معنى (ما) المصدرية ومعاني (ما) الأُخَر (3)

معنى (ما) المصدرية ومعاني (ما) الأُخَر (3)

 المقدمة

يتحدد نوع الإعراب في أي شاهد كان بتحديد المعنى المفهوم من السياق، ويكون هذا عندما لا نجد ثمة قرينة لفظية قاطعة تحدد المعنى المراد، لكنه إذا وُجدت هذه القرينة اعتمد عليها. وكما يشيع التباس (ما) الموصولة بالمصدرية، ويرفع هذا الالتباس بعود الضمير عليها، يشيع التباس (ما) المصدرية بالموصولة، ويرفع بتجردها من الضمير العائد.

وقد وردت (ما) المصدرية في القرآن الكريم في مواضع متعددة، متنوعة بين المصدرية الظرفية وغير الظرفية، كما وردت (ما) الزائدة والنافية والنكرة الموصوفة. في هذا المقال، نعرض دراسة تفصيلية لمعاني (ما) المصدرية وغيرها في القرآن الكريم، مع بيان الفروق بينها وبين (ما) الموصولة، وأثر السياق في تحديد المعنى المراد.

 

 (ما) المصدرية الزمانية

ويذكر النحاة قسمًا ثانيًا من (ما) المصدرية، وهي الزمانية التي يصح تقديرها بكلمة (مدة) أو (وقت) أو (زمن)؛ نحو: أنا مقيمٌ ما أقمتَ [33]، ولها في القرآن الكريم شواهد، منها قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236].

غير أن (ما) هنا تحتمل الشرطية بمعنى: إنْ لم تمسوهن [34]، ومنهم من أجاز أن تكون موصولةً صفةً للنساء، والتقدير: إنْ طلقتم النساء اللاتي لم تَمسوهن [35]، وقد تقدم أن (ما) الموصولة لا يصح إظهار موصوفها؛ لذلك لم يجز أبو حيان هذا الوجه [36]، إلا أنه يجوز أن تكون بدلًا من النساء؛ كما جاز هذا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: 151]، والراجح أنها مصدرية ظرفية، والتقدير: زمن ترك مَسهنَّ، أو مدة لم تمسوهن [37].

 (ما) المصدرية الظرفية في آيات أخرى

وقيل: إن (ما) موصولة في قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7]، والتقدير: ليتبِّروا ما علوا عليه تتبيرًا، والوجه أنها مصدرية ظرفية، والتقدير: ليتبروا مدةَ علوِّهم [38].

وتحتمل أنْ تكون مصدرية ظرفية في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، والتقدير: فاتَّقوا الله مدة استطاعتكم [39]، والأرجح أنها مصدرية غير ظرفية؛ ليكون المعنى أكثر ملاءمة لما جاء به التنزيل، فالله سبحانه أمرنا أن نعبُده ونتَّقيه في كل وقت؛ قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]؛ لأنه سبحانه يَسَّرَ لنا عبادته، فقال جل شأنه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، فيكون قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ معناه: اتَّقوا الله قدرَ استطاعتكم [40]، أو ابذلُوا في تقوى الله استطاعتكم [41].

 (ما) المصدرية الظرفية مع الفعل الدال على الزمان

وإذا وردت صلة (ما) فعلًا دالًّا على الزمان، قَوِيَ فيها معنى الظرفية؛ كقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة: 24]، والتقدير: مدة دوامهم فيها [42].

وأجاز النحاة زيادة (إنْ) بعد (ما) المصدرية الظرفية؛ نحو: انتظرني ما إنْ جلسَ القاضي؛ أي: مدة جلوسه [43]، ولم يرد مثل هذا الأسلوب في القرآن الكريم.

 (ما) المصدرية الظرفية ودلالتها على الزمان

و(ما) المصدرية الظرفية أيضًا دلت على الزمان من دلالة موصوفها، فإن (ما) في قوله تعالى مثلًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: 37]، يجوز أن تكون مصدرية ظرفية، إلا أنها جُعلت بهذا الوجه بتقدير: زمن ما يتذكر [44]، وبمعنى: أو لم نعمركم ((دهرًا وزمانًا يتسع للمتذكر أن يتذكَّر فيه، ويتوب ويرجع عن المعاصي)) [45]، وحين أجازوا جعل (ما) مصدرية ظرفية في قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: 72]، جُعلت بتقدير: اقض أمرك مدة ما أنت قاض [46].

