أسرار الصياغة البيانية في القرآن الكريم: من إبهام الأداة (ما) إلى تشخيص المشاهد بالتعريف بالإضافة

أسرار الصياغة البيانية في القرآن الكريم: من إبهام الأداة (ما) إلى تشخيص المشاهد بالتعريف بالإضافة

مقدمة

يقوم النظم القرآني على نسق معجز تتآخى فيه الحروف والأدوات النحوية مع الأبنية الصرفية والتراكيب الإضافية، لترسم للمتلقي أبعاداً دلالية وعقائدية ونفسية تتجاوز القواعد الجافة للغة. ويتجلى هذا الإعجاز في توظيف الأداة (ما) لإفادة الإبهام والتعظيم والعموم عند الحديث عن العقلاء والبارئ سبحانه، وفي استخدام الأبنية الإضافية لتعريف النكرات وتشخيص مشاهد القيامة والجنة والنار. يرصد هذا البحث الموسع تلك اللمسات البيانية خروجاً من ضيق اللفظ إلى سعة التدبر والتفسير المعنوي البلاغي الحصيف.

المحور الأول: فقه الأداة (ما) وأسرار عدولها عن العقلاء إلى دلالة “الشيء” والعموم

الإشكال النحوي حول (ما) الموصولة والذات الإلهية

استقر في الدرس النحوي التراثي أن الأداة (مَن) خُصت بالعقلاء من الآدميين والملائكة والبارئ سبحانه، في حين وُضعت (ما) أصلاً للتعبير عن غير العاقل من الأجناس والجمادات. غير أن الوقوف أمام عيون الآيات المستعملة لـ (ما) يضع النحاة أمام إشكالات تأويلية كبرى؛ كقوله جل شأنه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: 5]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى [الليل: 3]، وكذا قوله في سورة الكافرون: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون: 3]. يضاف إلى ذلك جريان سنن لسان العرب في مأثور كلامهم كقولهم: “سبحان ما سخركنَّ لنا”، و”سبحان ما سبَّح الرعد بحمده”.

لقد دفع هذا الإشكال جمهور النحاة والمفسرين إلى محاولة توجيه (ما) في هذه المواضع، فذهب الزجاج في كتابه “معاني القرآن وإعرابه” عند وقوفه على قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا إلى القول بأن المعنى هنا يؤول إلى (مَن)، والتقدير: “والسماء والذي بناها” [1]، مستأنساً في ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- التي جاءت صريحة بلفظ: (والذي خلق الذكر والأنثى)، وهو الوجه الذي تابعه عليه ورجحه ثلة من أساطين التفسير كالإمام الطوسي [2]، والزمخشري في كشافه [3]، وأبي السعود في إرشاده [4].

بيد أن المحققين يرون أن هذا التوجيه اللفظي لا يحل العقدة البلاغية؛ فالاسم الموصول (الذي) يُستعمل لغةً للعاقل وغير العاقل على حد سواء كقولك: “أحسن إلى الذي أحسن إليك” و”اقرأ الكتاب الذي ينفعك”، بينما (مَن) محصورة في العاقل. وإذا نظرنا إلى ما قرره مكي بن أبي طالب القيسي وأبو البركات ابن الأنباري، نجد أنهما جوّزا في (ما) ثلاثة أوجه إعرابية دون تفصيل للفروق الدلالية بينها، وهي [5]:

الوجه الأول: أن تكون (ما) مصدرية، فيكون التقدير: (والسماء وبنائها)، و(خلْقه الذكر والأنثى).

الوجه الثاني: أن تكون بمنزلة (مَن) العاقلة، والتقدير: (والسماء ومَن بناها).

الوجه الثالث: أن تكون بمنزلة (الذي) الموصولة العامة، والتقدير: (والسماء والذي بناها).

