المفاسد والمآخذ المترتبة على القول بـ واو الحال
المفاسد
والمآخذ المترتبة على القول بـ “واو الحال”
تسعى هذه الدراسة النحوية المعمقة إلى إعادة النظر في مسألة استقرت
قرونًا في مدونات النحو العربي، وهي مسألة “واو الحال” التي يرى الباحث
وجوب إلغائها وتوحيدها مع “واو المعية”. وتنبثق أهمية هذا الطرح من كونه
لا يقف عند حدود الترف الفكري، بل يمتد ليقدم مشروعًا إصلاحيًا حقيقيًا يهدف إلى
تيسير القواعد اللغوية وحمايتها من التكلف والتناقض والاضطراب. ومن خلال تفكيك
القضايا الخمس الأساسية، يتضح كيف أن العودة إلى تفسير الربط بالمعنى أدق تماسكًا
من الغرق في محيط التأويلات اللفظية القاصرة.
رابعًا:
المفاسد والمآخذ المترتبة على القول بـ “واو الحال”
إن الإصرار على تدوين “واو الحال” في المنظومة النحوية
قاد إلى جملة من المفاسد والمآخذ اللغوية والمنهجية التي أربكت الفكر النحوي، ومن
أبرزها:
فتح الباب لإلغاء “واو المعية” وهضم حق “المفعول
معه” كتركيب مستقل.
تجريد الحرف من هويته؛ حيث اضطر النحاة عند غياب الضمير الرابط إلى
جعل الواو الحرفية عائدة على صاحب الحال ومساوية للضمير، فمنحوا الحرف خصائص الاسم
وسماته، وهو خروج على أصول النحو.
الوقوع في فخ “العبث اللغوي” بالقول باجتماع رابطين (الواو والضمير)
لغرض واحد في جملة واحدة، وهو أمر تتنزه عنه العربية المشهورة بالإيجاز والبعد عن
الحشو.
إلغاء “المفعول معه الجملة”؛ مما اضطرهم لإعراب الجمل
حالية رغم دلالتها الصارخة على المعية، فأحدثوا فجوة وانقطاعًا نكِدًا بين المعنى
الحقيقي والإعراب اللفظي.
إفساد المعاني القرآنية؛ إذ انساق المفسرون خلف إعراب الجمل بالحال
في آيات يمتنع فيها معنى الحال ويستحيل مراده، في حين أن المعنى لا يستقيم إلا
بالمعية.
التحول نحو “التفسير اللفظي المتكلف”؛ مما جعلهم يحكمون
على بعض الآيات القرطاسية بأنها جاءت على غير الأصل أو الأحسن لمجرد أنها لم توافق
قياسهم في الربط بالواو! وهذا مساس خطير بكتاب الله يتنزه عنه التنزيل. وبتحويل
الواو إلى واو معية، ننتقل من مساوئ التفسير اللفظي إلى محاسن التفسير المعنوي
الصافي.
مظاهر التناقض والاضطراب بين النحاة بسبب واو الحال
لقد أفرز القول بواو الحال تناقضات شنيعة في أحكام الأئمة؛ ففي
مسألة المضارع المنفي بـ (لا) و(ما)، انقسموا إلى فئتين متضادتين: فئة منعت ربطه بالواو علة شبهه باسم
الفاعل، وفئة أجازت ذلك بعلة بعده عن هذا الشبه، فتناقض الحكم والعلة معًا!
وفي الجملة الاسمية، قرروا أن الأصل فيها الربط بالواو، ثم نقضوا
أصلهم بقرارات أخرى قالوا فيها إن الأصل في الحال عدم الربط، ثم عادوا وقالوا إن
الواو تدخل لتقوية الربط مع الضمير (فجعلوها فضلة زائدة)، ثم نقضوا إجماعهم الأول بمنع ربط الجملة الاسمية الحالية المؤكدة
لمضمون الجملة أو المعطوفة بالواو.
ومن طريف التناقض ما تراه بين الجرجاني والقزويني؛ إذ علل الجرجاني
وجوب ربط الجملة الاسمية المصدرة بضمير منفصل بالواو من أجل تحقيق معنى
“الاستئناف” [2]، في حين جاء القزويني ليعلل نفس هذا الربط بأنه جاء
لمنع حصول “الاستئناف” [3]!
أما ابن الحاجب والرضي فقد بلغا ذروة التعارض؛ حيث يرى ابن الحاجب
أن المضارع المنفي بـ (ما) أكثر ارتباطًا بالواو من المنفي بـ (لا) لأن (لا) تجعل
المضارع كالمجرد [4]. في حين ينبرئ الشيخ الرضي ليقول بضد ذلك تمامًا، مؤكدًا أن
مصاحبة المنفي بـ (لا) للواو أكثر، وأنه إذا انتفى بـ (ما) لم
تدخله الواو أصلاً لأن (ما) تدل بذاتها على الحال فلا حاجة للواو معها [5].
