أسرار النظم القرآني بين دلالات الأداة (ما) وبلاغة الربط بـ (واو المعية والحال)
أسرار النظم القرآني بين دلالات الأداة (ما)
وبلاغة الربط بـ (واو المعية والحال)
مقدمة
يتميز النظم القرآني بـإعجاز بياني فريد، حيث تتشابك الحروف والأدوات النحوية لترسم أبعاداً دلالية وعقائدية لا تدركها النظرة السطحية لقواعد اللغة. ومن أبرز هذه اللمسات البيانية مجيء الأداة (ما) في سياق الحديث عن العقلاء، والتحولات الدلالية التي تحدثها “الواو” عند دخولها على الجمل الحالية والوصفية أو تجردها منها. يسعى هذا البحث الموسع إلى سبر أغوار هذين المبحثين، كاشفاً عن الأسرار البلاغية والتفسيرية التي ترفع اللبس عن الأحكام الإعرابية وتبرز دقة الفاصلة القرآنية.
المحور الأول: تفكيك دلالة (ما) وسر مجيئها للتعبير عن جنس العقلاء
الإشكال النحوي في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾
استقر في الوجدان النحوي والبياني عند جمهور المفسرين والنحاة أن الأداة (ما) موضوعة في أصل اللسان لما لا يعقل (الجمادات والحيوانات)، بينما خُصت (مَن) بذوات العقلاء من البشر والملائكة. غير أن الوقوف أمام النص القرآني الملهم يضعنا أمام استعمالات مغايرة تثير التساؤل؛ كقوله جل شأنه في سياق النكاح: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]. وهنا يتساءل البيانيون: كيف استُعملت (ما) وهي لغير العاقل، والمقصود بالخطاب هن النساء وهن من العقلاء؟
لقد حاول النحاة قديماً توجيه هذه الآية وأشباهها بناءً على أساسين:
أن (ما) وضعت أصلاً لذات ما لا يعقل، ولكنها قد تستعمل لـ “صفة” من يعقل.
أن (مَن) محصورة في التعبير عن “ذات” العاقل فقط.
بناءً على ذلك، زعموا أن الآية استعملت (ما) لأن المراد هو “الصفة” (أي: الطيب والحل)، ولو كان المراد الذات لقال سبحانه: (من طاب لكم). بيد أن هذا التوجيه يواجه معضلة حقيقية؛ فالعرب إذا أرادوا وصف العاقل استعملوا (مَن) أيضاً، ولا يصح تقدير الذات مع (مَن) بـإظهارها أو إضمارها، إذ لا يستقيم في اللسان العربي أن يقال: (فانكحوا المرأة مَن طابت لكم).
الفارق الدلالي بين الموصولات: (مَن)، (التي)، (الذي)، و(ما)
للوصول إلى الفهم الحصيف للنص الشريف، يجب أن ندرك أن كل اسم موصول يؤدي وظيفة بيانية لا تسد مسدها أداة أخرى:
استعمال (مَن):
لو قال النص (فانكحوا مَن طاب لكم) لكان التعبير متوجهاً إلى “صفة الفرد العاقل” على وجه العموم والشيوع دون تحديد، ولكان العائد مفرداً مذكرًا استصحاباً للفظ (مَن)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31]، حيث أُفرد العائد وذُكِّر في (يقنت) رعياً للفظ، وأُنث في (تعمل) رعياً للمنى.
استعمال (التي):
لو قيل (فانكحوا التي طابت لكم) لأفاد الكلام إرادة “ذات الفرد” المعين إما بالعهد الصريح أو الجنسية، ولكان الكلام متوجهاً لامرأة بعينها أو جنس معين بالذات المؤنثة، والتقدير: فانكحوا المرأة التي طابت.
استعمال (الذي):
لو قيل (فانكحوا الذي طاب) لتوجه اللفظ إلى “ذات الجنس” معاملاً إياه معاملة المفرد المذكر، والتقدير: فانكحوا الجنس الذي طاب.
استعمال (ما):
جاءت (ما) في الآية لتفجر دلالة مغايرة تماماً، وهي “صفة الجنس العام”؛ ولهذا تذكر الضمير العائد ولم يؤنث، لأنه لا يعود على أشخاص وعينات النساء، بل يعود على مفهوم الجنس غير المحدد بذات معينة، وهو التوجيه الذكي الذي تنبه له الإمام الطبري في تفسيره الحافل [1].
