حرفية “ليس” في النحو العربي: رؤية نقدية وأسس نظرية
حرفية “ليس” في النحو العربي: رؤية نقدية وأسس نظرية
حرفية “ليس”: الأسس النظرية:
تُعد أداة “ليس” واحدة من أكثر الأدوات النحوية التي أثارت جدلاً واسعاً بين النحاة قديماً وحداثاً؛ فبينما يذهب جمهور النحويين إلى عدّها فعلاً ماضياً جامداً يرفع المبتدأ وينصب الخبر، تطرح هذه الرؤية النقدية طرْحاً مغايراً يستند إلى حرفيتها.
يُبنى هذا الطرح على تفكيك الأسس النظرية لتعريف الفعل لدى كبار أئمة اللغة مثل سيبويه، وابن هشام، والسيوطي، الذين اشترطوا في الفعل اقتران الحدث بالزمان.
وبالتطبيق على “ليس“، يتبيّن خلوّها من الدلالة الحدثية والزمنية المستقلة، مما يضع فعليتها محل استفهام. كما يناقش الطرح شبهة اتصال الضمائر بها، وتفرُّدها في سلوكها الصرفي بين الأفعال معتلة الوسط بعدم تغيير حركة فائها عند الإسناد. وتتعزز هذه النظرية باستقراء الاستعمال القرآني؛ إذ يُظهر التحليل الإحصائي لـ (88) موضعاً وردت فيها “ليس” عدم تقدم خبرها عليها مطلقاً، وتبادلها الوظيفي مع حروف النفي الكافة.
تعريفات النحاة للفعل واختبارها على “ليس”
لا خلاف بيني وبين النحاة – جميعًا – في أن “ليس” ترفع الاسم وتنصب الخبر، ولكن الذي أخالف فيه معظمهم أن “ليس” حرف اختص بهذه الوظيفة، ولقد بنيت حكمي بحرفيتها على الأسس التالية:
أولاً: تعريفات النحاة للفعل
يقول سيبويه:
“واعلم أن الفعل الذي لا يتعدى الفاعل، يتعدى إلى اسم الحدثان الذي أُخذ منه؛ لأنه إنما يُذكر ليدل على الحدث، ألا ترى أن قولك قد ذهب بمظنة قولك قد كان منه ذهاب”[2].
ويضيف: “ويتعدى إلى الزمان نحو قولك ذهب؛ لأنه بُني لما مضى منه وما لم يمض، فإذا قال: ذهب فهو دليل على أن الحدث فيما مضى من الزمان، وإذا قال: سيذهب فإنه دليل على أنه يكون فيما يستقبل من الزمان، ففيه بيان ما مضى وما لم يمض، كما أن فيه استدلالًا على نوع الحدث”[3].
وخلاصة هذا القول:
أن الفعل ما دل على حدث مقترن بزمن.
وقد يكون هذا التعريف أكثر وضوحًا عند ابن هشام حيث يقول: “الفعل في الاصطلاح: ما دل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة”[4]. وهذا ما ذهب إليه ابن الحاجب في شرح الكافية[5]، ويقول السيوطي في “همع الهوامع” ما هو أشمل: “الاسم ما دل على معنى في نفسه ولم يقترن بزمان، والفعل ما دل على معنى في نفسه واقترن، والحرف: ما دل على معنى في غيره”[6].
والذي أفهمه مما سبق من تعريفات أن الفعل كي يكون فعلًا لا بد أن يتوافر فيه شرطان:
1) دلالته على الحدث.
2) دلالته على الزمن.
فهل “ليس” ينطبق عليها ما ذكرت من تعريفات أو ما استخلصته من شروط؟ لا أظن “محايدًا” يمكن أن يدعي شيئًا من ذلك. ولقد عوَّدنا النحاة على الصرامة في تطبيق الأحكام، ولكنني في هذه الأداة لم أجد إلا غموضًا.
مسألة دخول الضمائر على “ليس”
وقد يقول قائل مثلما قال النحاة:
إن دليل فعليتها دخول الضمائر عليها، حيث نقول: لستُ ولستَ ولسنا… وأبادر قائلًا: هذه الضمائر ليست دليل فعلية، وإنما هي علامات، فمثلًا: الطربوش، أو البذلة يلبسهما الإنسان، وليس معنى هذا إن ألبستهما لقرد صار بالضرورة إنسانًا.
سؤال يكشف اضطراب القاعدة
في “ليس” نقول لسْتُ:
بفتح اللام عند إسنادها إلى تاء الفاعل. ونقول: قُلْتُ: بضم القاف عند إسناده إلى تاء الفاعل.
ونقول: بِعْتُ: بكسر الباء عند إسنادها إلى تاء الفاعل.