ولم يسلم الصبان من هذا الاضطراب؛ فعند إعرابه لقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾، ذكر أن جملة (ونحن
عصبة) حال من الذئب أو من ضمير
يوسف، ثم عاد في نفس السطر لينقض كلامه مقرًا بأن الضمير (نحن) لا يصلح
أن يعود على الذئب أو على يوسف [6]! هذا التناقض الصريح مرده المحاولة المستحيلة
للجمع بين الحالية والربط بالواو.
ويمتد هذا الإرباك ليتسلل إلى مذاهب شاذة أجازت فصل الصفة عن
الموصوف بالواو (واو
اللصوق أو الواو الزائدة)، وهو
مأخذ خطير تلقفه بعض المحدثين كالأستاذ عباس حسن الذي أقر بها في كتابه
“النحو الوافي” دون التنبيه على شذوذها ورفض الجمهور لها [7]، بل إن بعض
الرسائل الجامعية جعلت تصدر الجملة بالواو ميزة للجملة الوصفية [8]، ونفت رسائل
أخرى أن تكون هذه الواو أجنبية بين الموصوف وصفته [9]. إن هذا التمهيد لابتداع
“واو الصفة” هو ثمرة سيئة من ثمار القول بـ “واو الحال”، ولو
قطعنا الطريق بإعراب الواو واو معية لمنعنا هذا التدهور النحوي الذي يقود إلى
اختراع جمل وصفية بلا موصوف، نحو: “أقبل زائر وعمرو يتكلم”.
كما أدى التقسيم المفرط للجمل الحالية إلى تشتيت الدارسين؛ فالأخفش
نُسب إليه قولان متناقضان بسبب اضطراب النقل في ربط الواو؛ حيث نقل أبو حيان [10]
والسيوطي [11] عنه منع دخول الواو إذا كان خبر المبتدأ اسمًا مشتقًا متقدمًا (نحو: مررت بزيد وحسن وجهه)، بينما نقل الهواري عن الأخفش منع الواو إذا كان الخبر مقدمًا
مطلقًا في الجملة الحالية [12]، ورد عليه بثبوت السماع كقول امرئ القيس: “وقد
اغتدي ومعي القانصان…” [13]. هذا الإرباك نشأ من إقحام الواو في تصنيفات لا
علاقة لها بها.
وقد تجلى هذا الوهم عند عباس حسن مجددًا حين خلط بين مذهب الجمهور
والمذهب الشاذ في الآية: ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا
مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴾؛ فجعل الجملة بعد الواو صفة وزعم أن الواو زائدة للصوق تسمى
“واو اللصوق” وأن هذا رأي النحاة الذين اختلفوا بين القياس والسماع
[14][15][16]. والحقيقة التاريخية أن جمهور النحاة أجمعوا على إعراب الواو في
الآية “واو الحال” والجملة حالية، ولم يقولوا بزيادتها، وإنما القول
بالزيادة و”واو اللصوق” هو رأي تفرَّد به الزمخشري وهو شاذ ومردود عندهم
[17].
خامسًا: الإصلاح المنهجي والتيسير الحقيقي الكامن في البديل
إن التيسير الحقيقي لا يعني أبدًا مسخ القواعد أو اختصارها بشكل
مشوه يضيع الخصوصيات الإعرابية (كما
حدث في منهج توحيد الإعرابات تحت مسمى المسند والمسند إليه، والذي قاد الدارسين
إلى التيه والعسر). إن
التيسير الحق هو ثمرة تتبع الأفكار الخاطئة وتصحيحها؛ فالإصلاح هو بوابة اليسر.
ويتحقق التيسير بإلغاء “واو الحال” وإحلال “واو
المعية” محلها عبر النقاط التالية:
إلغاء التقسيمات المتضاربة:
لقد وضع النحاة تقسيمات
معقدة لربط الجملة بالواو (وجوب،
امتناع، جواز)، حتى بلغت حالات
الامتناع سبعة أنواع، وذكر شمس الدين البعلي حالات متشعبة للماضي [18]، وزادها
المحدثون تعقيدًا بتفريع الماضي إلى جامد ومتصرف ومنفي [19]. وبتحويل الواو إلى
واو معية، تصبح الجمل الحالية كلها على حالة واحدة (عدم الارتباط بالواو)، وتُعرب الجمل المصدرة بالواو مفعولًا معه، فتنتهي تلك التقسيمات
العقيمة فورًا.