اتساع الحلال واستبشاع الحرام: الأبعاد البلاغية لـ (ما) الجنسية
إن اختيار (ما) دون غيرها في آيات النكاح وما ملكت الأيمان يحمل أبعاداً تشريعية ونفسية عميقة:
في سياق الحلال والأقدار المباحة:
في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ وكذلك ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3]، تأتي (ما) لتفيد “استقصاء الأجناس” المتفرعة وتعميمها. فالنساء تندرج تحتهن: الأبكار، الثيبات، الأرامل، المطلقات، القريبات، والأجنبيات. فجاء الإبهام والعموم عبر (ما) ليشعر المخاطب باتساع دائرة الحلال الإلهي، وكأن المعنى: فانكحوا أي جنس طاب لكم من هذه الأجناس المباحة.
في سياق التحذير والتقبيح:
في المقابل، يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22]. هنا استُعملت (ما) الدالة على العموم والجنسية المطلقة لإشعار المسلم بعظم الذنب وبشاعة الجرم، ولحمل النفس الإنسانية على استبشاع هذا الفعل ونبذه. والدليل القطعي على هذا التفاوت البلاغي، أن الله وصف الزنا بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 32]، بينما زاد في تقبيح نكاح امرأة الأب فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 22]؛ فـ “المقت” هو أشد البغض والكره، وجاءت (ما) لتعميم هذا المنع على كل جنس وشكل نكحه الآباء.
مسألة إعرابية تطبيقية: توجيه قراءة النصب في سورة النساء
تظهر ثمرة هذا التفريق بين الذات والصفة في توجيه بعض القراءات القرآنية؛ ففي قوله تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34]، قُرئت بنصب لفظ الجلالة (اللهَ) [2].
بناءً على قراءة النصب، تكون (ما) موصولة، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها، والتقدير: (بالشيء الذي حفظ أمرَ الله وطاعته).
وقد جوّز بعض أساطين النحو واللغة كالزجاج [3] ومكي القيسي [4] أن تكون (ما) مصدرية، إلا أن المحققين يرون امتناع هذا الوجه؛ لأن (ما) المصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر مؤول وتتجرد من الضمير، والضمير المستتر في (حَفِظَ) فاعل لا يمكن إلغاؤه، ولا يجوز عوده على النساء لأنه مفرد والنساء جمع، ولو أريد ذلك لقال: (بما حفظن الله). غير أن العكبري فتح باباً تأويلياً دقيقاً بجواز عود الضمير المفرد المذكر على “جنس النساء”، لأن معنى الجنس في فقه اللغة يعامل معاملة المفرد المذكر غير العاقل [5]، وهو ما ينسجم تماماً مع أصالة (ما) في التعبير عن الجنسية.
المحور الثاني: إعادة قراءة الجمل الحالية والمعية في ضوء النظم البلاغي
تحرير المفاهيم: الفروق الجوهرية بين جملة الحال وجملة المفعول معه
وقع الكثير من النحاة والمفسرين في خلط منهجي حين جعلوا “واو الحال” و”واو المعية” بمثابة أدوات شكلية تؤدي المعنى ذاته، مما اضطرهم إلى تفسيرات لفظية متكلفة. والحقيقة البيانية تفيد بأن دخول الواو على الجملة يحولها من معنى “التقييد الحالي” إلى معنى “المصاحبة والمعية”، وفيما يلي تبيان الفروق الجوهرية الثلاثة بينهما:
وجه المقارنة | الجملة غير المرتبطة بالواو (الحالية) | الجملة المرتبطة بالواو (المعية) |
العلاقة بصاحبها | تتصل بصاحبها اتصال (الروح بالجسد)، فتذوب فيه وتتحد معه لتصير الجملتان جملة واحدة. | تتصل بما قبلها اتصال (زيد بعمرو)، فتنفصل وتبرز كجملة مستقلة مفردة. |
القصد البلاغي | يُقصد منها جعل الجملة صفة لازمة ومقيدة للمتبوع (فاعلاً أو مفعولاً). | يُقصد منها اقتران حدوث الجملتين وزمانهما، وتأتي أحياناً لإفادة معنى (على الرغم من كذا). |
الأثر الدلالي | تفيد تقييد الفعل بحال معينة، ويمتنع حدوثه في غيرها. | تفيد المجاورة والمصاحبة والاستقلال البياني للصفة. |
ولتقريب معنى إفادة الواو لدلالة “على الرغم من”، نسوق مثالنا المعاصر: (ينصر الله المؤمنين وقلَّتهم على أعدائهم وكثرتهم)؛ فالمعنى الصريح هنا ليس مجرد الحال، بل ينصرهم الله على الرغم من قلتهم، وعلى الرغم من كثرة عدوهم. وإذا حُذفت الواو وحولت إلى حال مفردة (ينصر الله المؤمنين أقلاءَ)، لفسد المعنى ولأفاد التعبير أن نصرهم محصور ومشروط بحالة القلة فقط، وهو ما لا يريده البليغ.
