الجناس في اللغة العربية: أنواعه وشواهده من القرآن والشعر

الجناس في اللغة العربية: أنواعه وشواهده من القرآن والشعر

 مقدمة المقال

يُعد الجناس من أبرز المحسنات البديعية التي تُضفي على النص الأدبي جمالاً وإيقاعاً مميزاً، فهو ذلك الفن البلاغي الذي يعتمد على التشابه في الألفاظ مع الاختلاف في المعاني، مما يمنح الكلام ثراءً دلالياً وجرساً موسيقياً يأسر الأسماع. وقد اعتنى علماء البلاغة بهذا الفن عناية بالغة، فقسموه إلى أقسام متعددة، وبيّنوا شروطه وضوابطه، واستشهدوا له من القرآن الكريم والشعر العربي. وفي هذا المقال نستعرض قسمي الجناس: التام وغير التام، مع ذكر أمثلتهما من الذكر الحكيم ومن الشعر العربي، وفق ما ورد في كتب البلاغة المعتمدة.

عناصر المقال

1)    تعريف الجناس وقسماه

2)    الجناس التام: تعريفه وشواهده

3)    الجناس غير التام: تعريفه وشواهده

أولاً: تعريف الجناس وقسماه

الجناس في اصطلاح البلاغيين هو أن يتشابه اللفظان في التلفظ ويختلفا في المعنى. وهو ينقسم إلى قسمين رئيسيين: جناس تام، وجناس غير تام (ويُسمى ناقصاً). وهذا التقسيم مبني على مدى اتفاق اللفظين أو اختلافهما في خصائصهما الصوتية والبنائية.

ثانياً: الجناس التام: تعريفه وشواهده

 تعريف الجناس التام:

الجناس التام هو ما اتفق فيه اللفظان في أربعة أمور: أنواع الحروف، وأعدادها، وهيئتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها. وهذا النوع هو أكمل أنواع الجناس إبداعاً وأسماها رتبةً.

 شواهد الجناس التام من القرآن الكريم

المثال الأول: قوله تعالى في سورة الروم

قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: 55].

الشاهد على الجناس التام في هذه الآية الكريمة هو كلمة (الساعة)، فقد ذُكرت مرتين بمعنيين مختلفين، فالأولى يُقصد بها يوم القيامة، والثانية يُقصد بها المدة الزمنية من الوقت.

المثال الثاني: قوله تعالى في سورة الرحمن

قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7 – 9].

فقد تكرَّرت كلمة الميزان دون أي تغيير في شكل الكلمة، فقد وردت في الآية الكريمة ثلاث مرات بمعان مختلفة، فالميزان في الأولى بمعنى الشرع، والثانية بمعنى التقدير والوزن، والأخيرة بمعنى الميزان المعروف لدينا.

المثال الثالث: قوله تعالى في سورة النور

قال الله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: 43، 44].

شاهدنا في هذه الآية الكريمة جاء في كلمة (الأبصار)، فمعناها في الأولى البصر حاسة البصر، أما في الثانية فهي إشارة لأصحاب العقول.

 شاهد من الشعر العربي

ومنه قول الشاعر:

ومنه ما قضى الله كائنٌ لا مَحالهْ ** والشقي الجهول مَن لام حالَهْ

—

 ثالثاً: الجناس غير التام (الناقص): تعريفه وشواهده

 تعريف الجناس غير التام

الجناس غير التام (الناقص) هو الجناس الذي يختلف فيه اللفظان في نوع الحروف أو عددها، أو هيئتها أو ترتيبها، مع اختلاف في المعنى.

 شواهد الجناس غير التام من القرآن الكريم

المثال الأول: قوله تعالى في سورة القيامة

قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23].

في هذه الآية الكريمة نلاحظ أن شاهدنا على الجناس الناقص غير التام قد وقع بين لفظتي (ناضرة) و(ناظرة)، فقد اختلفتا في نوع الحرف، فجاء حرف الضاد في الأولى، أما الثانية فجاء فيها حرف الظاء.

المثال الثاني: قوله تعالى في سورة القيامة

قال الله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 29، 30].

وهنا نرى أن الجناس الناقص غير التام جاء بين لفظتي (المساق) و(الساق)، فقد زادت الأولى بحرف الميم عن الثانية، وهذا تغيُّر في عدد الحروف بين اللفظتين.

المثال الثالث: قوله تعالى في سورة الأنعام

قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26].

أما في هذه الآية الكريمة فنلاحظ أن الجناس الناقص غير التام جاء هنا بين لفظتي (ينهون) و(ينأون)، فقد تغيَّر فيهما نوع الحرف، ففي الأولى حرف الهاء، وفي الثانية نلاحظ أن الهمزة جاءت مكان الهاء في الكلمة الأولى.

 شاهد من الشعر العربي

قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:

إن البكاء هو الشفا **ءُ مِنَ الجَوى بين الجوانح

في هذا البيت الشعري نلاحظ أنه قد جاء الجناس الناقص بين كلمتي (الجوى) و(الجوانح)؛ ذلك لأنه قد حدثت زيادة في عدد حروف كلمة (الجوانح) عن كلمة (الجوى) [1].

خاتمة

وبعد هذا العرض الموجز لأقسام الجناس وشواهده، يتبين لنا مدى عناية البلاغيين بهذا الفن البديعي، وحرصهم على تصنيفه وتبيين أنواعه. وقد رأينا كيف تجلى الجناس التام في أبهى صوره في القرآن الكريم، حيث تكررت الألفاظ بمعانٍ مختلفة دون أي تغيير في بنيتها، وكيف جاء الجناس غير التام متنوعاً بين اختلاف في نوع الحرف، أو زيادة في العدد، أو تغيير في الهيئة. وهذا كله يدل على ثراء اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها الفائقة على احتواء المعاني المتعددة في اللفظ الواحد، مما يجعلها لغة القرآن الكريم ووعاء الوحي الخالد.

 

—————————–

 [1] يُنظَر: البلاغة العربية، لحنبكة، (2/ 494).

ترك تعليق