معنى (ما) المصدرية ومعاني (ما) الأُخَر (2)
معنى (ما) المصدرية ومعاني (ما) الأُخَر (2)
المقدمة
يتحدد نوع الإعراب في أي شاهد كان بتحديد المعنى المفهوم من السياق، ويكون هذا عندما لا نجد ثمة قرينة لفظية قاطعة تحدد المعنى المراد، لكنه إذا وُجدت هذه القرينة اعتمد عليها. وكما يشيع التباس (ما) الموصولة بالمصدرية، ويرفع هذا الالتباس بعود الضمير عليها، يشيع التباس (ما) المصدرية بالموصولة، ويرفع بتجردها من الضمير العائد. وقد وردت (ما) المصدرية في القرآن الكريم في مواضع متعددة، متنوعة بين المصدرية الظرفية وغير الظرفية، كما وردت (ما) الزائدة والنافية والنكرة الموصوفة. في هذا المقال، نعرض دراسة تفصيلية لمعاني (ما) المصدرية وغيرها في القرآن الكريم، مع بيان الفروق بينها وبين (ما) الموصولة، وأثر السياق في تحديد المعنى المراد.
(ما) المصدرية والموصولة: الفرق بينهما
يتحدد نوعُ الإعراب في أي شاهد كان بتحديد المعنى المفهوم من السياق، ويكون هذا عندما لا نجد ثمة قرينة لفظية قاطعة تحدِّد المعنى المراد، لكنه إذا وُجدت هذه القرينة اعتمِد عليها، فإذا قلنا مثلًا: سأل التلميذَ معلمٌ، فإن نسق هذا المثال يقتضي بأن يكون (التلميذ) هو الفاعل السائل، و(معلم) هو المسؤول المفعول؛ إلا أن نصب الأول ورفع الثاني، قطع أن يكون المعنى عكس ذلك، وكذلك الأمر في تحديد أنواع (ما).
وكما يشيع التباس (ما) الموصولة بالمصدرية، ويرفع هذا الالتباس بعود الضمير عليها، يشيع التباس (ما) المصدرية بالموصولة، ويرفع بتجردها من الضمير العائد، وهذا ما يُجمع عليه النحاة، ويتجلى ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: 75]، فإن (ما) في هذه الآية مصدرية، ولا يصح أن تكون موصولة لتجرُّدها من الضمير العائد، والهاء في (عقلوه) غير عائد على (ما)، بل على كلام الله، والتقدير: من بعدما عقلوا كلام الله [1].
(ما) المصدرية في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]، فإن (ما) هنا أيضًا مصدرية؛ لأن الضمير في به غير عائد عليها، بل على الله سبحانه، أو محمد صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، ولو قيل: فإن آمنوا بما آمنتم به، لكانت (ما) موصولة؛ لعود الضمير في (به) عليها، والمعنى: فان آمنوا بالله الذي آمنتم به [2].
(ما) المصدرية في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾
وقال ابن الأنباري في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: 25]: (ولا يجوز أن تكون (ما) موصولة؛ لأنها لو كانت موصولة، لكان المعني بها الماء، والذي يُجزاه أجر السقي لا أجر الماء؛ لأن الأجر للعمل لا للعين، فوجب أن تكون مصدرية لا غير)) [3]، وبمثل هذا قال ابن هشام، فمنع أن تكون موصولة؛ لأن الأجر على السقي الذي هو فعله لا على الغنم [4]، وسقى: فعل متعد إلى مفعولين؛ نحو: سقاه الله الغيث، وقد يقال: سقاه لماشيته ولأرضه [5]، فالمعني به في الوجه الممتنع لا يصح أن يكون الماء إلا عند جعل الآية بتقدير: أجر الماء الذي سقيته للغنم، ولا يصح أن يكون الغنم إلا عند جعلها بتقدير: أجر الغنم التي سقيتها الماء، أو التي سقيتها بالماء.
(ما) الموصولة في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
وتكون (ما) موصولة في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 72]، ولا تكون مصدرية إلا إذا كانت بمعنى المفعول، فيكون التقدير: يخرج كتمانكم، والمراد يخرج مكتومكم [6]، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، فإن (ما) هنا موصولة، ولم يجيزوا أن تكون مصدرية؛ لأن المحبة لا تنفق؛ قال العكبري: فإن جعلت المصدر بمعنى المفعول جاز)) [7]؛ لجواز أن يكون المعنى: حتى تنفقوا المحبوب لديكم من المال والطعام.
