الحروف الفرعية في علم التجويد بين التعريف والضوابط
الحروف الفرعية في علم التجويد بين التعريف والضوابط
المقدمة
يعد علم التجويد من أجل علوم القرآن وأشرفها، إذ يتعلق بأداء كلام الله تعالى على الوجه الذي تلقيناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن بين مباحث هذا العلم الدقيقة، موضوع الحروف الفرعية التي تفرعت عن الحروف الأصلية لتيسير النطق وتخفيفه على ألسنة العرب. وقد أثار هذا المبحث اهتمامًا كبيرًا بين علماء القراءات والتجويد، نظرًا لتعدد التعريفات واختلاف الآراء حول عد هذه الحروف وضبطها. فمنهم من عرفها بأنها حروف ترددت بين مخرجين وتولدت من حرفين، ومنهم من رأى أن هذا التعريف قاصر عن استيعاب جميع الحروف الفرعية، فجاء بتعريف أوسع وأشمل. وقد برز في هذا المجال الإمام الطيبي رحمه الله في منظومته “المفيد في التجويد”، حيث أفرد للحروف الفرعية أبوابًا بين فيها ثمانية أحرف، متجاوزًا ما ذكره غيره من العلماء. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال الذي يسلط الضوء على هذا المبحث التجويدي المهم، مستعرضًا تعريفات العلماء ومناقشاتهم، ومحللًا كل حرف فرعي على حدة، مع توضيح علل تفرعه ومواضع وروده في القرآن الكريم، سائلين الله التوفيق والسداد.
—
التعريف اللغوي والاصطلاحي للحروف الفرعية
التعريف المشهور ونقده
عرف علماء التجويد الحروف الفرعية بأنها: حروف ترددت بين مخرجين، وتولَّدت من حرفين [1]. غير أن هذا التعريف واجه نقدًا من بعض العلماء لعدم شموليته، فالنون المظهرة تتردد بين مخرجين وهما طرف اللسان والخيشوم، ومع ذلك فهي من الحروف الأصلية لا الفرعية. وكذلك الألف المفخمة واللام المغلظة لم تترددا بين مخرجين، ولم تتولدا من حرفين، ومع ذلك فهما من الحروف الفرعية عند كثير من العلماء [2].
تعريف المسعدي وشموليته
لاحظ العلامة المسعدي رحمه الله عدم دقة التعريف المذكور، فعرف الحروف الفرعية بأنها: حروف غايرت الأصلية، ونشأت عنها بكيفية مختصة بها، فإن كيفيتها لا نظير لها في الحروف الأصلية [4]. وهذا التعريف أوسع وأشمل من سابقه، لأنه يشمل الألف المفخمة واللام المغلظة التي لا تتردد بين مخرجين.
تعريف جامع مانع للحروف الفرعية
ويمكننا أن نذكر تعريفًا يجمع بين التعريفين السابقين، فنقول: الحروف الفرعية هي حروف غايرت الأصلية، ونشأت عنها بكيفية مختصة بها، سواء تولدت من حرفين، أم لا [5]. وهذا التعريف يشمل جميع الحروف الفرعية التي ذكرها العلماء، ويجمع بين الدقة والشمول.
استعمال العرب للحروف الفرعية وتعددها
استعمل العرب مع التسعة والعشرين حرفًا المشهورة حروفًا زائدة عليها، توسعوا بها في نطقهم، وتخصصوا بها في لغاتهم [6]، واستعمال هذه الأحرف كان مراده تيسير النطق وتخفيفه، وقد نزل القرآن ببعض هذه الأحرف تيسيرًا على بعض القبائل التي اشتهر فيها النطق بهذه الأحرف دون الأصلية.
