المبادئ العشرة في علم العروض (1)

مقال 1

المبادئ العشرة في علم العروض (1)

عبد الله بن عبده العواضي

مقدمة في علم العروض

الحمد لله الكامل في أسمائه وصفاته، المنزَّه عن كل نقصٍ في نعوته وذاته، أسدل علينا من وافر نعمه، وأسبغ علينا من بسيط كرمه، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي قصر الله به طويل الضلالة، وقطع به اتصال الجهالة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أوتاد الهدى، وأعلام الدجى، وسلم تسليمًا، أما بعد:

فإن علم العروض من علوم العربية التي لها اتصال مباشر بالشعر، لمعرفة صحيحه من سقيمه، وموزونه من مختله؛ قال ابن جني: “اعلم أن العروض ميزانُ شعر العرب، وبه يُعرف صحيحه من مكسوره، فما وافق أشعار العرب في عدة الحروف – الساكن والمتحرك – سُمي شعرًا، وما خالفه فيما ذكرناه فليس شعرًا، وإن قام ذلك وزنًا في طباع أحد لم يحفل به حتى يكون على ما ذكرنا”[1].

وهو علم جدير بالالتفات إليه ومعرفته، خاصة أنه ليس كغيره من العلوم التي يكثر تدريسها، وينشط لها متلقوها، ولم يعد تدريسه متاحًا إلا لدارسي قسم اللغة العربية في الجامعات في نطاق ضيق، إلا من علت هِمته فسعى لدراسته وقراءة كتبه من غير أولئك الدارسين، وهذه مقدمة يسيرة عن هذا العلم النافع – ألقيتها على طلابي في هذا العلم – تناولنا فيها المبادئ العشرة لهذا العلم، وأمورًا أخرى يحسن تقديمها بين يدي هذا الفن العربي الجميل، نسأل الله أن السداد والقبول، والحمد لله رب العالمين.

أولًا: المبادئ العشرة

1-حدُّ العروض:

العروض لغة:

(عرض) العين والراء والضاد بناء تكثر فروعه، وهي مع كثرتها ترجع إلى أصل واحد، وهو الْعَرْضُ الذي يخالف الطُّول، ويقال: عَرَض الشَّيْء عَلَيْهِ، يَعْرِضه عَرْضا: أرَاهُ إِيَّاه، وعرض المتاع يعرضه عرضًا، وهو كأنه في ذاك قد أراه عَرْضَهُ، والعَروضُ: مكةُ والمدينةُ واليمن، وعرض الرجل: أَتَى الْعرُوض؛ أَي: مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن، والعروض: اسمٌ للجُزْءِ الأخيرِ من النِصْفِ الأوَّلِ من البيت الشعري، سالِمًا أو مغَيَّرًا، والعروض تؤنث والتذكير جائز، والجمع: أعارِيضُ، وسميت العَروض عَروضًا؛ لكثرة ما تَعْرِضُ في أبيات الشِّعر، كما سُمِّيت المواريث فرائض لكثرة قولهم: فَرْضُ الأم كذا.

والعَروض- بفتح العين على وزن: فَعول -: ميزانُ الشِّعْرِ، وسُمي العروض عروضًا قيل:

أ‌-  إن علم العروض ناحية من العلوم، ومن أسماء الناحية: العروض.

وقد قيل:

لكل أناسٍ من معدٍّ عِمارةٌ***عروضٌ إليها يلجؤون وجانبُ

ب‌-        أن الشعر يعرض عليه فيظهر المتزن من المنكسر.

ت‌-       أنه أُلهمه الخليل بمكة عندما ذهب للحج، والعروض: مكة والمدينة وما حولهما، وبه فسروا قولهم: استعمل فلان على العروض، أي: مكة والمدينة واليمن وما حولها، وأنشدوا قول لبيد:

وإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ القِتَالُ فإِنَّنَا***نُقَاتِلُ مَا بَيْنَ العَرُوضِ وخَثْعَمَا

أَي: مَا بَيْنَ مَكَّة واليَمَن. فسماه بها تبركًا وتيمنًا.

