الجناس في البلاغة العربية: أنواعه وشواهده من القرآن والشعر

الجناس في البلاغة العربية: أنواعه وشواهده من القرآن والشعر

المحسنات اللفظية: الجناس:

يُعدّ الجناس من أبرز المحسنات اللفظية في علم البديع الذي يُعنى بتحسين الكلام وتزيينه، سواء كان هذا التحسين راجعاً إلى اللفظ ذاته أو إلى المعنى. والجناس في اصطلاح البلاغيين هو تشابه اللفظين في النطق مع اختلافهما في المعنى، وهو فن بلاغي له حضور واسع في القرآن الكريم والشعر العربي.

 وينقسم الجناس إلى قسمين رئيسيين: الجناس التام الذي تتفق فيه اللفظان في أربعة أمور هي نوع الحروف وحركتها وعددها وترتيبها، والجناس غير التام الذي يختلف فيه اللفظان في واحد من هذه الأمور الأربعة. وقد اعتنى البلاغيون بهذا الفن عناية بالغة، فوضعوا له الضوابط والشروط، وميّزوا بين أنواعه، واستشهدوا له من الذكر الحكيم ومن الشعر العربي. وفي هذا المقال نستعرض هذا الفن البديعي بشيء من التفصيل والتحليل.

—

عناصر المقال

1. تعريف الجناس وانتماؤه لعلم البديع

2. الجناس التام: تعريفه وشواهده

3. الجناس غير التام: تعريفه وشواهده

4. تمارين تطبيقية على الجناس

—

 أولاً: تعريف الجناس وانتماؤه لعلم البديع

ينتمي الجناس إلى علم البديع الذي يُعرف به طرق تحسين الكلام، وتنقسم المحسنات إلى لفظية ترجع إلى اللفظ، ومعنوية ترجع إلى المعنى.

والجناس هو: تشابه اللفظين في النطق واختلافهما في المعنى.

—

 ثانياً: الجناس التام: تعريفه وشواهده

 تعريف الجناس التام

الجناس التام هو ما اتفق فيه اللفظان في أربعة أشياء هي: نوع الحروف، وحركتها، وعددها، وترتيبها.

 شواهد الجناس التام من القرآن الكريم

المثال الأول:

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: 55].

المثال الثاني:

قول أبي تمام:

ما مات مِنْ كرمِ الزمان فإنه ** يَحْيا لَدى يحيى بْنِ عبدِ الله

 أمثلة إضافية على الجناس التام

قول الشاعر:

لم نَلْقَ غيرَك إنسانًا يلاذُ به ** فلا برِحْتَ لعينِ الدهر إنسانًا [1]

الشاهد قوله: إنسانًا يلاذ به، والمراد به البشر.

وقوله: لعين الدهر إنسانًا، والمراد به إنسان العين؛ لأن إنسان العين هو الذي يكون به البصر [2].

وقول الشاعر:

فدارهم ما دمت في دارهم ** وأَرْضِهم ما دمت في أرضهم [3]

في هذا البيت شاهدان:

 الشاهد الأول: قوله: فدارهم ما دمت في دارهم؛ فـ(دارهم – ودارهم) متفقان في الهيئة والنوع والعدد والترتيب، والمعنى مختلف. فـ(دارِ) الأولى: فعل أمر، و(دار) الثانية: اسم.

والشاهد الثاني: قوله: أرضهم ما دمت في أرضهم؛ فـ(أرضهم وأرضهم) متفقان في الحروف ترتيبًا وعددًا وهيئة ونوعًا، ومختلفان في المعنى. فـ(أرضهم) الأولى فعل أمر من رضي، و(أرضهم) الثانية اسم [4].

وقول الشاعر:

وسميتُه يحيى ليحيى فلم يكن ** إلى ردِّ أمر الله فيه سبيل

فقوله (يحيى – ليحيى) جناس تام؛ لأن اللام حرف جر، وليست من الكلمة.

—

 ثالثاً: الجناس غير التام: تعريفه وشواهده

 تعريف الجناس غير التام

الجناس غير التام هو ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الأمور الأربعة السابقة.

 أمثلة الجناس غير التام

المثال الأول:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ** إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23]. اختلفا في «نوع الحروف».

المثال الثاني:

“اللهم استر عوراتِنا وآمن روعاتِنا”. اختلفا في «ترتيب الحروف».

المثال الثالث:

“اللَهُمَ كَمَا حَسَنْتَ خَلْقِي فَحَسِنْ خُلُقِي”. اختلفا في «حركة الحروف».

المثال الرابع:

﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ** إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 29، 30]. اختلفا في «عدد الحروف».

 شاهد شعري على الجناس غير التام

قول الشاعر:

يمدون من أيدٍ عواصٍ عواصم ** تصل بأسيافٍ قواضٍ قواضب [5]

الشاهد: قول الشاعر: (عواصٍ – عواصم)، و(قواضٍ – قواضب). فهذا جناسٌ غير تام؛ لأن الثانية أزيد من الأولى بحرفٍ [6].

—

 رابعاً: تمارين تطبيقية على الجناس

حدِّد موضع الجناس، وبيِّن نوعه فيما يلي:

1-  ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ** يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: 43 – 44].

2- ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ** وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 9، 10].

3-   ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1].

