أثر الكلمة في حياة الإنسان

أثر الكلمة في حياة الإنسان

مقدمة

من أعظم ما ميز الله تعالى به الإنسان نعمة البيان، فجعل اللسان وسيلة للتعبير عما يدور في النفس من أفكار ومقاصد، وبه يتواصل الناس فيما بينهم، وتنتقل العلوم، وتقام الحجة، وتنتشر الدعوة إلى الله تعالى. ولأجل هذه المنزلة العظيمة للكلمة، جاءت نصوص الشريعة تؤكد أن المسلم مسؤول عن كل ما ينطق به، وأن الكلمة ليست أمرًا عابرًا يخرج من اللسان ثم ينتهي أثره، بل قد يترتب عليها ثواب عظيم أو عقاب شديد.

ولذلك دعا الإسلام إلى حفظ اللسان، وأمر المسلم أن يختار ألفاظه بعناية، وألا يتكلم إلا بما ينفع، وأن يجعل كلامه وسيلة للإصلاح، لا للإفساد، وللتقريب بين الناس، لا لإثارة العداوة بينهم. وقد ضربت السنة النبوية أمثلة عظيمة تبين أثر الكلمة الواحدة في حياة الإنسان، وأنها قد ترفعه عند الله درجات، أو تهوي به في دركات العذاب، بحسب ما اشتملت عليه من خير أو شر.

ومن هنا تتجلى أهمية هذا الموضوع؛ لأنه يمس حياة كل مسلم في كل يوم، ويذكره بمراقبة الله تعالى في أقواله قبل أفعاله، وبأن اللسان نعمة عظيمة تستحق الشكر بحسن استعمالها.

عناصر المقال

• مكانة الكلمة في الإسلام.

• مراقبة الله تعالى لأقوال العباد.

• أثر الكلمة الطيبة والكلمة السيئة.

• الكلمة ودورها في نصرة الحق أو الباطل.

• مسؤولية المسلم عن ألفاظه.

• أهم الدروس المستفادة.

 

مكانة الكلمة في الإسلام

جعل الإسلام للكلمة منزلة عظيمة، لأنها أول وسيلة يعبر بها الإنسان عما في نفسه، ولأن كثيرًا من الأعمال يبدأ بكلمة، فقد تكون كلمة صلح تنهي خصومة، أو كلمة نصح تهدي إنسانًا، أو كلمة صدق تثبت حقًا، كما قد تكون كلمة باطلة تشعل فتنة أو توقع ظلمًا أو تفسد علاقة بين الناس.

ولهذا لم ينظر الإسلام إلى الكلام على أنه مجرد ألفاظ تُقال، وإنما اعتبره عملًا من أعمال الإنسان التي يحاسب عليها يوم القيامة، شأنه في ذلك شأن سائر الأعمال. ولذلك ينبغي للمؤمن أن يستحضر دائمًا أن كل كلمة ينطق بها ستكون موضع سؤال بين يدي الله عز وجل.

مراقبة الله تعالى لكل ما ينطق به الإنسان

من أعظم ما يدعو المسلم إلى حفظ لسانه استشعاره أن الله سبحانه وتعالى مطلع على أقواله، وأن الملائكة تكتب كل ما يصدر عنه من خير أو شر، قال تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18].

وتبين هذه الآية الكريمة أن الإنسان لا ينطق بكلمة إلا وهي مسجلة في صحيفته، فلا يضيع منها شيء، سواء أكانت يسيرة في نظره أم عظيمة، وهو ما يدفع المسلم إلى محاسبة نفسه قبل أن يتكلم، وأن يزن ألفاظه بميزان الشرع والحكمة.

أثر الكلمة الطيبة والكلمة السيئة

بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الكلمة الواحدة قد يكون لها أثر يفوق ما يتصوره الإنسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«إنَّ العبدَ ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم». رواه البخاري.

ويكشف هذا الحديث عن حقيقة مهمة، وهي أن الإنسان قد يقول كلمة يظنها هينة، لكنها تكون سببًا في نيل رضا الله تعالى ورفع منزلته، وقد يتلفظ بكلمة يستهين بها، فإذا بها تكون سببًا في غضب الله عليه. ولذلك كان السلف الصالح شديدي الحرص على حفظ ألسنتهم، وكانوا يعدون الكلام من أعظم أبواب المسؤولية.

الكلمة طريق إلى الخير أو الشر

قد تكون الكلمة وسيلة لنشر الخير، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس، وتعليم الجاهل، ومواساة المحتاج، وتشجيع صاحب العمل الصالح، وكل ذلك يدخل في الكلمة الطيبة التي يحبها الله تعالى.

وفي المقابل، قد تكون الكلمة بابًا للباطل، إذا اشتملت على الكذب، أو الغيبة، أو النميمة، أو السخرية، أو شهادة الزور، أو الدعوة إلى المعصية، ولذلك كان لزامًا على المسلم أن يجعل لسانه أداة لبناء المجتمع، لا سببًا في هدمه.

مسؤولية المسلم عن كلامه

إذا أدرك المسلم أن كل لفظ يصدر عنه مكتوب ومحفوظ، وأنه سيحاسب عليه يوم القيامة، فإنه سيصبح أكثر حرصًا على انتقاء ألفاظه، وسيجعل الصدق والأدب والرفق منهجًا في حديثه مع الناس.

ومن صور ذلك أن يحرص على ذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، والكلام الطيب، والدعاء، والنصيحة الحسنة، وأن يبتعد عن كل قول يغضب الله عز وجل، لأن سلامة اللسان من أعظم أسباب سلامة الدين والأخلاق.

خاتمة

يتبين من خلال ما سبق أن الكلمة ليست مجرد حروف ينطق بها الإنسان، وإنما هي أمانة ومسؤولية سيقف بين يدي الله تعالى ليسأل عنها. وكلما استشعر المسلم هذه الحقيقة، كان أكثر حرصًا على أن يكون كلامه طيبًا، نافعًا، وموافقًا لما يحبه الله ورسوله. فصلاح اللسان دليل على صلاح القلب، وحسن القول من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه. نسأل الله تعالى أن يجعل ألسنتنا عامرة بذكره، وأن يرزقنا القول السديد، والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ترك تعليق