قال ابن الدماميني: أقربها: أن العروض اسم لما يعرض عليه الشيء، فنقل إلى هذا الفن؛ لأنه يعرض عليه الشعر، فما وافقه فصحيح وما خالفه ففاسد”[2].

العروض اصطلاحًا:

هو: علم يبحث فيه عن أحوال الأوزان المعتبرة، وقيل: علم يبحث فيه عن المركبات الموزونة، من حيث وزنها[3]، وقيل: هو: علم تعرف به كيفية الأشعار من حيث الميزان والتقطيع[4].

وقيل: هو: ميزان الشعر، به يعرف مكسوره من موزونه، كما أن النحو معيار الكلام به يعرف معربه من ملحونه[5].

وقيل: هو: القواعد التي تدل على الميزان الدقيق الذي يُعرفُ به صحيح أوزان الشعر العربي من فاسدها[6].

2-موضوعه:

الشعر العربي الفصيح لمعرفة كونه موزونًا: صحيحًا أم سقيمًا[7].

3-ثمرته:

يثمر هذا العلم المفيد لمن أتقنه ثمرات جليلة، منها:

1) صقلُ موهبة الشاعر، وتهذيبها، وتجنيبها الخطأَ والانحرافَ في قول الشِّعر.

2)  أمنُ قائل الشعر على شعره من التغييرِ الذي لا يجوز دخوله فيه، أو ما يجوز وقوعه في موطن دون آخر.

3) التأكد من معرفة أن القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف ليسا بشعر معرفةَ دراسةٍ لا تقليد؛ إذ الشعر ما اطردت فيه وحدته الإيقاعية التزامًا؛ أي: (كلامٌ موزون قصدًا بوزن عربي).

4) التمكينُ من المعيار الدقيق للنقد، فدارس العَروض هو مالك الحكم الصائب للتقويم الشعري، وهو المميز الفطن بين الشعر والنثر الذي قد يحمل بعض سمات الشعر.

5) معرفةُ ما يرد في التراث الشعري من مصطلحات عَروضية لا يعيها إلا من له إلمام بالعَروض ومقاييسه.

6) التمكينُ من قراءة الشعر قراءةً سليمة، وتوقِّي الأخطاء الممكنة بسبب عدم الإلمام بهذا العلم[8].

وثمرته للشاعر والناقد والأديب والكاتب والمتحدث بالعربية الفصحى أكثر من غيرهم.

فـ” الشاعر المحنك بحاجة إلى معرفة هذا العلم بتفاصيله ودقائقه؛ ليكون على علم بموضع نظمه من تلك القواعد والأصول؛ ليفرق بين ما هو جائز من الزحافات والعلل، وما هو ليس بجائز، وإن جهل الشاعر بعلم العروض كثيرًا ما يجعل نظمه مقتصرًا على قسم من الأوزان اليسيرة والمألوفة دون ما سواها، وإن تقارب عدد الأوزان فيما بينها قد يخرج الشاعر في بيت أو أكثر من أبيات قصيدته إلى غير الوزن الذي هو فيه، وقد وقع عددٌ من شعراء العربية في هذا الخلل حينما انساقوا وراء السليقة في نظمهم، وابتعدوا عن رقابة علم العروض على الرغم من معرفتهم به”[9].

وكما يحتاج الشاعر إلى معرفة هذا العلم يحتاجه الخطيب والمذيع والمحاضر وغيرهم ممن يتصدرون للحديث بين الناس، فإنهم قد يمرون ببيت أو أبيات يتلونها في جملة كلامهم، فالإلمام بهذا العلم يحميهم من كسر الأبيات، ويرشدهم إلى مواضع الخلل منها.

كما أن هناك مصطلحات عروضية قد تعرض لهم في بعض القطع النثرية، فجهلهم بهذا العلم قد يجعلهم يفسرونها للسامعين أو القارئين تفسيرًا خاطئًا.

