الهاء في قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ ليست مجرد ضمير مجرور بالباء؛ بل تقف وراءها مسألة نحوية دقيقة تكشف اختلاف النحاة في تحليل صيغة التعجب «أَفْعِلْ به». فالبصريون يرون أن الهاء فاعل في محل رفع، وإن كانت مجرورة لفظًا بالباء الزائدة، بينما ذهب فريق من النحاة إلى أنها مفعول به في محل نصب، على اعتبار أن «أبصر» فعل أمر حقيقي وفاعله ضمير مستتر. ويزداد البحث دقة عند قوله تعالى: ﴿وَأَسْمِعْ﴾، حيث حُذفت «به» الثانية لدلالة الأولى عليها، فكان هذا الحذف نفسه موضعًا للمناقشة النحوية. ومن هنا يكشف المقال أن اختلاف الإعراب ليس اختلافًا في الكلمة ذاتها، وإنما هو ثمرة اختلاف في تفسير البنية النحوية كاملة: حقيقة الفعل، ووظيفة الباء، وتحديد الفاعل والمفعول، حتى نصل إلى المحل الإعرابي للهاء. إنها مسألة واحدة في ظاهرها، لكنها تفتح بابًا واسعًا لفهم عمق الخلاف النحوي ودقة استنباط النحاة من النص القرآني.