وقد ذكر الناظم – رحمه الله – ثمانية أحرف فرعية، وهي:
الهمزة المسهلة (همزة بين بين)
حقيقتها اللغوية
الهمزة المسهلة هي همزة مستعملة في كلام العرب، وبيانها أن تنطق الهمزة بينها وبين الحرف المجانس لحركتها، فإن كانت مفتوحة نطقتها بين الهمزة والألف، وإن كانت مضمومة نطقتها بين الهمزة والواو، وإن كانت مكسورة نطقتها بين الهمزة والياء [7].
مذهب سيبويه والمخالفين
مذهب سيبويه أنها حرف واحد نظرًا لمطلق التغير، وذهب غيره إلى أنها ثلاثة أحرف نظرًا إلى التفسير بالألف والواو والياء [7]. ويتوقف كونها حرفًا واحدًا أو ثلاثة أحرف على اصطلاح الحروف الفرعية، فمن نظر إلى الاصطلاح الأول جعلها ثلاثة أحرف، ومن نظر إلى تعريف المسعدي جعلها حرفًا واحدًا، والصواب أنها ثلاثة أحرف.
الألف الممالة والألف المقللة
تعريف الألف الممالة
الألف الممالة هي ألف بين الألف والياء، فلا هي ألف خالصة، ولا ياء خالصة، وإنما ألف قربت من لفظ الياء لعلل أوجبت لها ذلك، فهي متولدة من الألف المحضة والياء المحضة [8].
إمالة بين بين وإمالة محضة
أما إمالة بين بين فلم يعتد بها سيبويه، ولم يلحقها بالأحرف الفرعية، وإنما اعتد الإمالة المحضة، وقال: التي تمال إمالة شديدة كأنها حرف آخر قرب من الياء [9]. وإمالة بين بين بالنظر إلى التعريف الأول ليست حرفًا فرعيًا، لأنها متولدة من الألف الخالصة والألف الممالة، والألف الممالة ليس لها مخرج معين.
الصاد المشمة صوت الزاي
كيفية النطق بها
الحرف الثالث من الحروف الفرعية هو الصاد المشمة صوت الزاي، وكيفيتها أن تخلط لفظ الصاد بالزاي، وتمزج أحد الحرفين بالآخر، بحيث يتولد منهما حرف ليس بصاد خالصة ولا زايًا خالصة [10].
مخرج الصاد المشمة وصفاتها
مخرج الصاد المشمة هو طرف اللسان مع ما فوق الثنايا السفلى، وهو مخرج كل من الصاد والزاي، لكنها جمعت بين صفتيهما، ففيها جهر ورخاوة، واستعلاء وانطباق، وإصمات وصفير، أخذت من الزاي جهرها، ومن الصاد استعلاءها وإطباقها، لذا فصوت الصاد متغلب على صوت الزاي.
الياء المشمة صوت الواو
كيفية الإشمام
الرابع من الحروف الفرعية: الياء المشمة صوت الواو في مثل “قيل، وغيض، وجيء، وسيق” عند من أشمها من القراء، وكيفيتها أن تحرك الحرف بحركة مركبة من حركتين: ضمة وكسرة، وجزء الضمة مقدم وهو الأقل، ويليه جزء الكسرة وهو الأكثر [11].
وجه الإشمام وعلته
ووجه الإشمام التنبيه على حركة فاء الفعل الأصلية وهي الضمة، إذ الأصل في “قيل” قُوِل مبني للمجهول، استثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف بعد حذف ضمتها، وقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وأشير إلى ضمة القاف تنبيهًا على الأصل [12].
الألف المفخمة واللام المغلظة
تعريف التفخيم لغة واصطلاحًا
التفخيم لغة من الفخامة وهي العظمة والكبر، واصطلاحًا هو سمن يدخل على جسم الحرف، فيمتلئ الفم بصداه [13]. والتفخيم والتغليظ لفظان مترادفان على معنى واحد، غير أن التفخيم غلب استعماله في باب الراءات، والتغليظ غلب استعماله في باب اللامات [14].