وقال ابن الأثير – وهو يذكر ألات البيان وأدواته -:

“وأما النوع الثامن: وهو ما يختص بالناظم دون الناثر، وذلك معرفة العروض وما يجوز فيه من الزحاف وما لا يجوز، فإن الشاعر محتاج إليه، ولسنا نوجب عليه المعرفة بذلك لينظم بعلمه؛ فإن النظم مبني على الذوق، ولو نظم بتقطيع الأفاعيل لجاء شعره متكلفًا غير مرضي، وإنما أريد للشاعر معرفة العروض؛ لأن الذوق قد ينبو عن بعض الزحافات، ويكون ذلك جائزًا في العروض، وقد ورد للعرب مثله، فإذا كان الشاعر غير عالم به لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز، وكذلك أيضًا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات؛ ليعلم الروي والردف وما يصح من ذلك وما لا يصح”[10]،[11].

يقول الأستاذ: عبد العزيز عتيق (المتوفى: 1396هـ): “وقد يستطيع الشاعر الموهوب بما له من أذن موسيقية وحس وذوق مرهفين أن يقول الشعر دون علم بالعروض وحاجة إلى قوانينه، ولكنه مع ذلك يظل بحاجة إلى دراسة علم العروض والإلمام بأصوله.

فأذن الشاعر الموسيقية – مهما كانت درجة رهافتها وحساسيتها – قد تخذل صاحبها أحيانًا في التمييز بين الأوزان المتقاربة أو بين قافية سليمة وأخرى معيبة، أو بين زحاف جائز وآخر غير جائز.

وجهل الشاعر الموهوب بأوزان الشعر وبحوره المختلفة من تامة ومجزوءة ومشطورة ومنهوكة، قد يحصر شعره في بعض أوزان خاصة، وبذلك يحرم نفسه من العزف على أوتار شتى، تجعل شعره منوع الأنغام والألحان، من ذلك تتجلى أهمية دراسة الشاعر للعروض والإلمام بقوانينه وأصوله.

وإذا كان العروض إلى هذا القدر لازمًا للشاعر الملهم الموهوب، فإنه يكون أشد لزومًا لغيره، فهو أشد لزومًا لطلاب اللغة والتخصص فيها؛ لأنه يعينهم على فهم الشعر العربي وقراءته قراءة صحيحة والتمييز بين سليمه ومختله وزنًا، وهو كذلك أشد لزومًا للدارسين والمتخصصين في فروع الثقافة العربية؛ من تاريخ واجتماع وأدب وبلاغة، ومذاهب دينية أو عقلية، فالباحثون في أمثال هذه العلوم العربية لا غنى لهم عن تفهم ما يرد من شعر في المراجع والكتب المختصة بهذه العلوم، وفهم أولئك للشعر متوقف على صحة قراءته، وهذه لا تتأتَّى إلا لمن لديه القدرة على معرفة صحيح الأوزان والتمييز بين أنواعها المختلفة.

من أجل ذلك كله ندرك ضرورة الإلمام بعلم العروض أو علم موسيقا الشعر وأصوله، لا بالنسبة للشعراء فحسب، ولكن بالنسبة أيضًا لذوي التخصص في علوم العربية، وإذا جاز أن يغتفر لغير متخصص ألا يقيم وزن الشعر وألا يقرأه قراءة صحيحة، فإن ذلك لا يمكن أن يغتفر مطلقًا للمتخصص”[12].

لكن ينبغي لنا أن نعرف أن دراية هذا العلم لا تخرج شاعرًا، كما أن الجهل به لا يعني امتناع الشعر عن صاحبه، فقد رأينا وسمعنا عن شعراء كبار قالوا الشعر ولم يعرفوا هذا العلم، ولكن تذوقهم للشعر وقراءتهم الكثيرة لدواوينه جعلتهم ينظمون شعرًا موزونًا.

قال أحد أدباء شنقيط:

أليس الشعرُ طوْعَ يَدِي وقلبي***وَسَهْلَ الصَّوغِ وَيْكَ عَلَى لسَانِ

أَصُوغُ البيتَ مِنْهُ بلا عَرُوض***على أقْوَى وأَقْوَمِ الاتزَانِ

وَأَنْفِي اللَّحْنَ والتَّعْقيدَ عَنْهُ***بِذَوْقِي والقَرِيحَةِ وَالجَنَانِ[13].

وقال أثير الدين ابن هبة الله:

قلت شعرًا قالوا بغير عروضٍ***ناقص والعروض بالميزانِ

قلت إنّيَ لصّ القوافي وديوا****نيَ من شعر كلّ ذي ديوان

أَسرق الشعر لا بوزنٍ وما يسـ***رق إلاّ حرف بلا ميزان[14].