التمايز الدلالي: عود (ما) على “الشيء” والذات المبهمة العظيمة

إن التحليل المعمق لاختيارات مكي وابن الأنباري يكشف أنهما كانا يعنيان بجعل (ما) بمنزلة (مَن) عودها الصريح على الله عز وجل كذات عاقلة، بينما يعنيان بجعلها بمنزلة (الذي) عودها على مفهوم “الشيء” العام؛ أي: (والسماء والشيء العظيم الذي بناها). ومثل هذا التفريق التقط خيوطه العكبري بدقة عند توجيهه لآية النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: 24]، حيث أجاز أن تكون (ما) بمعنى (مَن) عائدة على النساء المحللات بالمهور، أو بمعنى (الذي) عائدة على “الفعل والشيء غير المحرم”؛ أي: وأحل لكم تحصيل ما وراء ذلك الفعل المحرم [6].

ويقودنا هذا إلى دراسة الأبعاد البلاغية والنفسية لعود (ما) على معنى “الشيء” من خلال خمس ركائز أساسية أصلّ لها علماء البيان:

أولاً: صرف النظر عن المخلوق وتعظيم الخالق (توجيه السهيلي):

في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]، يبيّن الإمام السهيلي أن سر ورود (ما) هنا والتعبير بها عن آدم (وهو عاقل) يعود إلى أن الله سبحانه لم يُرد توجيه الأمر لإبليس بالسجود لذات آدم المحضة، وإنما أراد أمره بالسجود لـ “شيء عظيم خلَقه الله بيديه كائناً ما كان هذا الشيء”؛ وبذلك يتحول السجود في حقيقته إلى تعظيم لله الخالق وحده، ويغدو امتناع إبليس تكبراً على الله وجحوداً لأمره لا مجرد ترفع على آدم المخلوق [7].

ثانياً: مراعاة جهل المخاطب وأنفته الكبروية (توجيه الزركشي):

يذكر الزركشي في “البرهان” أن ورود (ما) في آية سورة الكافرون: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ جاء مراعاةً لجهل الكفار بحقيقة المعبود سبحانه، أو لأن الكفار كانوا يحسدون النبي ﷺ ويستنكفون من اتباع دينه كائناً ما كان معبوده، فجاءت (ما) لتفيد الإبهام والشيوع؛ والتقدير: ولا أنتم عابدون أي شيء كان أعبده، وهو الأسلوب الأوحد القادر على تصوير هذا المعترك النفسي [8].

ثالثاً: دلالة الإبهام في الأجناس المخلوقة (توجيه المبرد):

يرى المبرد أن (ما) وإن كانت لغير العاقل أصالة، إلا أنها تقع على الآدميين والعقلاء إذا قصد المتكلم إبهامهم وعدم تعيينهم [9]، ويستشهد النحاة على ذلك بقول امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران: 35]؛ فنظراً لأنها لم تكن تعلم أذكراً في بطنها أم أنثى، استعملت لفظة (ما) المبهمة لتشمل أي شيء في بطنها [10].

رابعاً: عدم إدراك كنه الذات والبارئ (توجيه ابن يعيش وابن الحاجب):

 جوّز ابن يعيش [11] وابن الحاجب [12] إطلاق الأداة (ما) على البارئ سبحانه وتعالى في لسان العرب لأن ذات البارئ عز وجل غير معلومة الحقيقة للبشر وعاجزة الأفهام عن إدراك كنهها، فصارت “مبهمة” بهذا الاعتبار التنزيهي الشريف. فالعرب إذا رأوا شبحاً من بعيد لا يستبينون جنسه قالوا: (ما ذاك؟) أي: أي شيء ذاك؟ فإذا علموا أنه إنسان قالوا: (مَن ذاك؟)، فجاءت (ما) مع الله لإفادة التعظيم المحاط بجلال الغيب.

خامساً: إرادة تفخيم الموصوف وتعظيمه (توجيه الزمخشري):

 يذهب الزمخشري إلى أن (ما) في قوله سبحانه: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: 3]، جاءت بمنزلة (مَن) ولكن عُدل عنها لقصد التعظيم والتفخيم؛ تماماً كقوله تعالى في شأن مريم: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران: 36]، أي: أي شيء وضعت! يعني موضوعاً عظيم الشأن لا يقادر قدره [13].

