الاقتباس في البلاغة العربية: تعريفه وحكمه

الاقتباس في البلاغة العربية: تعريفه وحكمه

 الاقتباس: تعريفه وحكمه:

يُعدّ الاقتباس من المحسنات اللفظية التي عُني بها البلاغيون، وهو فن بلاغي يقوم على تضمين الكلام شيئاً من القرآن الكريم أو الحديث النبوي، لا على أنه منه. وقد اختلفت آراء البلاغيين في حكمه: فمنهم من رآه محموداً، ومنهم من رآه مذموماً خصوصاً إذا جاء في الشعر وكان من القرآن الكريم. وفي هذا المقال نستعرض هذا الفن البديعي بشيء من التفصيل والتحليل، مع بيان تعريفه وأمثلته وحكمه.

—

عناصر المقال

1. تعريف الاقتباس

2. أمثلة الاقتباس

3. حكم الاقتباس

—

 أولاً: تعريف الاقتباس

الاقتباس:

 هو أن يضمن الكلام شيئًا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه.

—

 ثانياً: أمثلة الاقتباس

المثال الأول:

قول الشاعر:

لا تكن ظالمًا ولا ترض بالظل ** مِ وأنكر بكل ما يستطاعُ

يوم يأتي الحسابُ ما لظلومٍ ** مِن حميمٍ ولا شفيعٍ يطاعُ [1]

هذا مضمنٌ، فقوله: ما لظلوم من حميمٍ ولا شفيعٍ يطاع. مقتبسٌ من قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]، وهذا يسمى الاقتباس؛ يعني: أنه اقتبس من القرآن أو الحديث هذه الجملة، وأضافها إلى كلامه، لكن لا على أنها منه، بل على أنها من القرآن أو من الحديث.

المثال الثاني:

قول الشاعر:

لا تُعادِ الناس في أوطانهم ** قلما يُرعى غريبُ الوطن

وإذا ما شئتَ عيشًا بينهم ** خالقِ الناس بخُلْق حسَن [2]

الشاهد قوله: خالق الناس بخلقٍ حسن، فهذا جزءٌ من حديثٍ [3].

المثال الثالث:

ولا بأس بتغييرٍ يسير في اللفظ المقتبس للوزن أو غيره، نحو:

قد كان ما خفت أن يكونا ** إنا إلى الله راجعونا

والتلاوة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] [4].

لكن إذا غير فقد يمنع أن يكون اقتباسًا؛ لأنه إذا تغير لم يصر بلفظ القرآن، ولا بلفظ الحديث.

—

 ثالثاً: حكم الاقتباس

ولكن هل هذا محمودٌ أم مذمومٌ؟

الجواب:

هذا اشتهر بين الأدباء في القرون الوسطى، لكنه فيما أرى مذمومٌ، خصوصًا إذا جاء في الشعر، وهو من القرآن؛ لأن هذا يوحي بأن القرآن نوعٌ من الشعر؛ فلذلك ينبغي أن يقال: إن الاقتباس من القرآن إذا كان في النظم فإنه مذمومٌ؛ لأنه يجب إبعاد القرآن عن الشعر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ** لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: 69، 70].

إذًا: الاقتباس من المحسنات اللفظية، ولكن لا ينبغي أن يكون من القرآن، إذا كان ذلك في الشعر [5].

خاتمة المقال

وبعد هذا العرض لفن الاقتباس في البلاغة العربية، يتبين لنا أن هذا الفن البديعي يقوم على تضمين الكلام شيئاً من القرآن أو الحديث لا على أنه منه، وأن حكمه يختلف باختلاف موضعه: فهو مذموم إذا جاء في الشعر وكان من القرآن الكريم؛ لأن ذلك يوحي بأن القرآن نوع من الشعر، وهو ما يجب تنزيه القرآن عنه. وهذا يدل على أن البلاغيين راعوا في أحكامهم للمحسنات اللفظية الجانب العقدي والأدبي معاً.

—

 [1] هذا مضمنٌ، فقوله: ما لظلوم من حميمٍ ولا شفيعٍ يطاع. مقتبسٌ من قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18].

[2] وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتق الله حيثما كنت، وخالِقِ الناس بخلق حسن، وإذا عملت سيئة فاعمل حسنة تمحُها))؛ رواه أحمد في (مسنده) 5/ 158،153، 177(21536،21403،21354)، والترمذي (1987) وقال: حديث حسن صحيح، والدارمي في (سننه) (2791)، والبزار في (مسنده) (4022)، والقضاعي في (مسند الشهاب) (652)، والحاكم في (المستدرك) 1/ 54، والبيهقي في (شعب الإيمان) (8026) وفي (الزهد الكبير) (869)، وأبو نعيم في (الحلية) 4/ 378 عن أبي ذر رضي الله عنه، ورواه أحمد في (مسنده) 5/ 236 (22059)، والطبراني في (الكبير)20/ 297،298، وفي (الأوسط) (3791)، وفي (الصغير) (530)، وأبو نعيم في (الحلية) 4/ 376، عن معاذ رضي الله عنه. وقال الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (97): حسن.

[3] لكن إذا غير فقد يمنع أن يكون اقتباسًا؛ لأنه إذا تغير لم يصر بلفظ القرآن، ولا بلفظ الحديث.

[4] سئل الشيخ الشارح رحمه الله في الشريط الخامس من دروس البلاغة: ما هو الدليل على عدم جواز الاقتباس بشيء من القرآن أو الحديث، مع أن الصحابة كانوا يقتبسون بشيء من القرآن، فها هو طلحة رضي الله عنه لما وصله الخبر أن قتلة عثمان نادمون على ما فعلوا قال: تبًّا لهم، فلا يستطيعون توصية، ولا إلى أهلهم يرجعون؟! فقال رحمه الله: الجواب عن ذلك أن يقال: أولًا: لا بد أن يثبُت هذا عن طلحة. وثانيًا: انظر هل يدخُل هذا في الاقتباس أو لا؟ لأن هذا واضح أنه قرآن مستقل، لكن استشهد به على نظيره؛ فهو ليس من الاقتباس، وإنما هو من الاستشهاد. ومثال ذلك أيضًا: قول الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحسن والحسين: ((صدق الله؛ إنما أموالكم وأولادكم فتنة))؛ ا.هـ.

[5] المصدر: شرح دروس البلاغة للشيخ محمد بن صالح العثيمين، تحقيق الأستاذ أشرف بن يوسف.

 

 

ترك تعليق