فلسفة الحذف في الفكر اللغوي وتطبيقاته الإعجازية في النص القرآني: دراسة تأصيلية بين النحو والبلاغة

فلسفة الحذف في الفكر اللغوي وتطبيقاته الإعجازية في النص القرآني: دراسة تأصيلية بين النحو والبلاغة

مقدمة

تنزع اللغات الإنسانية في مسيرتها الاستعمالية نحو الاختصار والايجاز تخلصاً من الثقل اللفظي، محيلة المتلقي على القرائن المحيطة بالخطاب لملء الفراغات التركيبية بفاعلية ذهنية. ويأتي الحذف في لغة الضاد كظاهرة أسلوبية فذة تزاوج بين الاقتصاد اللغوي والتفنن البياني، حيث يتحول غياب اللفظ إلى أداة تزيد المعنى رفعة وتمنح النص طاقة تعبيرية مضاعفة. يروم هذا البحث المسترسل تتبع فلسفة الحذف وتأصيله معجمياً ونحوياً، مع بيان تجلياته وأسراره البلاغية في النظم القرآني الكريم، مركّزاً على مواضعه وشروطه الإعجازية.

ماهية الحذف في الفضاء المعجمي والاصطلاحي

إذا سبرنا كنه الحذف في المعاجم العربية القديمة، لاسيما ما خطه ابن منظور في “لسان العرب”، نجد أن المادة اللغوية (ح ذ ف) تدور حول قطع الشيء من طرفه وإسقاطه؛ فيقال: حذفت الشيء أحذفه حذفاً إذا قطعت من حاشيته، والحذافة هي ما سقط من الشيء المطروح، ويقال أذن حذفاء كأنما قُطع طرفها، والحذفة هي القطعة الصغيرة المقتطعة من الثوب [1]. ومن خلال هذه الجذور المعجمية، تتبلور ثلاثة ركائز أساسية لمعنى الحذف في اللغة:

القطع: وهو إنقاص طرَف الشيء البنائي.

القطف: وهو إعدام جزء من الكيان اللفظي.

الطرح والإسقاط: وهو تنحية العنصر وعدم إظهاره في النطق.

أما في الاصطلاح النحوي والبلاغي، فالحذف هو: “إسقاط جزء من الكلام أو الاستغناء عن النطق به لوجود دليل مرشد أو قرينة حالية أو مقالية تدل عليه وتعين على معرفته” [2]. وهذا المفهوم لا ينفصم عن أصله اللغوي، غير أن غايات تداوله تباينت بين قطبي اللسان؛ فالنحاة انطلقوا في دراسة الحذف من خلفية إعرابية محضة، متوسلين بأدوات “التقدير، والإضمار، والاستتار” لصون القواعد وحفظ أواخر الكلم وتفسير العوامل الإعرابية، بينما اتجه البلاغيون -كالإمام عبد القاهر الجرجاني في “أسرار البلاغة”- إلى الجانب الدلالي والجمالي، معتبرين الحذف باباً شريفاً من أبواب البيان، يعطي الكلام مزية وفخامة؛ لأن ترك الذكر في موطنه أبلغ من الإفصاح به، لما فيه من شحذ لذهن السامع ليهجم على المعنى بنفسه [3].

الحذف عند النحاة ومقارنته بالإضمار والاستتار

تعددت المصطلحات النحوية التي تتقاطع مع فكرة إسقاط اللفظ، مما يستوجب تحرير الفروق الدقيقة بينها؛ فالحذف والإضمار والاستتار مفاهيم يجتمع أصلها اللغوي في الستر والغيبة، لكنها تتمايز اصطلاحاً؛ فقد نبه الإمام الزركشي في “البرهان” إلى أن الإضمار يشترط فيه بقاء الأثر المقدر في اللفظ إعراباً وحكماً، ولابد أن يبقى في الكلام دليل ناصع على ما أُلقي، وهو إسقاط للعنصر مع بقاء صورته الذهنية الحاضرة [4]. أما الاستتار فهو مصطلح يخص ضمائر الرفع المتصلة بالأفعال (وجوباً أو جوازاً)؛ وسُمي استتاراً ولم يُسمَّ حذفاً لأن الضمير المستتر يُعد في حكم الموجود حكماً لتحقيق المطابقة والربط التركيبي، إذ لا فعل بلا فاعل، وتقدير الاستتار يمنع تشتت الفائدة [5].

وقد أحصى النحاة مواضع مطردة يقع فيها الحذف جوازاً أو وجوباً، نورد تفصيلها في الجدول الآتي:

الباب النحوي

حكم الحذف

مثال التقدير والشاهد القرآني أو الشعري

المبتدأ والخبر

جائز (عند قيام القرينة)

قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: 4]، أي: فعدتهن ثلاثة أشهر لدلالة ما قبلها [6].

المفعول المطلق

جائز أو واجب (حسب السياق)

قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد: 4]، والتأويل: فإما أن تمنوا مناً أو تفدوا فداءً [7].

المنادى وعامله

واجب (في فعل أدعو)

أصل “يا عبدَ الله”: أدعو عبد الله، فحُذف الفعل وجوباً ونابت “يا” منابه [8].

التحذير والإغراء

واجب (في صياغ التكرار والعطف)

نحو: “النارَ النارَ” بعامل محذوف وجوباً تقديره (احذر)، وقول الشاعر: اللهَ في تضييعها [9].

الاختصاص

واجب الحذف

نحو قول النبي ﷺ: ((نحن -معاشرَ الأنبياء- لا نورث))، فمعاشر منصوب بفعل محذوف تقديره (أخص) [10].