وليس يجري صاحب الصناعة – وإن كان ماهرًا في صناعته – مجرى الطبع الجيد الفائق، ولا حاكم في هذه الصناعة إلا استقامة الطبع وسلامة الذوق، فالذوق إن كان فطريًا سليقيًا فذاك، وإلا احتيج في اكتسابه إلى طول خدمة هذا الفن”[15].

4-فضله:

لهذا العلم فضل كبير وشأن خطير؛ فهو الذي حفظ لنا أشعار العرب وعرفنا به السليم من العليل منها، وهو الذي مكن الشعراء المجيدين له من الاطمئنان على سلامة ما نطقوا وكتبوا، وجعلهم ينوعون من القوالب الشعرية وتشكيلات بحورها، مما يجمل الشعر ويُحسنه، وينفي عنه داء الملال والإملال.

قال الجاحظ في مدح العروض: “هو علمُ الشعر ومعياره، وقطبه الذي عليه مداره، به يُعرف الصحيح من السقيم والعليلُ من السليم، وعليه تبتني قواعد الشعر، وبه يَسلَمُ من الأود والكسر”[16].

وقال ابن بري التازي في شرحه لعروض ابن السقاط: “وقد تجافى بعض المتعسفين عن هذا العلم ووضعوا منه، واعتقدوا أن لا جدوى له، واحتجوا بأن صانع الشعر إن كان مطبوعًا على الوزن، فلا حاجة له بالعروض كما لم يحتج إليه من سبق الخليل من العرب، وإن كان غير مطبوع، فلا يتأتى له نظم العروض إلا بتكلف ومشقة، كما قال أبو فراس الحمداني:

تناهض الناسُ للمعالي***لَمَّا رأوا نحوها نهوضي
تكلفوا المكرمات كدًّا***تكلفَ النظم بالعروض

ولأن بعض كبراء الشعراء لم يقف عند ما حدَّه الخليل وحصره من الأعاريض بل تجاوزها.

ولأنه يُخرج بديع الألفاظ ورائق السبك إلى الاستبراد والركاكة، وذلك حالة التقطيع والتفعيل، وربما أوقع المرء في مهوى الزلل ومقام الخجل بما يتحول إليه صوغ البنية من منكر الكلام وشنيع الفحش، كما جرى في مداعبةِ أبي نواس وعنان جاريةِ النَّاطفي حين قالت: إن كنت تحسن النظر في العروض فقطع هذا البيت:

حوَّلوا عنا كنيستكم****يا بني حمَّالة الحطبِ

فقطعه، فضحكت منه، وفعل بها مثل ذلك في تقطيع قوله:

أكلتُ الخردل الشّاميَّ****في صفحةِ خبَّازِ([17])

والجواب:

 أن الحق الذي به يقول كل منصف: أن لهذا العلم شرفًا على ما سواه من علوم الشعر؛ لصحة أساسه واطراد قياسه، ونُبل صنعته، ووضوح أدلَّته.

وجدواه:

 حصر أصول الأوزان، ومعرفة ما يعتريها من الزيادة والنقصان، وتبيين ما يجوز منها على حسن أو قبح وما يمتنع، وتفقدُ محالِّ المعاقبة والمراقبة والخرم والخزم، وغير ذلك مما لا يتزن على اللسان ولا تتفطن إليه الفِطرُ والأذهان، فالجاهل بهذا العلم قد يظن البيت من الشعر صحيح الوزن سليمًا من العيب وليس كذلك، وقد يعتقد الزَّحاف السائغ كسرًا وليس به؛ كقوله:

قلتُ استجيبي فلما لم تُجبْ***سالت دموعي على ردائي

وقول الآخر:

عيناك دمعها سِجالُ****كأن شأنيهما أوشالُ

وقول الآخر:

النشرُ مسكٌ والوجوهُ دنا***نير وأطراف الأكفِّ عنمْ

وقول الآخر:

منازلٌ عفا هُنَّ بذي الأرا***ك كلُّ وابلٍ مُبلٍ هطلِ

وقول الآخر:

صرمتكَ أسماءُ بعد وصالها****فأصبحت مكتئبًا حزينَا

فهذه أبيات كلها صحيحة الوزن سائغة مستعملة عند العرب، مع أن الطبع ينبو عنها، ولا يدرك جوازها إلا من نظر في هذا العلم. وهل علم العروض للشعر إلا بمثابة علم الإعراب للكلام؟ فكما أن صنعة النحو وضعت ليعافى بها اللسان من فضيحة اللحن، فكذلك علم العروض وضع ليعافى به الشعر من خلل الوزن، فلولاه لاختلطت الأوزان، واختلفت الألحان، وانحرفت الطباع عن الصواب انحراف الألسنة عن الإعراب….

 وإنما يضع من هذا العلم من نبا طبعه البليد عن قبوله، ونأى به فهمه البعيد عن وصوله؛ كما حكى الأصمعي أن أعرابيًّا مبتدئًا كان يجلس إلى بعض الأدباء وكلما أخذوا في الشعر أقبل بسمعه عليهم، حتى إذا أخذوا في العروض وتقطيع الأبيات ولّى عنهم وهو ينشد:

قد كان إنشادهم للشعر يعجبني***حتى تعاطوا كلام الزّنج والرومِ

ولّيت منقلبًا والله يعصمني***من التّقحم في تلك الجراثيمِ”[18].

وقال الدكتور محمود مصطفى(المتوفى: 1360هـ): “فإن من علوم العربية الجليلة علمي العروض والقافية اللذين يتناولان الشعر العربي ضبطًا لوزنه، وتحقيقًا لقافيته، بإثبات ما أثبته لهما العرب ونفي ما نفوه عنهما.

ولهذين العلمين خطرهما وعظيم شأنهما؛ لدقة مسائلهما، وكثرة الشبه فيهما، حتى لقد وقعت مخالفتهما في عهد قريب من أيام العروبة الصحيحة، فهما يشبهان النحو في دقة اعتباراته، وسهولة طروء الفساد على الملكة فيه؛ ولذلك رأينا هذين العلمين يقعان في الوضع تاليين للنحو”[19].

وقد ذكر القلقشندي رسالة مفاخرة بين العلوم صاغها وعدّد فيها نيفًا وسبعين علمًا.

فكان من ذلك المفاخرة بين علمي القافية والعروض:

“…قال علم القافية: أنا عدة الشاعر، وعمدة الناثر، لا يستغني عني شعر ولا خطابة، ولا يستنكف عن الوقوف على أبوابي ذو ترسل ولا كتابة، طالما عثر الفحول في ميداني وتشعبت عليهم طرقي، فضلوا السبيل، واختلفت عليهم المباني، فلم يفرقوا بين التكاوس[20] والتراك[21] في التعارف، ولم يميزوا بين التدارك والتواتر والترادف[22].

فقال علم العروض: لقد أسمعت القول في الدعوى من غير توجيه فدخل عليك الدخيل، وأوقعك الوصل دون تأسيس في هوة النقص، فهل إلى خروج من سبيل. أنا معيار القريض وميزانه، وعلي تبنى قواعده وأركانه، لم يزل الشعر في علو رتبته بفضلي معترفا، ولحقي متحققا، ومن بحوري مغترفا، وبأسبابي متعلقا، فأبياته بميزاني محررة، وأجزاؤه بقسطاس تفاعيلي مقدرة، وبفواصلي متصلة، وبأوتادي مرتبطة غير منفصلة”[23].

قال أبو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الشريشي:

وَمن يعْتَرض وَالْعلم عَنهُ بمعزلٍ***  يرى النَّقْص فِي عين الْكَمَال وَلَا يدْرِي

وَمن لم يكن يدْرِي الْعرُوض فَرُبمَا****يرى الْقَبْض فِي بَحر الطَّوِيل من الْكسرِ[24]



[1] العروض، لابن جني (ص: 55).

[2] ينظر: مقاييس اللغة (4/ 269)، إكمال الإعلام بتثليث الكلام (2/ 419)، المحكم والمحيط الأعظم (1/ 394)، العين 645)، تاج العروس (18/377)، العيون الغامزة (ص: 4).