التخلص من معضلة غياب الضمير:
بدلاً من اختلاق تقديرات
متكلفة لغياب الضمير الرابط في الجمل الحالية المصدرة بالواو، فإن إعرابها مفعولًا
معه يرفع الحرج تمامًا؛ لأن المفعول معه لا يشترط فيه العود بضمير إلى ما قبله،
والقاعدة تقول: “ما لا يفتقر إلى تقدير، أولى مما يفتقر إلى تقدير”
[20].
إسقاط العلل المتكلفة:
ستختفي تلك العلل المتناقضة والغموض الذي أحاط بصيغ الوجوب
والامتناع، وكذا الخلافات في وقوع الجملة الحالية سادة مسد الخبر [21].
الخلاص من تعدد الأوجه الإعرابية:
خذ مثالًا قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا ﴾؛ حيث ساق السمين الحلبي خمسة أو ستة أوجه إعرابية متكلفة (حال من الفاعل، حال من قرية النكرة، حال من عروشها…) للفرار من المعضلة [22]. وباعتماد واو المعية نسلم من هذا التعدد
ومآخذه.
توحيد الواوات:
إن إعراب واو الحال واو معية يفتح الباب لدمج “واو
اللصوق” الشاذة معها؛ لأن واو المعية لا تشترط مجيئها بعد معرفة أو نكرة،
وبذلك تتحد ثلاث واوات في حكم واحد، واختصار الحروف ذروة التيسير.
نتائج علمية جانبية استطرادية
خلال هذه الرحلة البحثية، انجلت حقائق تاريخية هامة لم تكن مقصودة
بذاتها، ومنها:
بطلان ما شاع عن الفراء من أنه يقول بوجوب ربط الجملة الاسمية الحالية
بالواو وبشذوذ حذفها.
أن الزمخشري ليس أول من ابتدع مذهب “التأويل بالظرف” لحل
مشكلة غياب الضمير، بل سبقه إليه أبو علي النحوي في كتاب “الحجة”.
أن “صدر الأفاضل” الذي نسب إليه ابن هشام إجازة مجيء
المفعول معه جملة، ليس هو المطرزي (ت 610هـ) كما
توهم الأزهري والمحدثون، بل هو القاسم بن الحسين المقتول سنة 617هـ.
جواز مجيء المفعول معه مرفوعًا في سياقات يمتنع فيها العطف لفساد
المعنى، مثل أسلوب النحاة: “كل إنسان وعمله” (الواو للمعية وعمله مرفوع)، ومثل قول الجرجاني: “الشرح والمشروح خير من المشروح”؛
حيث يتعين الرفع وتتعين المعية؛ لأن المراد أن الشرح مع المشروح خير منه منفرداً،
والعطف هنا يفسد المراد البلاغي.
————————-
[2] عبد القاهر الجرجاني،
دلائل الإعجاز، ص215.
[3] الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، ص100.
[4] ابن الحاجب، الأمالي النحوية (أمالي القرآن الكريم)، تحقيق
هادي حسن حمودي 4/ 113، وتحقيق عدنان صالح مصطفى، ص274.
[5] الرضي الاستراباذي، شرح كافية ابن الحاجب 2/ 45.
[6] محمد بن علي الصبان، حاشية الصبان على شرح الأشموني لالفية ابن
مالك 2/ 190.
[7] عباس حسن، النحو الوافي 3/ 386.
[8] د. عبد الفتاح لاشين، التأويل النحوي في القرآن الكريم 2/ 994.
[9] د. أحمد عبد العظيم، الجملة الوصفية في النحو العربي، ص35.
[10] أبو حيان الأندلسي، منهج السالك إلى ألفية ابن مالك، ص211.
[11] جلال الدين السيوطي، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، بتقديم
النعساني 2/ 246.
[12] الهواري، شرح ألفية بن مالك للهواري، مخطوط ورقة 99.
[13] ديوان امرئ القيس، ص160.
[14] عباس حسن، النحو الوافي 2/ 316.
[15] المصدر نفسه 3/ 386.
[16] المصدر نفسه 3/ 385-386.
[17] انظر تفصيل ردود الجمهور على الزمخشري في: النحو الوافي 2/
316.
[18] شمس الدين البعلي، الفاخر، مخطوط، ورقة 106-107.
[19] د. مخيمر صالح، الحال في الجملة العربية، ص178-187.
[20] ابن الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 157، مسألة 30.
[21] انظر: شرح الرضي 1/ 276، والسيوطي، عقود الزبرجد 2/ 257.
[22] السمين الحلبي، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، مخطوط،
ورقة 6.
