دليل المنهج الأوفى في أحكام بناء الفعل الماضي والأمر: دراسة تحليلية مفصلة
دليل المنهج الأوفى في أحكام بناء الفعل الماضي والأمر: دراسة تحليلية مفصلة
مقدمة في ميزان بناء الأفعال وقيمته اللغوية
إن اللغة العربية، في أصل وضعها، لغة غنية ببيانها ودقيقة في موازينها، وما القواعد النحوية إلا القالب الذي يحفظ لهذا البناء جماله واستقامته. وحينما نبتدئ الحديث عن الفعل الماضي وفعل الأمر، فنحن ندخل في منطقة “البناء”، وهي المنطقة التي لا تقبل التغير بتغير الموقع الإعرابي، بل هي ثابتة ثبات الجبل الراسخ. إن الفعل في حالتي الماضي والأمر لا ينظر إلى العوامل الداخلة عليه لينصب أو يرفع، بل ينظر إلى حاله مع ما اتصل به من ضمائر أو من تجرده منها. ومن هنا تنبع أهمية دراستنا هذه؛ إذ إن معرفة “علة البناء” هي التي تميز بين الطالب المقلد وبين العالم المتبصر الذي يدرك أن حركة الحرف الأخير في الفعل (سواء كانت فتحة أو ضمة أو سكوناً) هي نتيجة حتمية لقاعدة صوتية ونحوية تهدف إلى التيسير على اللسان العربي. إن هذا المقال، بتفصيله المطول، لا يهدف إلى الحشو، بل يهدف إلى إحاطة القارئ بكل ما يحتاجه من تفسيرات وتوجيهات، ليكون هذا النص شاهداً على أن العلم لا يؤخذ بالخطف، بل بالتأمل في كل حرف وموضع، وهو ما سنفصله في الفصول التالية بكل عناية واهتمام.
الفصل الأول: دراسة تفصيلية في أحكام بناء فعل الأمر
فعل الأمر هو ممارسة لغوية تقوم على “الطلب“، وهو في عرف النحاة “مبني على ما يجزم به مضارعه“، وهذه القاعدة هي الميزان الذي نزن به كل أفعال الأمر.
أولاً: تفصيل البناء على حذف النون
يُبنى الفعل الأمر على حذف النون إذا كان مضارعه من الأفعال الخمسة، أي كل فعل مضارع اتصلت به ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة.
الاتصال بألف الاثنين:
كما في قول الله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾[1]، هنا نجد الفعلين “اذهبا” و”قولا”، فلو أردنا إعادتهما إلى أصل المضارع لوجدناهما “تذهبان” و”تقولان”، فلما دخل عليهما فعل الأمر حذفت النون التي كانت علامة للرفع، وبُني الفعل على الحذف، والسبب هو اتصال الفعل بضمير الرفع البارز (ألف الاثنين)، والتي تعرب في محل رفع فاعل.
الاتصال بواو الجماعة:
كما في قوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾[2]. إن اتصال واو الجماعة بالفعل يجعل النون تسقط، ليس فقط لتخفيف اللفظ، بل لقاعدة البناء على ما يجزم به المضارع، وواو الجماعة هنا ضمير مبني على السكون في محل رفع فاعل.
الاتصال بياء المخاطبة:
كما في قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾[3]. نلاحظ أن الأفعال الثلاثة (اقنتي، اسجدي، اركعي) مبنية على حذف النون لاتصالها بياء المخاطبة، وهي ياء ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.
ثانياً: تفصيل البناء على حذف حرف العلة
إذا كان الفعل في الأصل معتلاً (أي ينتهي بألف أو واو أو ياء)، فإن حرف العلة هو أول ما يضحي به الفعل عند صياغة الأمر، وذلك منعاً لالتقاء الساكنين أو دفعاً للثقل في النطق.
في الألف: كقوله تعالى: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾[4]. الفعل في الأصل “ينهى”، وعند الأمر حذفت الألف، وبُني الفعل على الفتحة التي قبل المحذوف دلالة عليه.
في الواو: كقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾[5]، وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾[6]. هنا نجد أن ضمة العين في “اعفُ” وضمة العين في “ادعُ” تدلان على الواو المحذوفة.