4-  عباسُ عباسٌ إِذَا احتَدَم الوغَى ** والفَضْلُ فَضْلٌ والربيعُ ربيعُ

5-  إن الله يُمهِل ولا يُهمِل.

6-  رأيت الناس قد مالوا ** إلى من عندَه مالُ

      ومن لا عنده مالُ ** فعنه الناسُ قد مالوا

7-  رحِم الله امرأً أمسكَ ما بين فكَّيه، وأطلق ما بين كفَّيه.

 

خاتمة المقال

وبعد هذا العرض لفن الجناس في البلاغة العربية، يتبين لنا مدى عناية البلاغيين بهذا الفن البديعي، وحرصهم على تصنيفه وتبيين أنواعه. وقد رأينا كيف تجلى الجناس التام في أبهى صوره في القرآن الكريم، حيث تكررت الألفاظ بمعانٍ مختلفة دون أي تغيير في بنيتها، وكيف جاء الجناس غير التام متنوعاً بين اختلاف في نوع الحرف، أو زيادة في العدد، أو تغيير في الهيئة.

وهذا كله يدل على ثراء اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها الفائقة على احتواء المعاني المتعددة في اللفظ الواحد.

 

—————————

 [1] الشاهد قوله: إنسانًا يلاذ به، والمراد به البشر. وقوله: لعين الدهر إنسانًا. والمراد به إنسان العين؛ لأن إنسان العين هو الذي يكون به البصر.

[2] وهذا النوع من الجناس التام يسمى مماثلًا؛ لأنه جاء بين لفظين من نوع واحد من أنواع الكلمة التي هي الاسم والفعل والحرف. فالإنسان الأول الذي بمعنى البشر، والإنسان الثاني الذي بمعنى حدقة العين، قد اتفقا في نوع الاسمية، مع كونهما متفقين في جميع الأوجه السابقة، فكان الجناس التام بينهما متماثلًا. وإنما سمي هذا بالمتماثل؛ جريًا على اصطلاح المتكلمين من أن التماثل هو الاتحاد في النوع.

[3] في هذا البيت شاهدان: الشاهد الأول: قوله: فدارهم ما دمت في دارهم؛ فـ: (دارهم – ودارهم) متفقان في الهيئة والنوع والعدد والترتيب، والمعنى مختلف. فـ (دارِ) الأولى: فعل أمر. و(دار) الثانية: اسم. والشاهد الثاني: قوله: أرضهم ما دمت في أرضهم؛ فـ: (أرضهم وأرضهم) متفقان في الحروف ترتيبًا وعددًا وهيئة ونوعًا، ومختلفان في المعنى. فـ: (أرضهم) الأولى فعل أمر من رضي. و(أرضهم) الثانية اسم.

[4] ويسمى هذا النوع من الجناس التام مستوفي، والجناس المستوفي هو ما كان التام من الجناس فيه بين لفظين من نوعين؛ أي: من اسم وفعل، أو اسم وحرف، أو من فعل وحرف، والمؤلف رحمه الله مثَّل لما كان من اسم وفعل. ومثال الذي بين اسم وحرف، نحو: رُبَّ رجل شرب، رُب رجل آخر. فـ: رب الأولى حرف جر، والثانية اسم للعصير المعلوم. والذي بين حرف وفعل، نحو: علا زيد على جميع أهله؛ أي: ارتفع عليهم؛ فـ: علا الأولى فعل، والثانية حرف.

[5] الشاهد: قول الشاعر: (عواصٍ – عواصم)، و(قواضٍ – قواضب). فهذا جناسٌ غير تام؛ لأن الثانية أزيد من الأولى بحرفٍ.

[6] قال الشيخ العلامة محمد فضل حق الرامفوري في كتابه (شموس البراعة) ص146: فالتام من الجناس ما – أي: لفظ – اتفقت حروفه مع حروف لفظ آخر في الأمور الأربعة: الأول في الهيئة؛ أي: في هيئة الحروف الحاصلة باعتبار الحركات والسكنات، فنحو: البَرَد – بفتح الباء – والبُرْد – بضمها – ليس بينهما جناس تام؛ لاختلاف حركة الباء. والثاني: في النوع؛ أي في نوع الحروف، بأن يكون كل حرف في أحد اللفظين هو في الآخر، وإنما أورد لفظ النوع تنبيهًا على أن كل حرف من الحروف الهجائية التسعة والعشرين نوع برأسه. فالألف نوع تحته أصناف؛ لأنها إما أصلية أو مقلوبة عن واو أو عن ياء، والباء كذلك؛ لأنها إما مدغمة أو مشددة أو لا، وبهذا القياس يخرج عن التام؛ نحو: يفرح ويمرح؛ لكونهما مختلفين في الميم والفاء. والثالث: في العدد، بأن يكون مقدار حروف أحد اللفظين هو مقدار حروف اللفظ الآخر، فيخرج نحو (الساق) و(المساق)؛ لأن الميم في الثاني لا يقابلها شيء في الأول، فلم يتفق عدد الحروف في اللفظين. والرابع: في الترتيب، بأن يكون المقدم والمؤخر في أحد اللفظين هو المقدم والمؤخر في الآخر، فيخرج نحو: الحتف والفتح؛ لاختلافهما في الترتيب؛ اهـ.

ترك تعليق