(ما) بين الموصولية والمصدرية والاستفهامية في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾
وأجاز الفراء في (ما) في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: 26-27] – أن تكون موصولة أو مصدرية، ثم بيَّن أنه ((لو جعلت (ما) في معنى (أي) كان صوابًا، يكون المعنى: ليتهم يعلمون أي شيء غفر لي ربي، ولو كان كذلك لجاز فيه: بمَ غفر لي ربي، بنقصان الألف)) [8]؛ لأن الأصل والأكثر في ألف (ما) الاستفهامية أن تُحذف في حالة جرِّها، وكذلك قيل: إن (ما) استفهامية في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16]، والمراد من (ما) في الموضعين كما يظهر في السياق معنى المصدرية، وقد نُسب إلى الكسائي (ت 189هـ) أنه ردَّ قول المفسرين القائلين بأنها استفهامية؛ إذ لو كانت كذلك لجاءت بغير ألف [9].
(ما) المصدرية مع (كان)
وقد كثُر دخول (ما) المصدرية على (كان) في التنزيل؛ كقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10]، وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 162]، فمن النحاة مَن جعل الآية الأولى بتقدير: بكونهم يكذبون [10]، ومذهب سيبويه وجمهور النحاة (أنه أدخل (كان)؛ ليُخبر أنه كان فيما مضى كما تقول: ما أحسنَ كان عبدَ الله، فأنت تَعجَب من (عبد الله)، لا من (كونه)، وإنما وقع التعجب من اللفظ على كونه)) [11]، فصلة (ما) المصدرية في الأولى هي (يكذبون)، وليس كان، والتقدير: بكذبهم، وكذلك قوله تعالى: (بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ)، تقديره: بظلمهم، لا بكونهم يظلمون [12]، غير أن الطبري [13] أظهر مخالفته لهذا الوجه، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
(ما) بعد (ساء)
ووردت (ما) بعد (ساء) في عدة مواضعَ من القرآن الكريم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66]، وقوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: 31، والنحل: 25]، وقد أجاز النحاة والمفسرون أن تكون (ما) نكرة موصوفة منصوبة على التمييز، و(ساء) بمعنى فعل الذم (بئس)، والتقدير في قوله تعالى مثلًا: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: 136، النحل: 59، العنكبوت: 4، الجاثية: 21]، ساء الشيء شيئًا يحكمون، وجاز أن يكون (ساء) على بابها، و(ما) موصولة، والتقدير: ساء الشيء الذي يحكمونه، أو تكون مصدرية، والتقدير: ساء حكمهم [14].
والظاهر الوجه الأخير؛ لأن المراد في هذه الآيات وصف مصدر الفعل بالسوء، وهو في المعنى أقوى، ونظير الآيات المذكورة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]، وقوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 118]، وقوله تعالى: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 16]، فإن (ما) في هذه الآيات مصدرية؛ لأن المعنى: بطَل وحبِط عملُهم وصنيعهم، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: 5]، وبُطلان العمل وحبوطه معناهما واحد [15].
(ما) بعد (قليلًا)
ووردت (ما) بعد (قليلًا) في عدة مواضعَ من القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88]، وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3]، وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: 10، والملك: 23]، والظاهر كما هو واضحٌ أن (قليلًا) هنا تعني القلة و(ما) مصدرية، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: قلَّ إيمانهم، وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ معناه: قلَّ تذكُّرُكم، وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ معناه: قلَّ شكرُكم، إلا أن الفراء ذكر أنه يجوز أن يكون (قَلِيلًا) معناه النفي، ونَسب إلى شيخه الكسائي أنه نقل عن العرب قولهم: مررتُ ببلاد قلما تنبت إلا البصل والكراث؛ أي: ما تنبت إلا هذين، ويجوز أن تفيد معنى القلة [16]، وأجاز النحاة والمفسرون هذين الوجهين [17]، واختار الطبري معنى النفي [18]، فيكون معنى قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: لا تذكُّرَ لهم أصلًا، ومعنى قوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: لا يشكرون أصلًا [19]، ويبدو أن المراد معنى القلة، وما حكاه الكسائي يمكن حمله أيضًا على هذا الوجه، فيكون معنى: مررت ببلاد قلَّ نباتُها بوجه عام، ولم يَكثُر فيها إلا البصل والكراث.
(ما) النافية بعد (قليلًا)
ولم يُجز النحاة والمفسرون أن تكون (ما) نافية في هذه الآيات؛ لأنها بهذا الوجه لا يصح معناها، فقوله تعالى مثلًا: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ يكون معناه بالنفي: قلَّ عدمُ إيمانهم، يعني كثُر، هذا عند جعل (قليلًا) بمعنى القلة، أما عند جعل (قليلًا) بمعنى النفي، فنفي النفي إثبات، فيكون المعنى ثبت إيمانُهم، وكلا المعنيين لا يصح، وغير مراد.
