المبادئ العشرة في علم العروض (2)
المبادئ العشرة في علم العروض (2)
مقدمة في علم العروض
إن علم العروض من علوم العربية التي لها اتصال مباشر بالشعر، لمعرفة صحيحه من سقيمه، وموزونه من مختله؛ قال ابن جني: “اعلم أن العروض ميزانُ شعر العرب، وبه يُعرف صحيحه من مكسوره، فما وافق أشعار العرب في عدة الحروف – الساكن والمتحرك – سُمي شعرًا، وما خالفه فيما ذكرناه فليس شعرًا، وإن قام ذلك وزنًا في طباع أحد لم يحفل به حتى يكون على ما ذكرنا”[1].
تكلمنا في الحديث السابق عن حدُّ العروض، فضله، ثمرته، موضوعه واليوم نستكمل الحديث عن علم العروض من حيث نسبته وواضعه…
5-نسبته:
نسبة العروض لسائر العلوم: التباين والتخالف. وينسب هذا الفن إلى علوم العربية، وعددها اثنا عشر فنًا. جمعها بعضهم في قوله:
نَحْوٌ وَصَرْفٌ عرُوضٌ بَعْدَهُ لُغَة****ثُمَّ اشْتِقَاقٌ وَقَرْضُ الشِّعْرِ إنْشَاءُ
كَذَا الْمَعَانِي بَيَانُ الْخَطِّ قَافِيَّةٌ***تَارِيخُ هَذَا لِعِلْمِ الْعُـــــــرْبِ إحْصَـــــــاءُ[2].
6-واضعه:
هو: الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي، أبو عبد الرحمن.
مخترع علم العروض ومبديه، وواضعه ومنشيه، وبه حصن الأشعار من الفساد والخلل.
ولد في البصرة سنة (100هـ) ومات فيها سنة (170هـ) [3].
قال حمزة بن الحسن الأصبهاني في حق الخليل بن أحمد: “وبعد، فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدَّمه احتذاه، وإنما اخترعه من ممر له بالصفَّارين من وقع مطرقة على طست، ليس فيهما حجة ولا بيان يؤديان إلى غير حليتهما أو يفيدان غير جوهرهما، فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة، لشك فيه بعض الأمم لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الدنيا من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره…”[4].
فمروره بسوق الحدادين ودق مطارقهم على الطسوت ألهمه ابتداع هذا العلم.
وقد قيل: وضع الخليل رحمه الله كتاب العروض، وأعمل فكره في تقطيع الأبيات وفكَّ الدوائر، دخل عليه أخوه وهو مُكبٌّ على دائرةٍ خَطَّها وجعلها نُصبَ عينيه وهو يعالجُ فكَّها بأجزاء التفعيل، نادى قومه فقال: هلمُّوا فقد جُنَّ الخليل، فلمَّا فرغ مما كان من ذلك صرف إلى أخيه وأنشد:
لو كنتُ تعلم ما أقول عَذَرتَني****أو كنتُ أجهل ما تقولُ عذَلتكا[5]
وتقول رواية أخرى: إنه خلا بنفسه – لما أراد أن يضع العروض – فوضع بين يديه طستًا أو ما أشبه ذلك، وجعل يقرعه بعود ويقول: فاعلن مستفعلن فعولن، فسمعه أخوه فخرج إلى المسجد وقال: إنَّ أخي قد أصابه جنون، وأدخلهم عليه وهو يضرب الطِّست، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن، ما لك أأصابك شيء؟ أتحبُّ أن نعالجك؟ فقال: وما ذاك؟! فقالوا: أخوك يزعم أنك خولطت، فقال:
لو كنتَ تَعلَمُ ما أقولُ عذَرتَني***أَوْ
كنتُ أَجْهَلُ ما تقولُ عذَلتُكا
لَكِنْ جَهِلتَ مَقَالَتي فَعذَلْتَني****وعلِمتُ أَنَّكَ مائقٌ فَعَذَرْتُكا
وهناك رواية أخرى وهي:
أنه دعا بمكة أن يُرزق علمًا لم يسبقه إليه أحد، ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حجِّه، ففتُح عليه بالعروض[6]، وكان يطلق على مكة: العروض.
قال أستاذنا الدكتور: عبد المنعم أحمد صالح: “ومهما قيل في الدوافع، فالذي نرجحه أن دوافع تدوين علم العروض هي الدوافع نفسها التي دفعت علماء العرب المتقدمين إلى وضع علم النحو وغيره من علوم العربية، فقد رأى الخليل اختلال الملكة في ضبط الأوزان عند الجاهلين بهذا العلم، فحرص على تدوينه ليرجع إليه عند الشك، وليأخذ المتعلم به وكذلك مختلو السليقة الشعرية”[7].
