الهاء بين الفاعلية والمفعولية في قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾
د. محمد عبدالشافي مكاوي
الهاء بين الفاعلية والمفعولية في قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 26].
من المواضع النحوية الدقيقة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾؛ فالهاء في «به» ضمير واحد، ومع ذلك اختلف النحويون في موقعه: أهو فاعل في محل رفع، أم مفعول به في محل نصب؟
وليس هذا الخلاف ناشئًا من اختلافهم في الضمير نفسه، وإنما من خلاف أعمق في تفسير صيغة التعجب «أَفْعِلْ به».
وهذا نموذج رائع يبين أن الإعراب في بعض المواضع ليس مجرد وضع علامة تحت الكلمة، وإنما هو نتيجة لنظرية كاملة في تفسير التركيب.
أولًا: هل ﴿أبصر به﴾ أمر أم تعجب؟
الأسلوب من صيغة التعجب القياسية الثانية:
أَفْعِلْ به!
كما نقول:
◘ أكرمْ بزيدٍ!
◘ أحسنْ بمحمدٍ!
◘ ومن القرآن كذلك: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38].
والمعنى في آية الكهف: ما أبصر الله سبحانه وما أسمعه؛ أي بيان كمال بصره وسمعه وإحاطته سبحانه بكل شيء.
لكن السؤال الذي شغل النحاة هو: ما حقيقة «أبصر» من الناحية النحوية؟
ومن هنا نشأ المذهبان.
المذهب الأول: الهاء فاعل
وهو مذهب البصريين، وهو المشهور في كتب النحو والإعراب.
يرى البصريون أن «أفعلْ» في صيغة «أفعلْ به» فعل ماضٍ في الأصل، جاء على صورة الأمر.
ويقرر ابن هشام هذا الخلاف عند حديثه عن نحو «أحسن بزيد»، فيذكر أن البصريين يجعلون لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، وأن الباء زيدت في الفاعل.
فإذا قلنا: أحسنْ بزيدٍ!
فـ«زيد» عندهم هو الذي اتصف بالحسن، فهو فاعل من جهة التحليل النحوي، ولكن الباء الزائدة دخلت عليه.
◘ وعلى هذا يكون إعراب: ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ هكذا:
|
الكلمة |
إعرابها |
|
أبصر |
أبصر: فعل ماضٍ جامد لإنشاء التعجب، جاء على صورة الأمر. |
|
الباء |
الباء: حرف جر زائد. |
|
الهاء |
الهاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل، مجرور لفظًا بالباء الزائدة. |
إذن الهاء عندهم جمعت بين أمرين:
الجر في اللفظ، والرفع في المحل.
وهذا لا تناقض فيه؛ لأن الجر جاء من الباء الزائدة، أما الوظيفة النحوية الأصلية فهي الفاعلية. وهذا هو التخريج الذي تعرضه كتب الإعراب على المذهب البصري.
ولكن لماذا جعل البصريون الهاء فاعلًا؟
لأن معنى الصيغة عندهم راجع إلى اتصاف المتعجب منه بالفعل.
◘ فعندما تقول: أكرمْ بزيد!
◘ فالمعنى راجع إلى: عَظُم كرمُ زيد.
فزيد هو المتصف بالكرم، ولذلك جعلوه فاعلًا، ثم قالوا إن الباء دخلت عليه زائدة.
◘ وكذلك: ﴿أبصر به﴾
فالمتعجب من كمال بصره هو الله سبحانه وتعالى، والهاء عائدة إليه، فجعلها أصحاب هذا المذهب فاعلًا.
المذهب الثاني: الهاء مفعول به
وهنا يأتي الوجه الأقل شهرة عند الطلاب، لكنه مهم جدًا في تاريخ الخلاف النحوي.
ذهب جماعة من النحويين إلى أن «أفعلْ» أمر حقيقي، وليس فعلًا ماضيًا حُوِّل إلى صورة الأمر.
وينقل ابن هشام هذا الاتجاه عن الفراء والزجاج والكسائي وابن كيسان وابن خروف، مع اختلاف التفاصيل بينهم في تقدير الفاعل ومعنى الباء.