إلا أن العكبري قال في هذه الآية ما لفظه: ((وقيل (ما) نافية؛ أي: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، ومثله (قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ)، و(قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ)، وهذا أقوى في المعنى، وإنما يضعف شيئًا من جهة تقدُّم معمول (ما) في حيِّز (ما) عليها)) [20]، ومثل هذا قال ابن هشام، فأجاز أن تكون (ما) نافية، إلا أنه ضعَّفه بأن (ما) النافية لها الصدارة في الكلام، فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها [21].
الرد على القول بأن (ما) نافية بعد (قليلًا)
ومما تقدَّم من كلام النحاة والمفسرين قبل العكبري وابن هشام – تبيَّن أنه لم يُجز أحد منهم أن تكون (ما) نافية، وإنما أجازوا أن تكون (قليلًا) بمعنى النفي، فيبدو أنه وقع ثمة التباسٌ، والدليل على ذلك أنه عند جعل (ما) نافية في هذه الآية، لا تكون بالمعنى الجائز الذي ذكره العكبري: (فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا)، بل تكون بالمعنى غير الجائز الذي بينَّاه، وهو: ثبت إيمانهم، أو كثُر، وهو معنى مخالف للسياق؛ لذلك لم يقل به النحاة والمفسرون.
(ما) في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾
إلا أن الطبري نقل القول بجواز هذا الوجه في غير هذه الآيات، وفي موضع واحد، هو قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17]، وهو وجهٌ لا يصح أيضًا؛ لأنه عند جعل (ما) نافية يكون المعنى: أنهم كانوا ينامون وقتًا طويلًا من الليل، ويقضون وقتًا قليلًا منه بالعبادة، وهذا خلاف المعنى المراد؛ لأن الآية تعني قِلة هجوعهم؛ أي: قِلة نومهم؛ لذلك فإن من أجاز هذا الوجه، لم يُجزه إلا بتأويل بعيد، وهو الوقوف على (قليلًا)، والمعنى: كانوا قليلين، والابتداء بعد ذلك من قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [22]؛ أي: كانوا يحيون الليل كله ولا ينامون، وهذا تأويل فيه بُعد وتعسُّف واضحان [23]، وإذا أمكن القول بهذا التأويل على بُعده في هذه الآية، لا يمكن القول به في الآيات الأخرى.
معنى (يهجعون) عند ابن العربي
وفي دلالة (يهجعون) ذهب ابن العربي (ت543هـ) إلى أن معناها: يسهرون، وذكر أن الله سبحانه مدح قلة العبادة في الليل؛ لأن طول القيام ليس بالإمكان [24]، وهذا قول غريب تفرَّد به، وهو مخالف لإجماع المفسرين.
المعنى الراجح في (قليلًا ما يهجعون)
والظاهر أنه ليس المراد عدم نومهم، ولا كثرة نومهم، وإنما المراد طول قيامهم، والمعنى: أنهم كانوا ينامون قليلًا ويسهرون كثيرًا، بدلالة قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 1-4]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20]، فقد بيَّن الله سبحانه في هذه الآيات أن رسوله صلى الله عليه وسلم، وصحابة رسوله رضي الله عنهم، كانوا يقضون أكثر الليل في العبادة، فالوجه أن تكون (يهجعون) بمعنى: ينامون لا بمعنى: يسهرون، وأن تكون (قليلًا) دالة على معنى القِلة لا على معنى النفي، والوجه أيضًا استبعاد كون (ما) نافية، ومثل هذا يقال في الآيات الأخرى؛ لأنها كانت على نسقها.
(ما) الزائدة في (قليلًا ما)
والوجه المختار والمشهور عند النحاة والمفسرين أن تكون (ما) زائدة [25]، وأجاز الزمخشري في (ما) في قوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة [26]، ولا يصح هذان الوجهان؛ إذ ليس ثمة ضمير ظاهر أو مقدر يصح عودُه على (ما)، وهذا ما صرَّح به الطبري في قوله تعالى: (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ) [27].
(ما) النكرة المبهمة والحصر
وقيل: (ما) نكرة مبهمة، كما يقال: أمر ما، وشيء ما [28]، وأنكر ابن القيم زيادتها، وذهب إلى أنها تفيد الحصر، فقوله تعالى: (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ) معناه: ما يؤمنون إلا قليلًا [29]، وحملُها على الحصر لا يبدو وجهًا مقبولًا [30].
معاني القلة في (فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ)
وقد ذُكر في وجه (القلة) في قوله تعالى: (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ) عدة معان:
أحدها أنهم يؤمنون بالقليل مما أنزل الله ويكفرون بالكثير مما سواه، كإيمانهم بالله وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما أُنزل إليه، والثاني: أنهم لا يؤمن منهم إلا القليل [31]، والثالث أنهم يؤمنون قليلًا من الزمان [32].