وصف مكي للألف المفخمة
وصف مكي الألف المفخمة فقال: هي ألف يخالطها تفخيم يقربها من لفظ الواو، كما كانت الألف الممالة ألفًا يخالطها ترقيق يقربها من الياء، فهي نقيضة الألف الممالة [15]. ولعل مكي في هذا الوصف أراد أن يدخلها تحت اصطلاح الحرف الفرعي من كونه يتردد بين حرفين.
اللام المغلظة وتفخيمها
اللام المغلظة هي لام مفخمة، وموضعها في لفظ الجلالة (الله) فقط عند بعض القراء، وتفخيمها يكون بإمالة اللسان نحو الأعلى مع زيادة سعة في الفم، مما يعطيها صوتًا مفخمًا مميزًا [16].
النون المخفاة والمدغمة
حالات النون المدغمة
الحرف السابع من الحروف الفرعية هو النون، وكذلك التنوين في حال عدم إظهارهما، فيشمل النون المدغمة والمخفاة. أما المدغمة فلها ثلاثة أحوال:
– مع الواو والياء، وفي هذه الحالة تكون النون حرفًا فرعيًا لتولدها من النون والواو، ومن النون والياء.
– مع اللام والراء، وفيه لا تكون النون حرفًا فرعيًا لانعدامها وانتقال مخرجها إلى مخرج اللام والراء، إلا عند من أدغمها بغنة.
– مع النون والميم، والنون في هذه الحالة لم يتغير مخرجها، ولم تتغير صفاتها عن النون المظهرة [18].
النون المخفاة ووجه تفرعها
أما النون المخفاة فقال المرعشي: فوجه تفرعها أنها في الأصل صفة للنون المظهرة [18]. ووجه تفرع هذا الحرف غير ظاهر لانعدام ذات الحرف فيه، فالفرق بينها وبين الألف المفخمة واللام المغلظة أن هذين الحرفين تفرعا بزيادة صفة التفخيم دون أن يفارقا مخرجهما، بخلاف النون المخفاة لانعدام ذات الحرف فيها، ولم يبق إلا الغنة [19].
اعتراض الصفاقسي والحلبي على فرعيتها
لقي تفرع النون المخفاة عدم قبول عند بعض العلماء كالصفاقسي، فقد قال: وزاد مكي النون المخفاة وفيه نظر، لأنها بالإخفاء لا تخرج عن كونها نونًا، ولم تقع بين مخرجين، إنما تنتقل إلى مخرج آخر وهو الخيشوم [20]. وقال الحلبي في شرحه: وزاد القاضي اللام المفخمة والنون المخفاة وهو وهم، إذ ليس فيهما شائبة حرف آخر [21].
الميم المخفاة وحكم تفرعها
وجه تفرعها وعلته
الميم كذلك حال إخفائها تكون من الحروف الفرعية، وهو مما انفرد به الناظم – رحمه الله – ووجه تفرعها ظاهر، بل هي أولى من النون المخفاة لانعدام ذات الحرف في الأخير، لكن الانعدام في الميم ليس كليًا [22].
الخلاف حول فرعيتها
لم يعتد تفرعها الدكتور أيمن رشدي سويد – حفظه الله – وذلك لأنه يرى إطباق الشفتين عند الإخفاء، فكانت عنده كالميم المدغمة في مثلها، والصواب أنها حرف فرعي لوجود إعدام لذات الميم وإن لم يكن كليًا [23].
أحرف قد تلحق بالحروف الفرعية قياسًا
الراء المفخمة وعلاقتها بالحروف الفرعية
الغالب على الظن أن الراء المفخمة ليست حرفًا فرعيًا، والقياس على اللام المغلظة منظور فيه، لأن اللام المغلظة لها محل واحد وهو لفظ الجلالة فقط، بخلاف الراء المفخمة فلها حالات عدة، ومن ناحية أخرى فإن العلماء إلى الآن لم يتفقوا في أصل الراء [24].
