السجع في البلاغة العربية: تعريفه وحكمه وشواهده

السجع في البلاغة العربية: تعريفه وحكمه وشواهده

—

 السجع: تعريفه وحكمه

يُعدّ السجع من المحسنات اللفظية التي تُضفي على الكلام جمالاً وإيقاعاً مميزاً، وهو فن بلاغي يقوم على توافق الفاصلتين في النثر على حرف واحد. وقد عُني البلاغيون بهذا الفن عناية بالغة، فبيّنوا تعريفه وضوابطه، وميّزوا بين السجع المحمود والسجع المذموم. والسجع كثير في كلام العرب، وفي الحديث النبوي، وفي كلام العلماء. وقد اختلفت آراء البلاغيين في حكمه: فمنهم من رآه محموداً إذا جاء غير متكلف، ومنهم من رآه مذموماً إذا كان متكلفاً أو أُريد به الباطل. وفي هذا المقال نستعرض هذا الفن البديعي بشيء من التفصيل والتحليل، مع بيان أمثلته وشواهده.

—

عناصر المقال

1. تعريف السجع

2. شواهد السجع

3. حكم السجع

4. خلاصة أحكام السجع

—

 أولاً: تعريف السجع

السجع:

هو توافق الفاصلتين نثراً في الحرف الأخير [1]، نحو: الإنسان بآدابه، لا بزيه وثيابه، ونحو: يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه [2].

قوله: نثراً، احترازاً من الشعر، مع أن الشعر يكون فيه أيضاً السجع، لكن الغالب أن السجع يكون في النثر [3].

—

 ثانياً: شواهد السجع

السجع كثيرٌ في كلام العرب، وفي الحديث النبوي [4]، وفي كلام العلماء. ومن أجدر من قرأت كتابه على السجع: ابن الجوزي رحمه الله في (التبصرة)؛ فهو يأتي بسجعٍ عجيبٍ، يأخذ باللب، وتشعر بأن الرجل لا يتكلف.

ويوجد الآن من يكون كلامه كله سجعًا، ويتكلم بطلاقة، فهو يسهل عليه السجع.

—

 ثالثاً: حكم السجع

وهل السجع محمودٌ أم مذمومٌ؟

نقول: أما إذا كان غير متكلفٍ، وجاءت به الطبيعة هكذا، فإنه محمود؛ لأنه ينمق الكلام، ويحسنه، ويطرب الأسماع.

وأما إذا كان متكلفًا، فإنه لا شك أنه مذمومٌ؛ ولهذا تجد السجع المتكلف يحصل فيه غموضٌ في المعنى؛ لأن المتكلم يحاول أن يأتي بالكلمات المتناسبة، ولكن مع مشقة.

وأما إذا أريد به الباطل، فهو واضحٌ أنه سواء كان سجعًا، أو غير سجعٍ، فإنه مذمومٌ بلا شك.

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)) [5]. هذا سجعٌ بلا شك، وهو محمودٌ؛ لأنه غير متكلفٍ، جاءت به السليقة هكذا، فلا يكون مذمومًا.

وكذلك يوجد في بعض خطب العلماء رحمهم الله، التي تكون قبل بدء الكلام يكون فيها سجعٌ كثير

—

 رابعاً: خلاصة أحكام السجع

أولاً: السجع المتكلف مذمومٌ.

ثانياً: السجع الذي يراد به إبطال الحق مذمومٌ.

لكن الأول مذمومٌ من حيث الشكل، والثاني مذمومٌ من حيث المضمون.

ثالثاً: السجع الذي لا يبطل حقًّا، ولا يأتي متكلفًا: محمودٌ؛ لأنه لا شك أنه يحسن الكلام.

خاتمة المقال

وبعد هذا العرض لفن السجع في البلاغة العربية، يتبين لنا أن هذا الفن البديعي له حضور واسع في كلام العرب والحديث النبوي وكلام العلماء، وأن حكمه يختلف باختلاف حاله: فهو محمود إذا جاء غير متكلف، ومذموم إذا كان متكلفاً أو أُريد به الباطل. وهذا يدل على أن البلاغيين لم ينظروا إلى المحسنات اللفظية نظرة شكلية فحسب، بل راعوا فيها الجانب المعنوي والمقصود من الكلام.

المصدر: كتاب البلاغة الميسرة بتصرف

—————————–

 [1] قوله: نثرًا، احترازًا من الشعر، مع أن الشعر يكون فيه أيضًا السجع، لكن الغالب أن السجع يكون في النثر.

[2] السجع كثيرٌ في كلام العرب، وفي الحديث النبوي، وفي كلام العلماء. ومن أجدر من قرأت كتابه على السجع: ابن الجوزي رحمه الله في (التبصرة)؛ فهو يأتي بسجعٍ عجيبٍ، يأخذ باللب، وتشعر بأن الرجل لا يتكلف.

[3] سيأتي في كلام الشارح رحمه الله قريبًا مثال على السجع في الحديث النبوي.

[4] رواه البخاري (2729)، ومالك في الموطأ 2/ 610(17)، ورواه أحمد في مسنده 6/ 213(25786)، بلفظ: “كتاب الله أحق”.

[5] ومن ذلك خطب الشيخ الشارح رحمه الله في كتابه (مجالس شهر رمضان)، ومنها: الحمد لله الذي لا مانع لما وهب، ولا معطي لما سلب، وطاعته للعالمين أفضل مُكتسب، وتقواه للمتقين أعلى نسب، هيأ قلوب أوليائه للإيمان وكتب، وسهَّل لهم في جانب طاعته كل نصَب، فلم يجدوا في سبيل خدمته أدنى تعب، وقدر الشقاء على الأشقياء حين زاغوا فوقعوا في العطب، أعرضوا عنه وكفروا به فأصلاهم نارًا ذات لهب، أحمده على ما منحنا من فضله ووهب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هزم الأحزاب وغلب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي اصطفاه الله وانتخب، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الفائق في الفضائل والرتب، وعلى عمر الذي فر الشيطانُ منه وهرب، وعلى عثمان ذي النورين التقي النقي الحسب، وعلى عليٍّ صهره وابن عمه في النسب، وعلى بقية أصحابه الذين اكتسبوا في الدين أعلى فخر ومُكتسب، وعلى التابعين لهم بإحسان ما أشرق النجم وغرب، وسلم تسليمًا؛اهـ.


 

ترك تعليق