قصور دلالة الحال وكفاية واو المعية: رؤية تطبيقية في حل مشكلات الإعراب والتفسير للنصوص الشرعية

قصور دلالة الحال وكفاية واو المعية: رؤية تطبيقية في حل مشكلات الإعراب والتفسير للنصوص الشرعية

يُمثل الإعراب الوجه التطبيقي لبيان المعاني وتحديد المقاصد في النصوص العربية، ولاسيما نصوص الكتاب والسنة. غير أن الإصرار على توجيه “الواو” في بعض التراكيب على أنها واو حالية أو عاطفة فحسب، كثيراً ما أوقع النحاة والمفسرين في إشكالات دلالية معقدة تُفسد المعنى المستقر أو تلجأ به إلى التكلف والتمحل. يقدم هذا المقال دراسة نقدية تطبيقية لأربعة مواضع شهيرة، يُثبت من خلالها كيف يزول الإشكال وينبثق المعنى بوضوح عند توجيه الواو إلى “المعية والمصاحبة”.

الموضع الأول: الواو الداخلة على الجملة الشرطية (واو المعية والشرط الفرضي)

وقع النحاة والمفسرون في حيرة عند إعراب الواو الداخلة على “إن” الشرطية في تراكيب تفيد الشمول والاستقصاء؛ كقوله ﷺ: “من مات ولم يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق” [1].

توجيه العطف:

ذهب الإمام السهيلي إلى جعل الواو عاطفة، واعتبرها جيء بها لتحصين المعنى العام [2]. ولكنه مذهب يواجه مشكلة حذف المعطوف عليه بأسلوب غير مألوف في فصيح الكلام وبتقدير بعيد جداً.

توجيه الحالية:

ذهب الأسفراييني [3]، والكرماني [4]، والزركشي [5] إلى جعل الواو حالية في هذا الحديث وفي تراكيب مشابهة مثل: “أكرمني زيد وإن لم أكرمه”، و”زيد وإن كثر ماله بخيل” [6].

نقد التوجيه الحالي وفساد المعنى:

إذا جُعلت الواو حالية، فإن المعنى يفسد؛ فتقدير “أحسن إلى زيد وإن كفّرك” يؤول إلى: “أحسن إليه في حالة كفره لك فقط“، وهو ما يقتضي مفهوم المخالفة ألا تحسن إليه إذا كان مؤمناً مطيعاً! وفي مثال “زيد وإن كثر ماله بخيل”، يؤول التقدير الحالي إلى: “زيد يكون بخيلاً في حالة غنائه وكثرة ماله فقط“، ويقتضي أنه قد يكون كريماً إذا افتقر، وهذا عكس العقل والواقع؛ فالذي يبخل مع الغنى يكون أشد بخلاً مع الفقر.

الحل بمعني “المعية” (مع / على):

يستقيم المعنى تماماً دون تمحل لو اعتبرنا الواو للمعية؛ فيكون تقدير “زيد وإن كثر ماله بخيل” هو: “زيد مع كثرة ماله بخيل”، أي: (على كثرة ماله). وكلمتا (مع) و(على) يتناوبان في إفادة المصاحبة على الرغم من العوارض [7]. ومنه الشواهد القرآنية: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، و﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلناسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: 6]، أي: مع ظلمهم [8].

وقد التقط هذا المعنى المفسر أبو السعود عند تفسير آية الرعد فقال: “المعنى: أن ربك لا يعجل للناس العقوبة وإن كانوا ظالمين” [9]. فالواو في الحديث وفي المثال ليست عطفاً ولا حالاً ولا اعتراضاً [10]، بل هي واو معية اقترنت بجملة شرطية ليفيد التركيب: حصول الجزاء (دخول الجنة/ البخل) مصاحباً ومستمراً على الرغم من حصول الشرط الفرضي.

الموضع الثاني: توجيه الواو في آية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ

امتنع النحاة عن إعراب الواو في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: 282] واو معية؛ نظراً لرفع الفعل (ويعلمُكم)، فلجأوا إلى جعلها حالية أو استئنافية [11].