والوجه الثاني يقضي أن تكون (ما) موصولة عائدة على معنى الجنس، والثالث يقضي أن تكون ظرفية زمانية، وظاهر الآية يدل على المعنى الأول، وعلى أن (ما) مصدرية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزمر: 38]، وقوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، وهذا هو الوجه المراد في الآيات الأخرى، والتقدير: قلَّ الإيمان الذي يؤمنون، والشكر الذي تشكرون، والتذكر الذي تتذكرون، والهجوع الذي كانوا يهجعون.
————————————
[1] التبيان في إعراب القرآن 1/ 80.
[2] التبيان في إعراب القرآن 1/ 121-122.
[3] البيان في غريب إعراب القرآن 2/ 231.
[4] مغني اللبيب 1/ 303.
[5] لسان العرب، المجلد الثاني ص167.
[6] التبيان في إعراب القرآن 1/ 78.
[7] التبيان في إعراب القرآن 1/ 279.
[8] معاني القرآن 2/ 374-375.
[9] معاني القرآن وإعرابه 4/ 283، وإعراب القرآن للنحاس 2/ 716 والأزهية ص83، ومشكل إعراب القرآن 2/ 601، والكشاف 4/ 11-12، والأمالي الشجرية 2/ 239، والبيان في غريب إعراب القرآن 2/ 239، ومفاتيح الغيب 26/ 60، والتبيان في إعراب القرآن 2/ 108، ومغني اللبيب 1/ 299-300، والبرهان في علوم القرآن 4/ 403-404، وخزانة الأدب 6/ 99.
[10] مشكل اعراب القرآن 1/ 78، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 55 والبحر المحيط 1/ 60.
[11] الكتاب 1/ 73، ومعاني القرآن للأخفش 1/ 40 والبغداديات 1/ 55 واللمع ص268، وقواعد المطارحة لابن أياز النحوي ص217 ومغني اللبيب 1/ 304.
[12] المختصر في النحو للجواليقي ص169 والكشاف في نكت المعاني والإعراب 1/ 18، والتبيان في إعراب القرآن 1/ 27.
[13] جامع البيان 1/ 286.
[14] جامع البيان 11/ 128، 20/ 30، ومعاني القرآن وإعرابه 2/ 242، وإعراب القرآن للنحاس 3/ 131، ومشكل إعراب القرآن 1/ 250، والكشاف 1/ 658، 2/ 17، 3/ 440، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 319، 342، والتبيان في إعراب القرآن 1/ 490.
[15] المعجم الوسيط 1/ 61، 153.
[16] معاني القرآن 1/ 59-60.
[17] الكشاف 1/ 164، والبرهان في علوم القرآن 3/ 78.
[18] جامع البيان 2/ 329-331، 5/ 599.
[19] البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 107، 2/ 333، 3/ 78، والكشف في نكت المعاني والإعراب 1/ 55-56.
[20] التبيان في إعراب القرآن 1/ 90.
[21] مغني اللبيب 1/ 316-317.
[22] جامع البيان 26/ 198-199.
[23] مجاز القرآن 3/ 226، ومعاني القرآن للفراء 3/ 84، ومعاني القرآن وإعرابه 5/ 53، ومشكل إعراب القرآن 2/ 687، والتبيان في تفسير القرآن 9/ 382، ومفاتيح الغيب 28/ 201- 202، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 234.
[24] أحكام القرآن 4/ 1729.
[25] مجاز القرآن 2/ 131، 194، ومعاني القرآن للأخفش 1/ 135-136، ومعاني القرآن وإعرابه 2/ 316، 5/ 218، وإعراب القرآن للنحاس 1/ 559، 2/ 233، والصاحبي في فقه اللغة ص171، ومشكل إعراب القرآن 1/ 281، 284، 2/ 755، والكشاف 1/ 164، 2/ 86، 3/ 199، 377، والتبيان في تفسير القرآن للطوسي 29/ 382، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 106-107، 353-354، 2/ 39، 389-390، وزاد المسير 1/ 113، ومفاتيح الغيب 28/ 201.
[26] الكشاف 4/ 398-399.
[27] جامع البيان 2/ 329.
[28] مجمع البيان في تفسير القرآن 1/ 157، ومغني اللبيب 1/ 316-317.
[29] بدائع الفوائد 2/ 150.
[30] معاني النحو 3/ 98-100.
[31] جامع البيان 2/ 329-331، 26/ 198.
[32] زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 1/ 113.