معركة النحاة في “حذف الفاعل” وتوجيه شواهده

أثار مبحث “حذف الفاعل” نقاشاً محتدماً بين المدارس النحوية؛ نظراً لكون الفاعل عمدة الجملة الفعلية وركنها الأساسي الذي لا يستقيم الكلام بدونه. وانقسمت أقوالهم في هذه المسألة إلى ثلاثة منازع:

المدرسة البصرية (المنع):

 يرى جمهور البصريين أن الفاعل لا يجوز حذفه البتة بغير عِوض؛ لأنه جزء بنيوي أساسي من الجملة، وما يوهم بحذفه في بعض النصوص إنما هو من باب الاستتار أو إنابة المصدر المؤول أو بناء الفعل للمجهول [11].

المدرسة الكوفية (الإجازة المطلقة):

 تظاهر الكسائي والفراء ومن تبعهم على جواز حذف الفاعل مطلقاً إذا قامت قرينة واضحة تدل عليه، واستدلوا بآيات مشهورة كقوله سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ [القيامة: 26]، أي بلغت الرُّوح، ولم يتقدم لها ذكر، وقيل حُذفت النفس لدلالة السياق الحالي المحتضر. ومثله قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: 32]، أي توارت الشَّمس [12].

المدرسة الوسطية:

 أجازوا الحذف بشرط تظافر القرائن المقالية (اللفظية) أو الحالية (المشاهدة)؛ فالعبرة بالبيان والمنع إنما يتوجه إذا انتفت الدلالة المرشدة.

وتتحصل الحالات الفنية المقررة لحذف الفاعل في مواضع مشهورة، منها بناء الفعل لـ “ما لم يسمَّ فاعله” (نائب الفاعل) لأغراض بلاغية كالعلم به أو الجهل به أو تعظيمه، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: 183]، والأصل: كتب الله عليكم الصيام [13]. ومنها حذف واو الجماعة أو ياء المخاطبة في الفعل المضارع المؤكد بالنون تجنباً لتوالي الأمثال والتقاء الساكنين، نحو: “لتهزُمُنَّ” (وأصله: لتهزمونَنَّ)؛ فحذفت نون الرفع لتوالي النونات، ثم حذفت الواو (الفاعل) لالتقاء الساكنين وضُمت الميم دلالة عليها [14].

الحذف في علوم القرآن وأغراضه البيانية الإعجازية

ينتقل الحذف في فضاء علوم القرآن من رصد الحركات الإعرابية إلى تذوق الأسرار الإعجازية؛ إذ يشترط دارسو التنزيل في الحذف شروطاً صارمة؛ فلا بد من وجود دليل قاطع (عقلي أو لغوي أو سياقي) يعين المحذوف بدقة، وألا يؤدي الحذف إلى تهلهل المعنى أو خفائه. وتتنوع الأغراض المتوخاة من الحذف في الكتاب العزيز لتشمل:

التفخيم والتهويل:

 بترك المفعول ليتذهب الوهم كل مذهب ممكن، كقوله تعالى في وصف أهوال القيامة.

التخفيف والايجاز:

 صوناً لثراء اللفظ وسرعة النفاذ إلى الكناية والمقصود.

التشريف التعبيري:

 بحذف الفاعل تنزيهاً له عن ذكره مع الأمور المستقذرة أو الدنيوية.

إن دراسة الحذف من خلال أمثلة التفسير وإعراب القرآن تبرهن على أن هذا الفن ليس عجزاً في البنية اللفظية، بل هو قمة الاقتدار البلاغي، حيث يغدو الصمت التعبيري في ظلال القرآن أشد صوتاً وأكثر إمتاعاً وإقناعاً من الكلام المنطوق، مما يجعل المتلقي شريكاً في استنتاج معاني الوحي والوقوف على جلال نظمه وأسلوبه الشريف [15].

————————–

[1] ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط 4، 2005، مادة (ح ذ ف).

[2] محمد محيي الدين عبد الحميد، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، دار التراث، القاهرة، ج 1، ص 243.

[3] عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق: محمود محمد شاكر، دار المدني، جدة، ص 145-148.

[4] بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 3، ص 144.

[5] عباس حسن، النحو الوافي، دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة، ج 1، ص 119-120.

[6] أبو إسحاق الزجاج، إعراب القرآن، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ج 2، ص 743.

[7] ابن علي بن يعيش، شرح المفصل، المطبعة المنيرية، مصر، ج 1، ص 94.

[8] مصطفى الغلاييني، جامع الدروس العربية، تحقيق: عبد المنعم خليل، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 3، ص 110.

[9] عباس حسن، النحو الوافي، مرجع سابق، ج 4، ص 127.

[10] عبد الرحمن بن صالح المكودي، شرح المكودي على الألفية في علمي الصرف والنحو، دار الفكر، بيروت، ص 158.

[11] عباس حسن، النحو الوافي، مرجع سابق، ج 2، ص 69-70.

[12] ينظر نقاش المذاهب في حذف الفاعل عند: د. خالد بن عبد الكريم بسندي، حذف الفاعل واستتاره بين التنظير والواقع الاستعمالي، أبحاث جامعة الملك سعود، الرياض، ص 9.

[13] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، دار الفكر، بيروت، ج 2، ص 165.

[14] د. عبده الراجحي، التطبيق النحوي، دار النهضة العربية، بيروت، ص 142.

[15] جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية، السعودية، ج 4، ص 180-195.

 

ترك تعليق