فساد الحالية والاستئناف:

جعلها حالية يُقيد التقوى بوقت التعليم، وهو غير مقصود. وجعلها استئنافية يقتضي قطع الجملة الثانية عن الأولى تماماً في المعنى والإعراب [12][13]، بينما المعنى شديد التلاحم؛ فالتعليم نتيجة للتقوى وثمرة لها كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [14].

السر البلاغي في المعية الزمنية:

لقد عُدل عن أسلوب الشرط الجزائي الجازم (إن تتقوا الله يعلمكم) إلى أسلوب اقتران الجملتين بالواو؛ لإفادة المعية الزمنية المحضة، ونفي أي تراخٍ أو مهلة بين بدء العبد بالتقوى وبدء الله بتعليمه، فالجزاء يسير جنباً إلى جنب مع الفعل في ذات الوقت. وهذا المعنى الإيماني هو ما عبر عنه الإمام الشافعي في أبياته الشهيرة لشيخه وكيع [15].

الموضع الثالث: التحرر الزماني في مفعول معه الجملة ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا

تُعرب الواو في الآية الكريمة: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [طه: 125] على أنها واو حالية [16]، مع أن القواعد الصارمة للحال تأبى ذلك.

إشكالية اقتران زمن الحال:

تشترط القاعدة النحوية في “الجملة الحالية” أن يكون زمانها مقارناً لزمن عاملها (وقت حدوث الفعل)، والأصل فيها دلالتها على الزمن الحاضر بالنسبة للعامل. لذا يفسد المعنى تماماً لو قدرنا الآية على الحالية؛ إذ يؤول المعنى إلى أن حالة كونه بصيرًا (وهي حالة دنيوية ماضية) قائمة وقت الحشر (وهو فعل أخروي مستقبل)، فيقع التناقض بين العمى والبصر في وقت واحد.

المعية وحرية الزمان:

على العكس من الحال، فإن مفعول معه الجملة لا يشترط فيه اتحاد الزمان الحاضر، بل يُقصد بالواو فيه مجرد الجمع والمصاحبة بين أمرين مرتبطين تلازماً على الرغم من اختلاف زمانيهما (ماضٍ ومستقبل مثلاً)، كقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: 47]، فالولد مستقبل وعدم المساس ماضٍ.

فالآية في سورة طه هي مفعول معه جملة، والتقدير: “لم حشرتني أعمى مع أني كنت بصيراً في الدنيا (أي على الرغم من ذلك)“. وهذا تلاحم ارتباطي تدل عليه الواو دلالة مباشرة، وقد أشار الرازي إلى نظير هذه المعية في عدم اشتراط وحدة الزمان عند حديثه عن آية دخول الجنة والمصاهرة في سورة آل عمران [18].

الموضع الرابع: معيار “الانحلال إلى مفرد” وعجز الحال أمام الشواهد

منذ نشأة النحو مع سيبويه، استقر أن خير معيار للتحقق من حالية الجملة هو مدى صلاحيتها للانحلال إلى “اسم فاعل مشتق” يؤدي معناها [19].

فقد استدل سيبويه على حالية المضارع في “ذره يقول” بتقدير (قائلاً) [21].

واستدل الجرجاني على حالية (ولا أخشى) بتقدير (غير خاشٍ) [25].

شواهد التناقض والامتناع:

بالمقابل، نجد شواهد قرآنية مجمع على حاليتها، لكنها تفشل تماماً أمام معيار الانحلال للمفرد، بل يؤول بها التقدير إلى تناقض مضحك أو فساد عريض:

﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [يوسف: 14] \leftarrow لا يصح تقديرها: (لئن أكله الذئب متعصبين) لفساد المعنى، واضطر الزمخشري لتأويلها بـ “وحالهم أنهم عصبة” [31]، وهو تأويل يبقي الجملة بلا رابط حقيقي يعود على صاحبها.

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: 14] \leftarrow لو حُلّت إلى مفرد لكان التقدير: (تحسبهم جميعاً متفرقين!)، وهو تناقض ظاهر؛ لأنك تحسبهم متجمعين مع أن واقعهم التفرق.

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل: 88] \leftarrow لو جعلت حالاً لكان التقدير: (تحسبها جامدةً مارةً مَر السحاب)، فوقع التناقض والخلط بين الجمود والحركة. وقد اعترف العكبري بالإشكال وحاول التملص منه بجعل الجملة حالاً من الضمير المنصوب في (تحسبها) لا من جامدة [33]، بيد أن التناقض يظل قائماً في كلا التوجيهين [34].