[3] كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (2/ 1133).

[4] كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (1/ 28).

[5] علم العروض والقافية (ص: 7) عن: كتاب: الإقناع في العروض وتخريج القوافي لأبي القاسم إسماعيل بن عباد: (ص3).

[6] موسوعة العروض والقافية (ص: 2).

[7] ينظر: أبجد العلوم (ص: 447)، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (1/ 28).

[8] موسوعة العروض والقافية (ص: 3).

[9] العروض التطبيقي الميسر (10-11).

[10] المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر (1/47).

[11] ينظر: فصول أدبية (179).

[12] علم العروض والقافية (ص: 11).

[13] الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (ص: 86).

[14] خريدة القصر وجريدة العصر (1/154).

[15] الهوامل والشوامل (ص: 319)، أبجد العلوم (2/381).

[16] العيون الغامزة على خبايا الرامزة (ص: 80).

([17] ) توضيح لسبب الضحك في البيتين: تقطيع البيت الأول: “حولوا عن فاعلاتن، ناكني فاعل”. وتقطيع البيت الثاني: ” أكلت الخر: مفاعلتن”.

[18] العيون الغامزة على خبايا الرامزة (ص: 79-80).

[19] أهدى سبيل إلى علمي الخليل (ص: 9).

[20] “المتكاوس في العروض: أن تتوالى أربع حركات بتركب السببين، كضَرَبَني وسَمَكَةٍ،، على مثال: فعَلَتُنْ، وتسمى الفاضلة، بالضاد المعجمة، وبعضهم يسميها: الفاصلة الكبرى كما سموا ما توالى في صدره ثلاث حركات الفاصلة الصغرى مُشَبَّهٌ بالشَّجَرِ المُتكَاوِسِ، لكثرة الحركات فيه، كأنها التفت؛ تاج العروس (16/ 458).

[21] “المُتراكِبُ مِنَ القافِيَةِ: كلُّ قافِيةٍ تَوَالَتْ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ متحركةٍ بَيْنَ ساكنَين، وَهِيَ مُفاعَلَتُن ومُفْتَعِلُن وفَعِلُنْ لأَنَّ فِي فَعِلُنْ نُونًا سَاكِنَةً، وَآخِرُ الْحَرْفِ الَّذِي قَبْلَ فَعِلُنْ نُونٌ سَاكِنَةٌ، وفَعِلْ إِذا كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى حَرْفٍ مُتَحَرِّك نَحْوَ فَعُولُ فَعِلْ، اللامُ الأَخيرة سَاكِنَةٌ، والواوُ فِي فَعُولُ سَاكِنَةٌ”؛ لسان العرب (1/ 432).

[22] الْمُتَدَارِكُ: كلُّ لفظِ قافيةٍ فَصَلَ بين ساكنيه حركاتان متواليتان، وهو لغة: المتلاحق، وسميت القافية به لأن الحركة الثانية قد أدركت الأولى قبل أن يليها ساكن، مثل:

احفظْ لسانَك أن تقولَ فتبتلى… إن البلاءَ موكَّلٌ بالمنطقِ

فالقافية في البيت السابق هي ( مَنْطِقِيْ ) = ( /5//5 ) .

– الْمُتَوَاتِرُ: كلُّ لفظِ قافيةٍ فَصَلَ بين ساكنيه حركة واحدة، وسمي متواترًا لأن المتحرك يليه الساكن، وليس هناك من تتابع الحركات، مثل:

تزوَّدْ من التقوى فإنك لاتدريْ … إذا جَنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفَجْرِ

فالقافية في البيت السابق هي ( فَجْرِيْ ) = ( /5/5 ) .

– الْمُتَرَادِفُ: كلُّ لفظِ قافيةٍ توالى ساكناه بغير فاصل، وسمي بذلك لترادف الساكنين فيه وهو اتصالهما وتتابعهما، مثل:

وكذاك الدهر يرمي بالفتى… في طلاب العيش حالا بعد حَاْلْ

فالقافية في البيت السابق هي ( حَاْلْ ) = ( /55 ). موسوعة العروض والقافية (ص: 95).

[23] صبح الأعشى (14/242).

[24] الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (3/242).

ترك تعليق