موازنة بيانية فريدة: قرية لها كتاب معلوم وقرية لها منذرون
من تجليات الإعجاز القرآني الذي يقف أمامه العقل مبهوراً، التباين في استخدام الواو وحذفها بين آيتين تشابهت ألفاظهما واختلفت أسرارهما:
الآية الأولى (بإثبات الواو): ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: 4].
الآية الثانية (بحذف الواو): ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208].
ذهب بعض المفسرين كأبي السعود إلى أن إثبات الواو في الآية الأولى جعل الصفة أشد لصوقاً بالموصوف [6]، وهو توجيه يعاكس الحقيقة اللغوية. فالواو ذُكرت في سورة الحجر وحُذفت في الشعراء لأسرار معنوية عميقة:
في آية سورة الحجر:
“الكتاب المعلوم” هو الأجل والميقات المضروب لاستئصال القرية، وهذا الأجل لا تظهر قيمته إلا لحظة وقوع العذاب العيني؛ لذا كان المقام مقام اقتران ومصاحبة زمنية حتمية بين حدوث الهلاك وحلول الأجل (وقوعهما معاً في آن واحد)، فناسب ذلك الربط بـ “واو المعية” لتفيد مصاحبة وقوع العذاب لوقوع الأجل المحتوم.
في آية سورة الشعراء:
سياق الآية يتحدث عن عدالة الله عز وجل وسنته الكونية في خلقه، حيث لا يستأصل أمة بالعذاب إلا بعد إعذار وإنذار طويل عبر الرسل والأنبياء؛ فالإنذار سابق على الهلاك بزمن مديد (كقوم نوح الذين لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً). فلو دخلت الواو هنا لأفادت أن الإنذار والعذاب وقفا في وقت واحد، وهو ما ينزه الله نفسه عنه؛ فحذفت الواو لتكون جملة ﴿لَهَا مُنذِرُونَ﴾ حالاً لازمة متصلة بالقرية اتصال الروح بالجسد، لتبيان أن الهلاك لا يقع إلا بعد أن تنغمس القرية في وصف الاستحقاق نتيجة مجيء المنذرين وإصرارهم على الكفر.
تجليات أسرار الواو في آيات المحكم والتنزيل
بلاغة الفصل والمجاورة في آية الابتلاء والرضا بقضاء الله
يقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
لو جاء النظم القرآني بحذف الواو في غير القراءة (وعسى أن تكرهوا شيئاً هو خير لكم)، لتحولت الجملة الاسمية إلى صفة تذوب في موصوفها، ولكان المعنى: (عسى أن تكرهوا خيراً لكم)، وهذا يقلب الحقائق النفسية، فالإنسان بطبعه لا يكره الخير المحض.
لكن دخول الواو حوّل الجملة إلى باب “المفعول معه” ليفيد المجاورة؛ فالقتال في حد ذاته وطبيعته شاق وتكرهه النفوس (وهو كره لكم)، ولكن الله أراد إخبار المؤمنين أن هذا المكروه تجاوره وتصاحبه عواقب خيرة شتى، والشيء المحبوب قد يجاوره شر مستطير [7]. فجاءت الواو لتفصل بين الذات والوصف، وتبرز صفة “الخير الخفي” و”الشر المستتر” المستقلين، لتربية المؤمن على التسليم التام لعلم الله المطلق ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
العناية بخواتيم الأعمال وحسن الخاتمة
يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
يركز التوجيه النبوي دائماً على أن العبرة بالخواتيم؛ فكم من عابد زاهد انقلب على عقبيه عند الموت فخسر خسراناً مبيناً [8]. ولأجل إبراز أهمية هذه اللحظة الحرجة، جاء الربط بالواو في قوله ﴿وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ليفيد المعية والمصاحبة التامة لآخر أنفاس الحياة. فلو حذفت الواو وقيل (إلا مسلمين) لكانت حالاً مقيدة للفعل تفتقر إلى إبراز الاستقلال والاعتناء البالغ الذي تمنحه واو المعية والاهتمام التام بحسن الوفادة على الله.
تعاظم الذنب وتجاوز الطغيان لقرى الظلم
يقول جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59].
جاء اقتران الجملة بالواو ليشير إلى حلم الله الواسع؛ فالله لا يهلك القرى لمجرد وقوع ظلم عابر، بل إن ظلمهم طال وتعاظم وتراكم حتى صار جملة مستقلة مشهودة تلازم وقت نزول القضاء الإلهي، فبرزت صفتهم المستقلة عبر الواو لتؤكد تجاوزهم لكل الحدود الاعتيادية للطغيان.