فقد اكتسبت هذه الدلالة مِن استعمالها في الكلام أداةً لوصف موصوف مقدرٍ دالٍّ على الزمان بالجملة، و(ما) الزمانية هذه كالظروف الزمانية قد تخرج عن معنى الظرفية مثل (ما) في كُلما الشرطية [47].

 (ما) المكانية

وقال ابن هشام: ((إن نحو: جَلسْتُ ما جلسَ زيدٌ، تريد به المكان ممتنعٌ)) [48]، ولا مانع من أن ترد (ما) ظرفية مكانية بعد أن صحَّ ورودُها ظرفية زمانية، ويحدد ذلك المعنى المراد، فإذا أُريد: جلَسْتُ مدةَ جلوسِه كانت زمانيةً، وإذا أُريد مكان جلوسه كانت مكانية، بل لا مانع من أن تكون ظرفية حالية بتقدير: جَلَسْتُ هيئَةَ جُلوسِهِ، فكل ذلك جائزٌ ومحتملٌ؛ لأن هذه المعاني ليست معاني (ما)، وإنما هي معاني موصوفها، ولكن اكتسبت دلالة مصطلحاتها لكونها نابت منابه.

 (ما) المكانية في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾

ومن النحاة والمفسرين من التجأ إلى معنى الظرفية المكانية بِعَدِّهِ وجهًا من الوجوه المحتملة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: 17]، فقد أجازوا أن يكون الفعل (أضاءت) متعديًا، و(ما) موصولة في محل نصب مفعول به، أو أن يكون لازمًا، واحتملت (ما) ثلاثة أوجه: أولها أنْ تكون زائدةً، والثاني أنْ تكون موصولة فاعلًا لـ(أضاءت)، وأنِّث؛ لأنها بمعنى الأمكنة، والثالث أنْ يكون فاعل (أضاءت) الضمير المستتر المسند إلى النار، أما (ما)، فهي موصولة بمعنى الأمكنة ليست فاعلًا ولا مفعولًا به ولا زائدة، بل منصوبة على الظرفية [49].

و(ما) المكانية كالزمانية قد تَخرُج عن الظرفية؛ كالتي في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36].

 

————————————

[33] الكتاب 3/ 102، والمقتضب 3/ 197- 198، وعمدة الحافظ ص103- 104.

[34] الكشف في نكت المعاني والإعراب 1 / 135، والبيان في غريب إعراب القرآن 1 / 162، ومغي اللبيب 1/ 317-318.

[35] مفاتيح الغيب 6/ 136- 137.ن، والجامع لأحكام القرآن 3/ 199.

[36] البحر المحيط 2/ 231.

[37] البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 162، والتبيان في إعراب القرآن 1/ 188، ومغني اللبيب 1/ 317- 318.

[38] البيان في غريب إعراب القرآن 2/ 87، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن 2/ 337.

[39] مغني اللبيب 1/ 304.

[40] إعراب القرآن للنحاس 3/ 448.

[41] الكشاف 4/ 550.

[42] البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 288.

[43] الكتاب 4/ 222، وشرح الرضي على الكافية 4/ 434، وشرح الكافية لابن جماعة ص494، والفوائد الضيائية شرح كافية ابن الحاجب لملا جامي 2/ 371.

[44] التبيان في إعراب القرآن 2/ 1076.

[45] نظم الفوائد وحصر الشرائد ص256.

[46] التبيان في إعراب القرآن 2/ 897.

[47] مغني اللبيب 1/ 305.

[48] المصدر نفسه والصفحة نفسها.

[49] إعراب القرآن للنحاس 1/ 142- 143، والكشاف 1/ 73، وزاد المسير 1/ 39، والبحر المحيط 1/ 78-79، وأنوار التنزيل ص14.

 

ترك تعليق