جدلية “ما” بين الموصولية والوصفية: دراسة في الدلالة والتركيب بأساليب المدح والذم القرآني

جدلية “ما” بين الموصولية والوصفية: دراسة في الدلالة والتركيب بأساليب المدح والذم القرآني

يناقش هذا المقال معضلة نحوية ودلالية دقيقة شغلت فحول اللغويين والمفسرين، وهي التمييز بين “ما” الموصولة و”ما” النكرة الموصوفة الناقصة. ويسعى البحث إلى تفكيك هذه العلاقة التلازمية في بنية الجملة العربية، مستعرضًا مظاهرها التطبيقية في آيات المدح والذم والبيان القرآني. كما يهدف الطرح إلى بيان أثر هذا التوجيه الإعرابي في سعة المعنى وعمومه، وكيف يتأثر النظم البياني صعودًا وهبوطًا باختيار الوصفية أو الموصولية.

أولًا: التكييف البنيوي والاختلاف المصطلحي بين الموصولة والموصوفة

وضع نحاة البصرة والكوفة فواصل نظرية بين “ما” إذا عُدّت اسمًا موصولًا، وبينها إذا عُدّت نكرة موصوفة موغلة في الإبهام؛ وهذا التباين لم يقف عند حدود التسمية، بل تعداه إلى الموقع الإعرابي للجملة الواقعة بعدها؛ حيث اصطلحوا على تسمية الجملة بعد الموصولة “صلة الموصول” وحكموا عليها بأنها لا محل لها من الإعراب، في حين سموا الجملة التابعة للموصوفة “صفة” أو “نعتًا”، وجعلوا لها محلًا إعرابيًا يتبع حركة الموصوف رفعًا أو نصبًا أو جرًا [1].

إن جوهر الإشكالية ينبثق من كون “ما” أداة مبهمة عامة، تُستعمل في الكلام كوصلة لفظية لوصف ما هو غامض بالجمل؛ ولأن الموصوف الحقيقي الواجب حذفه غير محدد في أصل الوضع، فقد تداخلت التقديرات الذهنية في مخيلة النحاة بين جعله نكرة أو معرفة:

تقدير المعرفة:

 إذا قُدّر الموصوف المحذوف معرفة (كالشيء)، تحولت “ما” إلى أداة وصل لوصف تلك المعرفة، فتصير اسمًا موصولًا. ففي قولنا: “يعجبني ما صنعتَه”، يستقيم في الذهن تقدير: “يعجبني الشيءُ الذي صنعتَه”.

تقدير النكرة:

إذا قُدّر الموصوف نكرة (كشيء)، أصبحت “ما” نكرة موصوفة؛ أي: “يعجبني شيءٌ صنعتَه”.

وهذا التداخل يثبت أن الحرفين في الأصل مادة واحدة تشعبت وجوهها [2]. ومن لطائف هذا الباب أن النحاة يعتبرون “ما” وصلتها كالاسم الواحد الذي لا يقبل التجزئة؛ ولذلك أنكر فريق من الحذاق وقوع “ما” نكرة موصوفة بصلتها منعًا للفصل المتخيل [3].

ثانيًا: “ما” في مغاصات أسلوب المدح والذم مع (نعم وبئس)

أجمع أهل التفسير والعربية على جواز إشراب “ما” معنى النكرة الموصوفة لتكون بمنزلة كلمة (شيء)؛ وتجلى هذا بوضوح عند اتصالها بأفعال المدح والذم (نعم وبئس) إذا تلتها جملة فعلية. وقد تباينت توجيهات الأئمة في هذا التركيب:

مذهب الكسائي:

 ذهب إلى إضمار “ما” ثانية، فقدر نحو: “بئس ما صنعتَ” على أنها “بئسما ما صنعتَ”، ليقيس المثال على النسق الفصيح: “بئس الرجل عبد الله”.

مذهب الفراء:

 نظر إلى (نعما) و(بئسما) ككتلة بنائية واحدة رُكبت تركيبًا مزجيًا، فصارت عنده كلمة واحدة لا تتجزأ بمنزلة (كلما) و(حبذا) [4].

المذهب الشائع:

 جعل “ما” نكرة موصوفة في محل نصب على التمييز، والفاعل ضمير مستتر يفسره التمييز، والتقدير: “بئس شيئًا صنعتَ”، و”نعم شيئًا وعظكم به”، بينما أجاز آخرون جعلها معرفة دالة على الجنس [5].

ومع ذلك، يضع محققو النحو حاجزًا أمام جعل فاعل (نعم وبئس) هو الاسم الموصول (الذي أو ما)؛ لأن الموصولات معارف تقع على معين، بينما الفاعل هنا يجب أن يكون جنسًا أو ما يفيد الجنس استنادًا لما قعده ابن عصفور [6]. وفي المقابل، نجد أن ابن الأثير الحلبي ضبط حد المعرفة والنكرة بفرق دلالي؛ حيث جعل المعرفة للمعين والنكرة لما لا يتعين [7].

وبناءً على هذا، يمتنع جعل “ما” معرفة عهدية أو جنسية لأنها لا تنوب عن معين أو جنس محدد، كذا يمتنع جعلها نكرة بمنزلة (شيء)؛ لأن (شيء) يفيد الآحاد، بينما “ما” تفيد العموم والاستغراق. لذا، تترجح الموصولية لتكون بمنزلة (الذي) الجنسية الشاملة، كما في قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ [البقرة: 90]، وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ [المائدة: 80]. وحينئذٍ يتعين وجه الموصولية لوجود الضمير العائد في الصلة متمثلاً في الجار والمجرور (به) [8]، ونظيره قوله سبحانه: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ [البقرة: 93].