تصوير التلازم المشاعري في سعي ابن أم مكتوم
يقول تبارك وتعالى في سورة عبس: ﴿وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: 8-10].
جاء الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم -رضي الله عنه- مسرعاً يسأل عن الهدى، فربطت الآية خشيتة بسعيه عبر الواو ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ لتفيد مصاحبة المعية؛ فالسعي البدني الخارجي كان مدفوعاً ومصاحباً في ذات اللحظة بفيضان داخلي من خشية الله. فلو قيل (يسعى خاشياً) لضاعت دلالة المجاورة والاقتران الزمني المباشر بين انطلاق الجسد وانتفاضة الروح.
عداوة الشيطان للإنسان: أصالة التداخل والتحذير من إسناد الشر لله
يقول عز من قائل في هبوط آدم وزوجته وإبليس: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36].
وقعت هذه الآية موقع الإشكال عند أصحاب “دلائل الإعجاز” كعبد القاهر الجرجاني ومكي القيسي، حيث وصفوا مجيء الجملة الاسمية الحالية ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ بغير واو بأنه على غير القياس، وجارٍ على غير الحسن!
والحقيقة الإعجازية تكمن في تجريد الجملة من الواو؛ وذلك لسببين بيانيين وعقديين:
السبب الأول (شدة اللصوق والاتصال): إن عداوة الشيطان لآدم وذريته عداوة متأصلة، متداخلة، ومتشابكة تجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق؛ فحذف الواو جعل جملة العداوة تذوب في حال الهابطين وتتحد معهم اتحاد الروح بالجسد، ولو قيل (وبعضكم لبعض عدو) بالواو لأفادت المجاورة والانفصال، وهو ما يؤدي إلى ضعف تصوير هذا الصراع الوجودي.
السبب الثاني (تنزيه الأفعال الإلهية): لو رُبطت الآية بالواو لكانت الجملة مفعولاً معه، ولالتبس المعنى بأن الله أنزل معهم مخلوقاً أو جنساً ثالثاً اسمه “العداوة”، والواقع العقدي يفيد بأن الله لم ينزل الشر والعداوة من السماء، بل هي انبعثت وتولدت من ذات المنزَلين (طغيان إبليس ومخالفته)، فكان حذف الواو تنزيهاً للساحة الإلهية من إسناد الشر والعداوة ابتداءً.
خاتمة البحث ونقد المنهج اللفظي عند النحاة
إن الانحباس في التفسير اللفظي الشكلي جعل غلاة النحاة يرون في مخالفة ظاهر القواعد شذوذاً أو خروجاً عن القياس، في حين أن تحرير القول بأن “الربط بالواو يفيد المعية والمصاحبة واستقلال الصفة”، و”حذفها يفيد الحالية الذائبة والالتصاق الشديد بالصاحب”، يكفي لتوضيح معالم البلاغة القرآنية. ومن هنا، يتوجب على الدارسين والباحثين مغادرة التفسير اللفظي الجاف، والتحول الكامل نحو “التفسير المعنوي البلاغي” الذي يرى في كل تقديم وتأخير، وفي كل ذكر وحذف لحرف، حكمة بالغة تليق بكلام رب العالمين ترفع عنه شبهات الشذوذ والنفور، وتبرز إعجازه المتجدد على مر العصور.
—————————-
[1] انظر: محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج 7، ص 542، حيث يوجه الإمام الطبري استعمال (ما) في آية النساء بنفي إرادة التعيين والأشخاص.
[2] وهي قراءة الإمام يزيد بن القعقاع (أبو جعفر المدني)، انظر تفصيلها وتوجيهها في: عبد اللطيف الخطيب، معجم القراءات القرآنية، دار سعد الدين، دمشق، ج 2، ص 130.
[3] انظر: أبو إسحاق الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ج 2، ص 47.
[4] انظر: مكي بن أبي طالب القيسي، مشكل إعراب القرآن، تحقيق: حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، ج 1، ص 197.
[5] انظر: أبو البقاء العكبري، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، ج 1، ص 354؛ وانظر أيضاً لمقارنة منع الوجه المصدري: ابن الأنباري، البيان في غريب إعراب القرآن، ج 1، ص 252.
[6] انظر: محمد بن محمد العمادي (أبو السعود)، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (تفسير أبي السعود)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 3، ص 141.
[7] انظر في تفصيل الأسرار النفسية والقدرية لهذه الآية: ابن قيم الجوزية، التفسير القيم، جمع: محمد أويس الندوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 145.
[8] الحديث المذكور أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وانظر النص بتمامه في: أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار، دار الفكر، بيروت، ص 69.
