذا كانت النواصب الأربعة الأولى (أن، لن، إذن، كي) تعمل في المضارع عملاً مباشراً، فإن الأدوات المتممة لباب النصب -مما ذكره ابن آجروم وغيره من النحاة- تستدعي شروطاً سياقية صارمة، حيث ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأساليب النفي والطلب المحض. ولا يقف الدرس النحوي هنا عند حدود النصب اللفظي، بل يمتد ليفحص الأثر العقدي والبلاغي للحرف، وكيف ينقلب الحكم الإعرابي رأساً على عقب من النصب إلى الجزم بمجرد تجريد الفعل من الرابط السببي، مما يظهر عبقرية هذه اللغة وسعتها الفائقة في صياغة المعاني الرفيعة.