وقال عبد العزيز عتيق (المتوفى: 1396هـ): “وأيًّا كان الدافع فالثابت أن الخليل هو واضع أصول علم العروض وقوانينه التي لم يطرأ تغيير جوهري عليها، وأن الناس ظلوا حتى اليوم يتدارسونها ويتفهمونها من غير أن يزيد عليها أحد شيئًا، فلا تزال الوحدات القياسية للأوزان هي التفعيلات التي اخترعها الخليل، ولا تزال المقاطع الصوتية التي تتألف منها التفعيلات هي الأسباب والأوتاد، كما أن عدد البحور لا يزال ثابتًا عند البحور الخمسة عشر التي وضعها الخليل، وبحر الخبب أو المتدارك الذي وضعه تلميذه الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة، ولا يرد علينا هنا بما استحدث من أوزان في العصر العباسي؛ لأن هذه يمكن إرجاع أصولها إلى أوزان الخليل.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك فارقًا ملحوظًا بين علم العروض وعلوم العربية الأخرى من حيث النشأة، فعلوم النحو والصرف والبلاغة واللغة مثلًا قد استُحدثت، ثم أخذت تنمو جيلًا بعد جيل وعصرًا بعد عصر، حتى بلغت ذِروة اكتمالها، أما العروض فقد أخرجه الخليل علمًا يكاد يكون متكاملًا، ولعل ذلك هو السر في أن من أتى بعد الخليل من العروضيين لم يستطيعوا أن يزيدوا على عروضه أية زيادة تذكر أو تمس الجوهر”([8]).
وقال صديق حسن خان (المتوفى: 1307هـ): “خليل بن أحمد البصري: صاحب كتاب العين في اللغة أستاذ سيبويه، وهو أول من استخرج العروض، وأخرجه إلى الوجود وحصر الأشعار بها في خمس دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرًا، ثم زاد فيه الأخفش بحرًا واحدًا وسماه الخبب”[9].
ويقول الدكتور محمود مصطفى (المتوفى: 1360هـ): “والعجب من أمره – وليس في التوفيق والذكاء عجب – أنه أبرز العلمين كاملين مضبوطين مجهزين بالمصطلحات التي لم يجد المتأخرون عنها مَعْدِلًا، وكل ما استدركه المتأخرون على الخليل فهو مسائل فرعية، وأمور اعتبارية لا تقدم ولا تؤخر في كون الرجل هو الأول والآخر في هذين العلمين، ولم نسمع بمثل ذلك في الأولين ولا في الآخرين، فسبحان الله واهب القوى!”[10].
هذا القول هو المشهور في أن الخليل اخترع هذا العلم من غير مثال سابق، لكن وجدنا لدى بعض أهل العلم السابقين وبعض الباحثين المعاصرين قولًا آخر، وهو أن هذا العلم كان معروفًا لدى العرب قبل الخليل بن أحمد؛ يقول ابن فارس: “وأما العروض فمن الدليل عَلَى أنه كَانَ متعارفًا معلومًا: اتفاقُ أهل العلم عَلَى أن المشركين لما سمعوا القرآن قالوا أَوْ من قال منهم: “إنه شعر، فقال الوليدُ بنُ المغيرة منكرًا عليهم: لقد عرضتُ مَا يقرؤه محمد عَلَى أقراء الشعر: هزجه ورجزه, وكذا وكذا، فلم أرَه يشبه شيئًا من ذلك، أفيقول الوليدُ هَذَا، وهو لا يعرف بحور الشعر?!”([11]).
7-اسمه:
علم العروض: علم أوزان الشعر.
8-استمداده:
أشعار العرب.
9-حكم تعلمه:
فرض كفاية، يحسن أن يقوم به بعض المسلمين لحماية شعر العربية التي هي لغة دينهم، وخاصة من تقدم ذكرنا لهم من: الشعراء – النقاد – الأدباء – الخطباء – الإعلاميين.
10-مسائله:
وهي قضاياه التي يدرسها، وهي البحور الشعرية ودوائرها وتشكيلاتها، والزحافات والعلل الداخلة على البحور، وغيرها.
[1] العروض، لابن جني (ص: 55).
[2] حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/ 422).
[3] ينظر: الفهرست (ص: 65)، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (2/ 1133)، أبجد العلوم (ص: 447)، الوافي بالوفيات (13/ 244).
[4] وفيات الأعيان (2/ 245).
[5] العيون الغامزة على خبايا الرامزة (ص: 80)، الوافي بالوفيات (4/384)، معجم الأدباء (3/1269).
[6] ينظر: الأعلام للزركلي (2/314)، الفهرست (ص: 63)، وفيات الأعيان (2/245-248)، إنباه الرواة على أنباه النحاة (1/377)، الوافي بالوفيات (4/384)، معجم الأدباء (3/1269).
[7] العروض التطبيقي الميسر (10).
[8] علم العروض والقافية (ص: 10).
[9] أبجد العلوم (ص: 566).
[10] أهدى سبيل إلى علمي الخليل (ص: 10).