ألست ترى معي أن “ليس” هي الوحيدة من معتلات الوسط التي بقي فاؤها مفتوحًا، على الرغم من أن قاعدة الأفعال تقول: عند إسناد الفعل الماضي منها إلى تاء الفاعل يضم أوله إن كان وسطه واوًا، وتكسر فاؤه إن كان وسطه ياءً، فما بال “ليس“، لم يُضمَّ فاؤها ولم يُكْسَر؟!
دليل الاستعمال القرآني على حرفية “ليس”
ويقولون عن “ليس”: إنها فعل ماضٍ لنفي حدوث الخبر، وأنا أدعو للنظر إلى الآيات الكريمة التالية؛ لنرى كيفية نفي الخبر إن كان هذا الزعم صحيحًا:
– ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 30].
– ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53].
– ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81].
– ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 32].
– ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 10].
– ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36].
– ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: 37].
– ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: 51].
ولقد وردت بهذا الأسلوب وهذا المعنى في ستة عشر موضعًا في القرآن الكريم، ويصر النحاة على أن “ليس” تعمل عمل كان وأخواتها، حيث إنها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وأنا لا أنكر هذا العمل، ولكنني أتساءل: أليس نصبها للخبر في الأغلب الأعم محلاً وليس نصبًا ظاهرًا؟
إحصائية ورود “ليس” في القرآن الكريم
وردت “ليس” في القرآن الكريم ثمانيًا وثمانين مرة:
1) منها ثلاثون مرة خبرُها شبه جملة – جار ومجروره وأداة الجر اللام، مثل قوله: ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ [الأحقاف: 32].
2) ومنها أربع وعشرون مرة خبرها شبه جملة (جار ومجرور، وأداة الجر الباء)، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 61].
3) ومنها ثماني عشرة مرة جاء خبرها (شبه جملة جار ومجرور، وأداة الجر على)، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101].
4) ومنها خمس مرات جاء خبرها (شبه جملة جار ومجرور، وأداة الجر من)، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46].
5) ومنها خمس مرات جاء خبرها شبه جملة (جار ومجرور)، وحرف الجر “في” مثل قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 32].
6) ومنها مرتان جاء خبرها شبه جملة “جار ومجرور” وحرف الجر الكاف: هما في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: 32]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
7) وردت مرتين عبارة عن أسلوب قصر بمعنى ما وإلا، وبالطبع ليس فيهما نفي، كما أنها غير ناصبة للخبر، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39].
خلاصة الإحصائية:
أن خبر “ليس” ورد أربعًا وثمانين مرة شبه جملة (جارًّا ومجرورًا) في محل نصب، وأربع مرات – فقط – ورد منصوبًا صراحةً. كما أن اسمها ورد خمسًا وخمسين مرة في القرآن الكريم نكرة، والخبر شبه جملة متقدمًا عليه.
معنى هذا: أن “ليس” تنفي وقوع شيء على ما يأتي بعدها اسمًا كان أو خبرًا. فإن تقدم الخبر فإنها تنفي وقوع الاسم عليه. انظر في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ [النحل: 99]. حيث نفت وقوع السلطان على الخبر (له). وأيضًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة: 198]. حيث نفت وقوع (جناح)، وهو الاسم على الخبر “عليكم“، وتنفي وقوع الخبر على الاسم في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46].
عدم تقدم الخبر على “ليس” في القرآن
ومن دراستي لـ”ليس” في القرآن الكريم لم أجدها يتقدم عليها خبرها ولو مرة واحدة، وهذا يقوي حرفيتها حيث تشبه “ليس” في هذا أخواتها (لا – ما – لات – إن). يقول في ذلك السيوطي في “همع الهوامع”: “وأما (ليس) فجمهور الكوفيين والمبرد والزجاج وابن السراج والسيرافي، والفارسي وابن أخته والجرجاني وأكثر المتأخرين، منهم ابن مالك على المنع فيها”[7].
العطف على “ليس” بلا النافية
ثم – أيضًا – من خلال تأملي لورودها في القرآن الكريم وجدت الدليل على حرفيتها، فقد وردت ثماني مرات معطوفًا عليها بلا النافية، والمعنى مستقيم، بل هو المعنى نفسه، والوظيفة هي الوظيفة نفسها، من ذلك قوله تعالى:
1. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123]. أي: وليس بأمانيِّ أهل الكتاب.
2. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: 51]. أي: ليس لهم من دونه وليّ، وليس لهم من دونه شفيع.
3. ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 91]. فالمعنى: ليس على الضعفاء حرج. وليس على المرضى حرج. وليس على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج.
هل هناك ما يخل بالمعنى مع هذا التبادل بين الحرفين، أو ما يخل بالأسلوب؟ ثم ماذا يضير (ليس)، بل ماذا يضير النحو العربي أن تكون حرفًا ما دامت الوظيفة لن تتغير؟!