وعلى هذا التحليل يوجد داخل «أبصر» فاعل مستتر، والمتعجب منه ليس الفاعل.
ففي نحو: أحسنْ بزيد!
يكون المعنى قريبًا من:
صِفْ زيدًا بالحسن، أو اجعله من الحسن بحيث تتعجب منه.
وعندئذ يكون «زيد» مفعولًا به من جهة المحل.
وقد عرض العكبري هذا الاتجاه في اللباب في علل البناء والإعراب، ناقلًا أن الفراء والزجاج والزمخشري وغيرهم يجعلون اللفظ أمرًا، وفيه ضمير للمخاطب، والباء للتعدية.
وعلى هذا الوجه يكون إعراب الهاء في: ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾
الهاء: ضمير متصل مجرور لفظًا بالباء، في محل نصب مفعول به.
فتأمل النتيجة:
المذهب الأول:
الهاء مجرورة لفظًا، مرفوعة محلًا.
المذهب الثاني:
الهاء مجرورة لفظًا، منصوبة محلًا.
والنص لم يتغير، وإنما تغير تصور النحوي للبنية العميقة للجملة.
وما فاعل «أبصر» على القول بالمفعولية؟
إذا قلنا إن الهاء مفعول به، فلا بد أن نسأل:
فأين الفاعل؟
هنا اختلف أصحاب هذا الاتجاه أنفسهم.
فنُقل أن الفاعل ضمير المخاطب، فكأنك تقول:
أبصرْ أنت به!
أي: بالغ في وصفه بالبصر أو انظر إلى عظمة بصره.
ونقل ابن هشام عن ابن كيسان وجهًا آخر يجعل الضمير عائدًا إلى الحُسن في مثال «أحسن بزيد»، بينما جعله غيره للمخاطب.
إذن حتى داخل القول بأن «أفعل» أمر حقيقي توجد تفاصيل مختلفة.
وهنا تظهر حجة شديدة الأهمية: ﴿وَأَسْمِعْ﴾
◘ قال تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾
◘ ولم يقل: أبصر به وأسمع به.
والتقدير: أبصر به وأسمع به.
فـ«به» الثانية محذوفة لدلالة الأولى عليها.
وهنا ينشأ سؤال قوي جدًا:
إذا كانت الهاء في «به» فاعلًا كما يقول البصريون، فمعنى ذلك أننا حذفنا فاعل «أسمع».
◘ والأصل المقرر: أن الفاعل لا يُحذف.
أما إذا كانت الهاء مفعولًا به، فلا مشكلة من هذه الجهة؛ لأن حذف المفعول به إذا دل عليه دليل أمر معروف في العربية.
◘ ولهذا صار الحذف في: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾
◘ وكذلك في: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾
جزءًا مهمًا من مناقشة المسألة.
وكيف أجاب أصحاب الفاعلية؟
لم يغفل البصريون هذه المشكلة.
قالوا إن المتعجب منه وإن كان فاعلًا في المحل، فقد دخلت عليه الباء، فأصبح في صورة الجار والمجرور.
◘ أي إنه:
عمدة في المحل، ولكنه يشبه الفضلة في الصورة.
فلما اكتسب صورة الجار والمجرور جاز حذفه في هذا الباب عند وجود دليل عليه.
ولهذا يقدرون: ﴿أبصر به وأسمع﴾
◘ أي: أبصر به وأسمع به.
وقد نصت شروح الآية على هذا التوجيه: أن حذف المتعجب منه هنا سوغه كونه، مع فاعليته، قد صار بالباء في صورة الفضلة.
ومع ذلك، فالمسألة نفسها كانت محل خلاف؛ فقد نُقل عن سيبويه والمنقولين بعده خلاف في مدى جواز حذف المتعجب منه في «أفعل به»، واستُدل بقوله تعالى ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ في هذه المناقشة.
هل القول بالمفعولية هو مذهب الكوفيين جميعًا؟
هنا يلزم الاحتياط العلمي.
من الشائع في بعض الكتب المتأخرة اختصار المسألة بقول:
«البصريون يقولون بالفاعلية، والكوفيون يقولون بالمفعولية».
لكن النسبة بهذه الصورة المطلقة ليست دقيقة تمامًا.