في الياء: كقوله تعالى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾[7]. فالكسرة تحت الفاء تدل على الياء التي حُذفت عند البناء.
ثالثاً: أحكام البناء على الفتح
يُبنى فعل الأمر على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد بنوعيها، سواء كانت الخفيفة (التي تكون ساكنة) أو الثقيلة (التي تكون مشددة). مثال ذلك: “اكتبَنَّ” أو “اضربَنَّ”. وهنا لا يهمنا هل الفعل كان صحيحاً أو معتلاً، فالفتح يعلو كل الحروف لاتصال النون المباشر.
رابعاً: أحكام البناء على السكون
هو الأصل في بناء الأمر، ويتحقق في صورتين:
1) إذا كان الفعل صحيح الآخر ولم يتصل به أي ضمير يغير من حاله.
2) إذا اتصلت به نون النسوة، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[8]، حيث نجد أن الفعل بُني على السكون لاتصاله بنون النسوة التي تعرب فاعلاً.
الفصل الثاني: دراسة تفصيلية في أحكام بناء الفعل الماضي
الفعل الماضي هو الحدث الذي طويناه في سجل الزمان، وهو دائماً مبني، لكنه يتقلب في حركته حسب الضمائر التي تعانقه.
أولاً: تفصيل البناء على السكون
يُبنى الفعل الماضي على السكون في حالات اتصال خاصة، وهي:
1) اتصال تاء الفاعل: بأشكالها الستة (تُ، تَ، تِ، تما، تُم، تُنَّ). ومثاله قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ﴾[9]، و﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾[10]. تلاحظ هنا أن حرف الميم في “علمت” وحرف الميم في “ظلمت” سكن تماماً.
2) اتصال نون النسوة: كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾[11]. الأفعال هنا (رأينه، أكبرنه، قطعن، قلن) كلها مبنية على السكون لأن نون النسوة اقتضت ذلك.
3) اتصال نا الفاعلين: كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا﴾[12]. فالسكون يظهر على آخر الفعل الماضي لاتصاله بنا الفاعلين.
ثانياً: تفصيل البناء على الضم
يُبنى الفعل الماضي على الضم في حالة واحدة هي اتصال واو الجماعة، كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾[13]. الواو هنا جعلت الحرف الأخير (الدال) ينتقل من الفتح إلى الضم، وهذا البناء هو الحالة الوحيدة التي يخرج فيها الماضي عن السكون أو الفتح.
ثالثاً: تفصيل البناء على الفتح
وهو الحالة العامة للفعل الماضي إذا تجرد من كل ما سبق.
الفتح الظاهر:
يظهر على الحرف الأخير إذا كان صحيحاً مثل (زحزحَ)، (خسفَ)، (برقَ).
الفتح المقدر:
يظهر في الأفعال المعتلة الآخر بالألف، كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾[14]. هنا “تولى” و”أتى” أفعال ماضية مبنية على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
———————-
[1] سورة طه، الآيتان 43-44. (فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بألف الاثنين، وهي في محل رفع فاعل).
[2] سورة يوسف، الآية 81. (فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، وهي في محل رفع فاعل).
[3] سورة آل عمران، الآية 43. (فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المخاطبة، وهي في محل رفع فاعل).
[4] سورة لقمان، الآية 17. (فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً).
[5] سورة المائدة، الآية 13. (فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً).
[6] سورة النحل، الآية 125. (فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً).
[7] سورة يوسف، الآية 88. (فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً).
[8] سورة الأحزاب، الآية 33. (نون النسوة ضمير مبني على الفتح في محل رفع فاعل).
[9] سورة الإسراء، الآية 102. (تاء الفاعل هنا للمخاطب المذكر).
[10] سورة النمل، الآية 44. (تاء الفاعل هنا للمتكلم).
[11] سورة يوسف، الآية 31. (نون النسوة أثرت في البناء بشكل جماعي).
[12] سورة الإسراء، الآية 8. (نا الفاعلين هنا هي التي جعلت الفعل مبنياً على السكون).
[13] سورة البقرة، الآية 34. (واو الجماعة ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل).
[14] سورة طه، الآية 60. (الفتح هنا مقدر للتعذر بسبب الألف).