الغنة المفخمة وقياسها على ألف التقليل
الغنة المفخمة، أو النون المخفاة حال وقوعها قبل حرف من حروف الاستعلاء، تكون حرفًا فرعيًا قياسًا على ألف التقليل وألف الإمالة، فالألف تفرع منها حرفان: الألف الممالة والألف المقللة، والنون تفرع منها حرفان: النون المخفاة المرققة والنون المخفاة المفخمة [25].
الواو المفخمة ومواضع تفخيمها
الواو المفخمة إذا وقعت بعد حرف مستعل، نص على تفخيمها عدد من المصنفين. وتفخيم الواو بعد الحروف المفخمة أمر محسوس لا يمكن إنكاره، فالواو في “قو أنفسكم، والطور، والصور” تختلف تمامًا عن الواو في “سوء، بورك، أوتينا” ومنكر ذلك منكر للمحسوس [26].
قائمة المراجع:
– ابن الجزري، محمد بن محمد. النشر في القراءات العشر. تحقيق: علي محمد الضباع. دار الكتب العلمية، بيروت.
– ابن الطحان الإشبيلي. مرشد القارئ. تحقيق: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين.
– الضباع، علي محمد. الإضاءة في أصول القراءة. مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
– الطيبي، شهاب الدين أحمد بن أحمد. المفيد في التجويد. مخطوط.
– القاضي، عبد الفتاح. الوافي في شرح الشاطبية. دار الكتب العلمية، بيروت.
– المرادي. المفيد في شرح عمدة المجيد في علم التجويد. مخطوط.
– المرعشي. جهد المقل وبيان جهد المقل. مخطوط.
– المسعدي. الفوائد المسعدية شرح المقدمة الجزرية. مخطوط.
– مكي بن أبي القيسي. الرعاية في علم التجويد. تحقيق: د. أحمد حسن فرحات. دار عمار، عمان.
– نصر، محمد مكي. نهاية القول المفيد في علم التجويد. مخطوط.
– الصفاقسي. تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين. مخطوط.
– الحمد، غانم قدوري. شرح المقدمة الجزرية. دار عمار، عمان.
———————
[1] ينظر: المرادي؛ المفيد في شرح عمدة المجيد في علم التجويد، ص (44).
[2] نهاية القول المفيد؛ محمد مكي نصر، ص (39).
[3] تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين، ص (20 – 21).
[4] المسعدي؛ الفوائد المسعدية شرح المقدمة الجزرية، ص (24 – 25).
[5] شرح المقدمة الجزرية؛ غانم قدوري الحمد، ص (277).
[6] ينظر: مكي ابن أبي القيسي؛ الرعاية، ص (52).
[7] النشر في القراءات العشر؛ ابن الجزري (1/ 165).
[8] ينظر: الرعاية، ص (52).
[9] النشر (1/ 165).
[10] ينظر: عبدالفتاح القاضي؛ الوافي، ص (37 – 38).
[11] ينظر: الضباع؛ الإضاءة في أصول القراءة، ص (53)، الوافي، ص (139).
[12] الإضاءة، ص (55).
[13] ينظر: ابن الطحان الإشبيلي؛ مرشد القارئ، ص (43)، الإضاءة (32).
[14] الوافي، ص (118).
[15] الرعاية، ص (52 – 53).
[16] المرجع السابق، ص (123).
[17] المرجع السابق، ص (138).
[18] جهد المقل، ص (35).
[19] المرجع السابق، ص (60).
[20] تنبيه الغافلين، ص (20).
[21] نهاية القول المفيد، ص (40).
[22] تنبيه الغافلين، ص (20 – 21).
[23] جهد المقل، ص (62).
[24] الفوائد المسعدية شرح المقدمة الجزرية، ص (68).
[25] جهد المقل وبيان جهد المقل، ص (87).
[26] جهد المقل وبيان جهد المقل، ص (87).
