(ما) العاملة
(ما) العاملة (1)
المقدمة
تُعدّ (ما) من الأدوات النحوية متعددة الوجوه والمعاني، فهي تأتي اسمية وحرفية، وتؤدي وظائف لغوية متنوعة تختلف باختلاف سياقها وموقعها في التركيب. ومن أهم استعمالاتها النحوية ما يُعرف بـ(ما) العاملة عمل (ليس)، وهي التي تعمل عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر، وهي لغة أهل الحجاز، في حين أهملها بنو تميم فلم يعملوها في شيء. وقد وردت هذه (ما) العاملة في القرآن الكريم في مواضع متعددة، متنوعة في أخبارها بين الجملة الفعلية وشبه الجملة والاسم المفرد. وقد اختلف النحاة في تفسير عملها وإهمالها، وفي الشروط التي تُعمل بها، وفي دخول الباء الجارة على خبرها. هذا المقال يعرض دراسة تفصيلية لـ(ما) العاملة عمل ليس، مستعرضًا مواضعها في القرآن الكريم، وآراء النحاة في إعرابها، وشروط عملها، والخلاف حول دخول الباء على خبرها، مع تحليل دلالاتها البلاغية وأثرها في النفي، مقارنًا بينها وبين (ليس) في القوة والأثر.
(ما) العاملة عمل ليس: مواضعها في القرآن الكريم
وردت (ما) عاملة عمل (ليس) في القرآن الكريم، وورد خبرها جملة فعلية في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 108]، وقوله تعالى: ﴿مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 65]، وورد شبه جملة في مثل قوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 78]، وورد اسمًا، وكثيرًا ما ورد هذا الاسم مجرورًا بالباء؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29]، ولم يرد منصوبًا إلا في موضعين من التنزيل، هما قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31]، وقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2]، ونصب الخبر في هاتين الآيتين لغة أهل الحجاز، ورفعه لغة بني تميم [1].
إعراب (حاجزين) في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾
أما قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47]، فقد قيل: إن (حاجزين) نعت على اللفظ للمبتدأ المؤخر (أحد) المجرور لفظًا المرفوع محلًّا، و(منكم) خبر مقدَّم، وورد النعت هنا جمعًا على المعنى [2]؛ لأن (أحد) تكون للجميع وللواحد، والصحيح أن (حاجزين) خبر (ما) بدليلين:
الأول: أن النفي مُسلط على (حاجزين)، فقد أُريد نفي الحجز عنه، كما هو واضح من سياق الآية، ولا معنى لتسليطه على (منكم)، والمعنى: فما يَحجزه عني أحدٌ.
والثاني: أن المعنى لا يستقيم، ولا تتم الفائدة إذا استُغني عن (حاجزين) وقيل: فما منكم من أحد، فلو كانت صفة لصحَّ الاستغناء عنها، وهذا مما يوجب جعلها هي الخبر لتتم الفائدة، فيكون قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47]، هو الموضع الثالث الذي ورد فيه خبر (ما) الحجازية غير مجرور بالباء.
تأكيد النفي في القرآن الكريم
وأكد القرآن الكريم النفي في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، بإثبات ضده بـ(إن) و(إلا)، فقال بعد الشاهد الأول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31]، وقال بعد الثاني: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: 2]، ولهذا ينبغي أن تكون (ما) نافية في قوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: 184]، وقوله تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ [سبأ: 46]، وليس كما قيل من أنها استفهامية أو موصولة [3].
شبه (ما) النافية: العام والخاص
وذكر النحاة أن (ما) النافية لها شبهان: عام وخاص، أما العام فهو شبهها بالحروف غير المختصة؛ لأنها تدخل على الأفعال والأسماء، والأصل في الحروف غير المختصة ألا تعمل شيئًا، ولهذا ذكر سيبويه أن أهل تميم أجروها مجرى (أما) و(هل)، فلم يعملوها في شيء، ورأى أن ذلك هو القياس، أو أقيس اللغتين، وهذا ما عليه جمهور النحاة [4]، أما الخاص فهو شبهها بـ(ليس) من ثلاثة وجوه: كونها نافية، وأن هذا النفي للحال، ودخولها على المبتدأ والخبر، فكأن بني تميم راعوا شبه (ما) العام، فأهملوها، وراعى أهل الحجاز هذا الشبه الخاص، فأعملوها [5].
الخلاف بين البصريين والكوفيين في عمل (ما)
على أن سيبويه وجمهور النحاة، وإن قالوا: إن لغة بني تميم هي الأقيس، إلا أنهم ردوا على الفراء حين ذهب إلى أنها ((أقوى الوجهين)) [6]، فقد قال الزجاج فيه: ((وهذا غلط؛ لأن كتاب الله ولغة رسوله أقوى اللغات)) [7].
ويبدو أن الفراء حين قال في إهمال (ما): إنه أقوى الوجهين، أراد بذلك أقوى الوجهين؛ من حيث القياس، لا من حيث الفصاحة وكثرة الاستعمال، وهذا ما قال به البصريون.