فهناك بحث حديث في أقوال الفراء نفسها يرى أن نسبة القول بالمفعولية إليه ليست مستقرة، ويستدل بنصوص أخرى للفراء يظهر منها أنه يجعل الاسم المخفوض بالباء مرفوع المحل على الفاعلية، ويشبهه بالباء في «كفى بالله».
ولذلك فالأحوط في المقال العلمي أن نقول:
ذهب البصريون إلى الفاعلية، ونُسب إلى جماعة من النحويين، ومنهم عدد من الكوفيين، القول بأن «أفعل» أمر حقيقي وأن ما بعد الباء مفعول به، مع وجود خلاف في تحقيق نسبة بعض تفاصيل هذا المذهب إلى الفراء خاصة.
◘ وهذا أدق من إطلاق: «مذهب الكوفيين».
إذن كيف نعرب الهاء؟
إذا كان السؤال في امتحان أو درس تعليمي معتاد، فالإعراب المشهور هو:
الهاء: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، مجرور لفظًا بالباء الزائدة.
وهذا مبني على مذهب البصريين.
أما في دراسة الخلاف النحوي، فلا يجوز أن نتوقف هنا.
◘ بل نقول:
الوجه الأول: الفاعلية
الهاء في محل رفع فاعل، والباء زائدة، والجر لفظي.
وهو المذهب البصري المشهور.
الوجه الثاني: المفعولية
الهاء في محل نصب مفعول به، وهي مجرورة في اللفظ بالباء، على مذهب من جعل «أفعل» أمرًا حقيقيًا وفيه فاعل مستتر، وجعل الباء للتعدية أو زائدة في المفعول بحسب تفصيل المذهب.
وتعرض الدراسات النحوية كلا التحليلين لصيغة «أفعل به».
لماذا هذه المسألة مهمة؟
لأنها تكشف لنا شيئًا أكبر من إعراب الهاء.
◘ لو سألنا البصري: لماذا الهاء مرفوعة؟
◘ قال: لأنها فاعل.
◘ نسأله: ولماذا جعلتها فاعلًا؟
◘ يقول: لأن «أبصر» عندي فعل ماضٍ في الأصل جاء على صورة الأمر.
◘ ونسأل صاحب القول الآخر: لماذا الهاء منصوبة؟
◘ يقول: لأنها مفعول به.
ولماذا؟
لأن «أبصر» عندي أمر حقيقي، وفاعله ضمير مستتر.
إذن الخلاف يسير في سلسلة:
تحديد حقيقة الفعل ← تحديد الفاعل ← تحديد وظيفة الباء ← تحديد وظيفة الهاء ← تحديد المحل الإعرابي.
ومن هنا نفهم قاعدة مهمة جدًا في دراسة الخلاف النحوي:
قد يختلف إعراب الكلمة لا لأن النحاة اختلفوا في الكلمة نفسها، بل لأنهم اختلفوا في تفسير النظام الذي تنتمي إليه.
الخلاصة
◘ الهاء في قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾
تصلح مثالًا بديعًا على عمق النظر النحوي.
فهي عند أصحاب المذهب البصري:
مجرورة لفظًا بالباء الزائدة، مرفوعة محلًا على الفاعلية.
وعند أصحاب التحليل الأمري لصيغة «أفعل به»:
مجرورة في اللفظ، منصوبة المحل على المفعولية، والفاعل مضمر في الفعل.
◘ ويزيد المسألة جمالًا قوله: ﴿وَأَسْمِعْ﴾
◘ إذ حُذف «به» لدلالة المذكور قبله عليه؛ فصار هذا الحذف نفسه جزءًا من أدلة النحاة ومناقشاتهم في تحديد حقيقة المتعجب منه: أفاعل هو أم مفعول؟
◘ وهكذا لا تعود المسألة: «ما إعراب الهاء؟»
◘ بل تصبح: «ما النظرية النحوية التي جعلت الهاء فاعلًا عند فريق، ومفعولًا به عند فريق آخر؟»
◘ وهنا تحديدًا تظهر متعة النحو: النص واحد، والحركة الملفوظة واحدة، ولكن اختلاف تفسير البنية يؤدي إلى اختلاف المحل الإعرابي.
