(ما) العاملة (2)
(ما) العاملة (2)
نستكمل كلامنا عن ما العاملة
علل اقتران خبر (ما) بالباء
وذهب النحاة إلى أن اقتران الخبر بالباء، كان لثلاثة أمور:
الأول: أن الخبر قد تباعد عن النفي فربطوه بالباء.
والثاني: أن الكلام قد يطول ويُنسى أوله، فجاؤوا بالباء؛ ليشعروا أن في صدر الكلام نفيًا.
والثالث: أن هذا جواب من قال: إن زيدًا لقائم، فتقول: ما زيد بقائم، فتجعل الباء بإزاء اللام، و(ما) بإزاء (إن)، فإن قال: زيد قائم: قلتَ: ما زيد قائمًا [18].
الباء في خبر (ما) ودلالتها على النفي
وقد جعلت بعض الدراسات الحديثة من دخول الباء على خبر (ما) دليلًا على أنها نافية [19]، وهذا غير مطرد، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 17]، فاقترن الخبر بعد (ما) بالباء، مع أنها هنا استفهامية، والباء ظرفية ليست زائدة.
العطف على خبر (ما) المقترن بالباء
وإذا عطف على خبر (ما) المقترن بالباء، جاز في المعطوف ثلاثة أوجه:
الأول: الرفع عطفًا على خبر (ما)؛ إذ هو مرفوع في الأصل، أو على جعله خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هو.
والثاني: النصب عطفًا على محل خبرها.
والثالث: الجر عطفًا على اللفظ [20].
وقد كثُر في كلام العرب العطف على اسم (ما) المؤخر مع تأكيد النفي بـ(لا)؛ نحو: ماله صائت ولا صامت [21]، ونحو: ما عنده خير ولا مير [22]، ومن شواهده في القرآن الكريم: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 107] [العنكبوت: 22]، وقد جر (نصير) عطفًا على اللفظ.
شروط عمل (ما) الحجازية
وتعمل (ما) الحجازية بشروط، وهي: ألا ينتقض نفيها بـ(إلا)، وألا يتقدم خبرها أو معموله على اسمها ليس شبه جملة، وألا تليها (إن) الزائدة، أو (ما) لتوكيد نفيها، وهذا هو مذهب سيبويه والجمهور، وفي كل شرط من هذه الشروط خلاف.
تعليل سيبويه لإبطال عمل (ما) دون (ليس)
وقد علَّل سيبويه إبطال عمل (ما) دون (ليس) بكونها حرفًا، و(ليس) فعلًا، والحروف أضعف من الفعل في العمل، لعدم تصرفها ولعدم تحملها الضمير [23].
وقيل: لما كان الأصل في (ما) ألا تعمل، وأن عملها كان خلاف الأصل، أعملها الحجازيون بشروط [24].
نقض نفي (ما) بـ(إلا) وإبطال عملها
وقد ورد في القرآن الكريم نقض نفي (ما) بـ(إلا) مع تقدم المبتدأ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32]، ومع جره بـ(من) الزائدة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: 73]، وانتقض النفي بـ(إلا) مع تقدم الخبر، في مثل قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: 99].
فنقض نفي (ما) بـ(إلا) أبطَل عملها، وكذلك أبطل عملها، بتقديم خبرها على اسمها، كما في قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: 57].
وقد كثُر ورودُ المبتدأ المؤخر مجرورًا بـ(من) الزائدة؛ كقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [غافر: 18].
مقارنة بين (ما) و(ليس) في قوة النفي
وذهب الدكتور فاضل السامرائي إلى أن (ما) أقوى في النفي من (ليس)؛ لأن (ليس) استُعملت استعمالَ الفعل، فالجملة المنفية بها جملة فعلية، والمنفية بـ(ما) جملة اسمية، والجملة الاسمية أثبت من الجملة الفعلية [25].
مما يدل على أن (ليس) أقوى في النفي من (ما) أنها أطول منها مبنًى، ومن المعروف أن الجملة الاسمية أثبت عند النحاة من الجملة الفعلية لتجرُّدها من معنى الحدوث، ومن دلالتها على زمن معين، وأداة النفي (ليس) مجردة من هذين الأمرين، فهي وإن عُدَّتْ من الأفعال، وأُعربت إعراب الأفعال، إلا أنها لا تدل على حدوث، ولا على زمن معين، فلا يكون هناك من حيث الثبات فرق بينها وبين (ما) الداخلة على الجملة الاسمية، وقد مرَّ قبل قليل أن (ليس) تعمل بغير شروط، على حين لا تعمل (ما) إلا بشروط، وقد فسَّر سيبويه ذلك بكون (ليس) أقوى من (ما) في العمل، وما كان ذلك إلا لأنها أقوى منها في النفي، وهذه قاعدة عامة نلحَظها بوضوح في الأدوات، وهي أن عملها مُتَأَتٍّ من قوة معناها، وإهمالها متأت من ضعفه.