ومن النحاة من أنكر أن تكون لغة بني تميم هي القياس، بحجة أن (ما) من الحروف غير المختصة، فذكر أن (لا) تعمل عمل (إن) مع أنها غير مختصة، فإن قيل: إن (لا) النافية للجنس هي غير (لا) النافية الداخلة على الفعل المضارع، فبإمكاننا أن نقول: إن (ما) العاملة الداخلة على الجملة الاسمية هي غير (ما) النافية الداخلة على الفعل المضارع [8].
فقد ذهب البصريون إلى أن لغة أهل الحجاز هي الأفصح لكثرة استعمالها، ولأن القرآن نزل بها، ومن هنا قيل: إن إعمال (ما) مذهب البصريين، وإهمالها مذهب الكوفيين، ولا شك أنه يحسن الأخذ بالإعمال؛ لأنه لغة التنزيل [9].
دخول الباء على خبر (ما) والخلاف فيه
وذكر الزمخشري أن دخول الباء الجارة على خبر (ما) مخصوص بلغة أهل الحجاز، وخالفه في ذلك ابن الحاجب [10]، وذكر ابن مالك [11] وابن هشام [12] أن هذا هو مذهب أبي علي النحوي، تبعه فيه الزمخشري، وردوا عليه بعدة أدلة هي:
(1) أن أشعار بني تميم تتضمن دخول (الباء) على خبر (ما)، فلو كان دخولها عليه مخصوصًا بلغة أهل الحجاز، لما وُجد في لغة غيرهم.
(2) دخلت الباء على الخبر لكونه منفيًّا، لا لكونه خبرًا منصوبًا، يدل على ذلك دخولها في نحو: لم أكن بقائم، وامتناع دخولها في نحو: كنت قائمًا، فإذا ثبت كون المسوغ لدخولها على الخبر هو النفي، فلا فرق بين منفي منصوب المحل، ومنفي مرفوعه.
(3) أن الباء المذكورة ثبت دخولها على الخبر بعد بُطلان العمل وبعد (هل)، وعلى خبر (أن)؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: 33].
مذهب الكوفيين في نصب خبر (ما)
وذهب الفراء والكوفيون إلى أن خبر (ما) الحجازية منصوب بنزع الخافض [13]، لذلك ذهب بعضهم إلى القول بإضمار الباء في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [14]، فكأن دخولها في الخبر هو الأصل عندهم، وهو ما لا دليل عليه، وقد صرَّح أبو البركات ابن الأنباري ببطلان هذا القول، فذكر أنه لو كان حذف حرف الجر يوجب النصب، لوجب ذلك في كل موضع، ولا خلاف في أن كثيرًا من الأسماء يحذف منها حرف الجر ولا ينتصب بهذا الحذف؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: 3]، ونحو: بحسبك درهم، وما جاءني من أحد [15]، وبمثل هذا رد ابن يعيش [16] والسيوطي [17] على الكوفيين.
—————————
[1] الكتاب 1/ 59، والمقتضب 4/ 188، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/ 107-108، وكتاب السبعة في القراءات ص628، وإعراب ثلاثين سورة 1/ 223، والكشاف 4/ 485، ومغني اللبيب 1/ 303، وحاشية الصبان 1/ 247.
[2] معاني القرآن للفراء 3/ 183، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 218، وإعراب القرآن للنحاس 3/ 502، والكشاف 4/ 607، وشرح شذور الذهب لابن هشام ص193-194.
[3] الكشاف 3/ 590، والتبيان في إعراب القرآن 2/ 1070.
[4] الكتاب 1/ 57، 59، ومعاني القرآن للأخفش 1/ 129، والمقتضب 1/ 188-189، 2/ 108، 3/ 190، ومجالس ثعلب 2/ 596-597، ومعاني الحروف للرماني ص154، ومجالس العلماء، للزجاجي ص89-90، والبغداديات ص283-284، واللمع لابن جني ص123، وكتاب الواضح في العربية للزبيدي ص93، ونظم الفوائد وحصر الشرائد ص138، وكشف المشكل في النحو للحيدرة اليمني 1/ 344.
[5] ينظر: المصادر السابقة، والمقتصد في شرح الإيضاح لعبد القاهر الجرجاني 1/ 430، 2/ 354، وشرح عيون الأخبار للمجاشعي ص106، وأسرار العربية لأبي البركات ابن الأنباري 143-145، والإنصاف في مسائل الخلاف ص165- 172، والمقرب لابن عصفور 1/ 102، وشرح الكافية الشافية لابن مالك 1/ 434- 435، وشرح الرضي على الكافية 2/ 184.
[6] معاني القرآن 2/ 42-43.
[7] معاني القرآن وإعرابه 3/ 107-108 وإعراب القرآن للنحاس 2/ 140.
[8] شرح المفصل لابن يعيش 1/ 397.
[9] النحو الوافي، عباس حسن 1/ 537.
[10] الإيضاح في شرح المفصل 1/ 399، وشرح المفصل لابن يعيش 2/ 116.
[11] شرح الكافية الشافية 1/ 435-438.
[12] شرح شذور الذهب ص196.
[13] معاني القرآن للفراء 2/ 42 وإعراب ثلاثين سورة ص52.
[14] الحروف للمزني ص56.
[15] أسرار العربية 143-144.
[16] شرح المفصل 1/ 108.
[17] همع الهوامع 2/ 110.