خلاصة التحقيق:

إن هذا التناقض والامتناع دليل قاطع على أن هذه الجمل المرتبطة بالواو ليست أحوالاً في حقيقتها البنيوية، وإنما هي مفعولات معها جاءت الواو فيها بتقدير (مع أنَّ / على الرغم من)، فيستقيم بها اللفظ والمعنى استقامة تامة؛ فتكون الآيات بتقدير: (تحسبهم جميعاً مع أن قلوبهم شتى)، و(تحسبها جامدة مع أنها تمر مر السحاب)، وهو الوجه الأكمل والأليق بفصاحة البيان القرآني.

———————-

[1] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز.

[2] السهيلي، أمالي السهيلي، ص 97؛ وانظر: الدجني، ظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص 423.

[3] الأسفراييني، فاتحة الإعراب في إعراب لغة الصواب، ص 145.

[4] الكرماني، شرح صحيح البخاري، ج7، ص 49؛ والعيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج8، ص 4.

[5] بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص 367.

[6] جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص 155؛ والصبان، حاشية الصبان على الأشموني، ج4، ص 9؛ ويس الحمصي، حاشية الحمصي على التصريح، ج1، ص 46.

[7] الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج2، ص 162؛ وأبو البقاء العكبري، التبيان في شرح الديوان، ج3، ص 162-163.

[8] الزمخشري، الكشاف، ج1، ص 218، وج2، ص 514؛ والسيوطي، الإتقان، ج1، ص 164.

[9] أبو السعود، تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، ج3، ص 99.

[10] أسامة طه، إن الخفيفة المكسورة الهمزة في النحو العربي، ص 84-85.

[11] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج1، ص 232؛ السيوطي، تفسير الجلالين، ص 65؛ والجمل، فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب (حاشية الجمل)، ج1، ص 234-235؛ وابن هشام، مغني اللبيب، ج2، ص 359 (حيث جعلها واو استئناف).

[12] الفيومي، المصباح المنير (مادة أنف)، ج3، ص 123.

[13] الزركشي، البرهان، ج4، ص 437؛ والسيوطي، الإتقان، ج1، ص 178.

[14] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، ج3، ص 406.

[15] ديوان الإمام الشافعي، شعر الشافعي، ص 146.

[16] سورة طه، الآية 125.

[17] سيبويه، الكتاب، ج3، ص 44-45؛ وابن يعيش، شرح المفصل، ج7، ص 33.

[18] فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب (تفسير الرازي)، ج9، ص 19.

[19] ابن جني، المسائل المشكلة، ص 114؛ وابن جني، رصف المباني، ص 418؛ والدسوقي، حاشية الدسوقي على المغني، ج2، ص 148.

[20] عبد القاهر الجرجاني، كشف المشكل في النحو، ج1، ص 483-484.

[21] سيبويه، الكتاب، ج3، ص 98.

[22] المبرد، المقتضب، ج2، ص 65-66.

[23] أبو جعفر النحاس، القطع والائتناف، ص 118.

[24] الرماني، كتاب الحروف، ص 36-39؛ والزمخشري، الكشاف، ج1، ص 653.

[25] عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 205-208.

[26] الزمخشري، الكشاف، ج2، ص 15.

[27] المصدر نفسه، ج2، ص 87؛ والرازي، تفسير الرازي، ج4، ص 21.

[28] الجرجاني، كشف المشكل، ج1، ص 544.

[29] النسفي، تفسير النسفي، ج1، ص 43؛ ابن هشام، أوضح المسالك، ج2، ص 103.

[30] العباسي، معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، ج2، ص 654.

[31] الزمخشري، الكشاف، ج2، ص 449.

[32] أبو السعود، تفسير أبي السعود، ج3، ص 57.

[33] العكبري، التبيان في إعراب القرآن، ج2، ص 1015 (وتحت اسم إملاء ما من به الرحمن، ج2، ص 95).

 

[34] أبو السعود، تفسير أبي السعود، ج4، ص 144.

ترك تعليق