ثالثًا: سعة العموم البلاغي للموصولية مقابل ضيق النكرة الموصوفة

يتضح تفوق الاختيار الموصولي على الوصفية في آيات الذكر الحكيم من خلال التفريق بين “العموم الشامل” و”الفردية الضيقة”؛ فحين نقرأ قوله تعالى: ﴿ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَتْلُونَ وَتَقُولُونَ [النساء: 43]، نجد أن من قدر “ما” نكرة موصوفة جعل المعنى: “حتى تعلموا شيئًا تقولونه” [9]. وهذا التقدير مائل عن جادة الصواب البلاغي؛ إذ ليس المراد أن يفقه المصلّي آية واحدة أو جزءًا يسيرًا مما ينطق به، بل المراد والاستحقاق الشرعي يوجبان أن يكون واعيًا ومستوعبًا لكل كلمة وآية يتلوها في صلاته.

ويتأكد هذا المنحى البياني في شواهد أخرى يفسد وجه النكرة الموصوفة معناها المتكامل:

﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ [النساء: 81]: تقديرها بـ “يكتب شيئًا يبيتونُه” [10] يقصر علم الله وكتابته على جزء من كيدهم، بينما الحقيقة أن الإحصاء الإلهي يستغرق كل تبييتهم وحيلهم، فتعينت الموصولية لتبيد هذا القصور الإعرابي.

﴿ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [يس: 57]: قيل في تقديرها “ولهم شيء يدعونه” [11]، وهو لا يتناسب مع مقام الإكرام السني المطلق لأهل الجنة؛ فالله لا يعطيهم شيئًا مجزوءًا، بل لهم كل ما تطلبه أنفسهم وتتمناه بلا سقف أو حد.

وقد انتبه أبو حيان الأندلسي لهذه الدقائق؛ فاستبعد وجه النكرة الموصوفة في قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة: 3]، معللاً ذلك بأن تقدير “ومن شيء رزقناهم” يضعف التمدح القرآني للمؤمنين، لأن الثناء إنما يقع على الإنفاق من عموم المرزوق [12].

وعلى نفس النسق، منع العكبري الوصفية في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4]؛ لأن الإيمان لا يكتمل ولا يتحقق بـ “شيء أُنزل”، بل بوجوب الاستسلام لجميع التنزيل والوحي [13]. وحين أجاز العكبري الوصفية في موضع آخر: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ [البقرة: 27] [14]، تعقبه أبو حيان مبينًا أن الذم البليغ والتقريع الإلهي لا يتحققان إلا إذا كان القطع واقعًا على المعنى المطلق العام، وهو ما تضمنه الموصولية دون النكرة الموصوفة [15].

وحتى في المواضع التي تبدو فيها “ما” نكرة محددة، كقوله تعالى: ﴿ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: 23]؛ حيث قيل إنها نكرة بمعنى شيء [16]، فإن التحقيق يقتضي جعلها نكرة عامة مستغرقة، ليكون التقدير الشافي على لسان الملك الشاهد: “إني أحضرت ووفرت كل ما وكلتني بإحضاره من عمله بلا زيادة أو نقصان” [17].

 

——————————-

 [1] ابن الأنباري، المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات، ص261، وانظر: ابن يعيش، شرح المفصل 4/ 302، والرضي الاستراباذي، شرح كافية ابن الحاجب 3/ 8.

[2] انظر تفصيل مسألة تقدير النكرة والمعرفة في الموصولات عند: ابن جني، الخصائص 2/ 400.

[3] ابن الحاجب، الأمالي النحوية، ص318، وانظر: السيوطي، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع 1/ 316.

[4] الفراء، معاني القرآن 1/ 56-58، وانظر: أبو جعفر النحاس، إعراب القرآن 1/ 197-198، ومكي بن أبي طالب القيسي، مشكل إعراب القرآن 1/ 104، وابن السيد البطليوسي، الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل، ص351.

[5] سيبويه، الكتاب 3/ 155-156، وانظر: الأخفش، معاني القرآن 1/ 37-38، والزجاج، معاني القرآن وإعرابه 1/ 172، وابن الأنباري، البغداديات ص252، والزمخشري، الكشاف 1/ 523، والإسفراييني، لباب الإعراب ص96، والزركشي، البرهان في علوم القرآن 4/ 408.

[6] البطليوسي، الحلل ص352، وانظر: ابن الأنباري، البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 177-178، وابن فخار، شرح جمل الزجاجي 1/ 600.

[7] ابن الأثير الحلبي، جوهر الكنز، ص288.

[8] ابن المنير، الكشف في نكت المعاني والإعراب 1/ 57، وانظر: ابن الحاجب، الإيضاح في شرح المفصل 2/ 101، وابن هشام، الجنى الداني في حروف المعاني ص336-337.

[9] العكبري، التبيان في إعراب القرآن 1/ 361.

[10] المصدر نفسه 1/ 375.

[11] مكي القيسي، مشكل إعراب القرآن 2/ 607، والتبيان للعكبري 2/ 1085.

[12] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير 1/ 41.

[13] العكبري، التبيان في إعراب القرآن 1/ 19.

[14] المصدر نفسه 1/ 44.

[15] أبو حيان، البحر المحيط 1/ 128، وينظر: العتوم، دراسات لأسلوب القرآن الكريم 3/ 17.

[16] الأخفش، معاني القرآن 1/ 36.

[17] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 4/ 225.


ترك تعليق