ويبدو أيضًا أن (ليس) ليست مثل (ما) لنفي الحال، بل هي مثل (لا) لنفي الحال والاستقبال [26]، ولا فرق بينهما سوى أن (لا) اختُصَّت بنفي النكرات والمعاني العامة، أما (ليس)، فاختُصت بنفي المعارف والمعاني الخاصة، لذلك لم تدخل (ليس) إلا على معرفة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: 36]، ولم تدخل على جملة اسمية فيها المبتدأ نكرة، إلا في حالة تقدم الخبر عليه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، فالظاهر أن (ليس) أقوى نفيًا من (ما) وأوسع، ويتضح هذا في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف: 34]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8]، فالمتأمل في هذه النصوص القرآنية يشعر بقوة معانيها المتأنية من استعمال (ليس) فيها، ولو استعمل (ما) بدلًا منها لما كان الأمر كذلك.
(ما) النافية العاملة وخبرها الفعل الماضي
ومن أساليب (ما) النافية العاملة، دخولها على جملة اسمية يقع خبرها فعلًا ماضيًا، يقول عبد القاهر الجرجاني: ((إذا قلت: ما فعلتُ، كنتَ نفيتَ عنك فعلًا لم يَثبُت أنه مفعول، وإذا قلت: ما أنا فعلت، كنتَ نفيتَ عنك فعلًا ثبت أنه مفعول، وكذلك إذا قلت: ما ضربت زيدًا، كنت نفيتَ عنك ضربه، ولم يجب أن يكون قد ضُرِب، بل يجوز أن يكون ضربه غيرك، وألا يكون قد ضربه أصلًا، وإذا قلت: ما أنا ضربت زيدًا، لم تقله إلا وزيد مضروب، وكان القصد أن تَنفي أن تكون أنت الضارب… ولو قلتَ: ما أنا قلت هذا، ولا قاله أحد من الناس، وما أنا ضربت زيدًا، ولا ضربه أحد من الناس، كان خلفًا من القول)) [27].
ويوضِّح القزويني كلام الجرجاني بقوله: ((كقولك: ما أنا قلتُ هذا، أي: لم أقله، مع أنه مقول، فأفاد نفي الفعل عنك، وثبوته لغيرك))، وبيَّن أنه ((لهذا لا يقال: ما أنا قلت هذا ولا أحدٌ غيري، لمناقضة منطوق الثاني مفهوم الأول)) [28].
وحين نتأمل في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22] الذي وقع فيه الخبر دالًّا على الاستقبال بصيغة اسم الفاعل، يتبيَّن أنه لا يصح فيه الكلام الذي قاله الجرجاني في أمثلته التي وقع فيها الخبر فعلًا ماضيًا؛ لأن كلامه يقتضي أن تكون هذه الآية تعني: أن الله سبحانه ينفي عن رسوله صلى الله عليه وسلم قدرته على إسماع مَن في القبور، ويثبت هذه القدرة لغيره من الناس، في حين أن المراد نفي هذه القدرة عنه وعن غيره، وهذا هو المعنى الظاهر والمتفق عليه عند المفسرين؛ لأن قوله: ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، قُصِدَ به الكفار الذين أمات الكفر قلوبَهم ولا سبيل لهدايتهم وإسماعهم [29]، وكذلك يقال الكلام نفسه في الآيات الأخرى التي على نحوها؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل: 81].
فقد امتنَع في مذهبه أن يقال: ما أنت بمسمع مَن في القبور ولا غيرك بمسمعهم، ولا أنت بهادي العمي ولا غيرك بهاديهم، وما قاله يقضي بامتناع أن يقال مثلًا: ما أنت تبعتَ قبلتهم وما اتَّبع بعضهم قبلة بعض، وعده خلفًا من القول أو متناقضًا، كما صرَّح بذلك القزويني على حين قد ورد قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 145]، فيبدو أن ما قاله الجرجاني فيه نظرٌ.
—————————
[18] مشكل إعراب القرآن 1/ 77، وشرح عيون الأخبار ص108، وأسرار العربية لأبي البركات ابن الأنباري ص145، وتذكرة النحاة ص565.
[19] مصطفى النحاس، دراسات في الأدوات النحوية ص156.
[20] كشف المشكل في النحو 1/ 344، والمرشح في شرح الكافية للخبيصي، أطروحة ص204-205.
[21] الفاخر للفضل بن سلمة ص40، والصامت: الذهب والفضة، والصائت: الحيوان، من المال، كالبقر والغنم والإبل.
[22] المصدر نفسه ص240، والمير: ما يتقوت ويتزود به.
[23] الكتاب 1/ 57، 59، 60، والمقتضب 1/ 51، ومجالس ثعلب ص97، 354، والإيضاح في علل النحو للزجاجي ص135، والإنصاف في مسائل الخلاف ص636، وأسرار العربية لأبي البركات ابن الأنباري ص145-146، ونظم الفوائد وحصر الشرائد ص138-139، وشرح الكافية الشافية لابن مالك 1/ 430-432، وشرح عمدة الحافظ ص118، وشرح الرضي على الكافية 2/ 185-186، وهمع الهوامع 2/ 110-114.
[24] شرح المكودي على ألفية بن مالك 1/ 40.
[25] معاني النحو 1/ 272-274.
[26] الجنى الداني ص463.
[27] دلائل الإعجاز ص96-97.
[28] الإيضاح في علوم البلاغة ص33-34، 66.
[29] الكشاف 3/ 608، وزاد المسير 6/ 484، والجامع لأحكام القرآن 14/
340.