ويخلص السهيلي في نهاية مطافه البياني إلى قاعدة كلية؛ وهي أن مَن جلّت عظمته وخرجت عن الحصر وعجزت العقول عن الإحاطة به، وجب في لسان المحب المعظم أن يقول فيه: “هو ما هو”، فقول العربي: “سبحان ما سخركن لنا” يعني أن الشيء الذي ملك هذه القدرة يستحق التوحيد والتمجيد كائناً ما كان، وبحكم الواقع والحال ينحصر هذا المفهوم في الله وحده، فـ (ما) تطلق المعنى وتعممه، والواقع الخارجي يخصصه ويفرده في ذات الخالق العظيم، وهو من أبلغ أساليب التعظيم البلاغي وأقواها [14].

شمول الإطلاق النحوي وعقدة “التغيب والاختلاط”

إن القول باختصاص (ما) بغير العاقل هو حكم قاصر طرأ على كتب النحو المتأخرة، والصواب أنها تقع على كل شيء؛ كائناً أو ما لم يكن، والعاقل جزء من هذا الكيان العام. غير أن دخول (مَن) حيز الاستعمال خصص جزءاً من وظيفتها. لذا تنقسم (ما) في الاستعمال إلى وجهين: إما إطلاقها على ما لا يعقل لعدم وجود أداة خاصة به، وإما إطلاقها على كل جمع عمَّ وضَمَّ جنس العقلاء وغير العقلاء معاً دون تفريق.

ومن شواهد هذا الجمع الشامل قوله سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: 98]؛ حيث يذكر الزركشي أن (ما) استعملت هنا لتشمل كل المعبودات من دون الله، فاختلط غير العاقل (كالأصنام والأوثان) بالعاقل (كالملائكة وعيسى وعزير ممن عبدوا ههنا) [15]، ثم رفع الله اللبس بـالاستثناء المتصل في الآية التي تلتها فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: 101]. وهنا يكمن الفرق الدقيق: فـ (ما) إذا عادت على العقلاء مع غيرهم شملتهم بأصل وضعها الدال على العموم المطلق، بينما (مَن) إذا استعملت في موضع الاختلاط فإنها تشمل غير العاقل على سبيل “التغيب والمجاز” رعاية لجنس العقلاء؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [يونس: 66].

المحور الثاني: الإعجاز البلاغي والتشخيصي للتعريف بالإضافة في المشاهد القرآنية

الإضافة بوصفها أداة لرسم المدى الحركي والصوتي والنفسي لليوم الآخر

انتقل النظم القرآني بالبشرية من جفاف الخطاب الذهني إلى رحابة التصوير الحسي والمشاهد الشاخصة. وقد لعبت “الإضافة” دوراً محورياً في رسم تفاصيل يوم القيامة؛ فنقلت القلوب من القسوة إلى الإيمان والوجل، ولا سيما في السور المكية. ولقد توزعت الإضافات لليوم الآخر لتصنع لوحات مشخصة تتكامل فيها الأبعاد الحركية والصوتية والنفسية:

المشاهد الحركية:

ترسم الإضافة حركة البعث والنهوض في تعبير (يوم القيامة)، وحركة الانعتاق من الأجداث في (يوم الخروج) كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق: 42]، أو ترسم حركة الاضطراب والرجفة الكونية عبر الإضافة إلى الجملة الفعلية في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ [المزمل: 14]، أو شدة الحركة وعنفوانها الكوني في ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1]، وكذا حركة الفرار الجماعي والتمزق الاجتماعي المذهل في قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ [عبس: 34].

المشاهد الصوتية:

 تتجسد رهبة الصوت وجلاله في قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ [غافر: 32]، حيث يبرز نداء الخلائق بعضهم لبعض أو نداء الملائكة لهم عبر التركيب الإضافي.

المشاهد النفسية:

ترسم الإضافة أعمق مستويات الانكسار والألم الداخلي في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ [مريم: 39].

مشاهد التجمع والتقابل:

 تتجلى في إضافة (يوم الجمع) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: 9].

كما يأتي التركيب الإضافي للفظة (أصحاب) ليعزز هذا التشخيص الموقفي؛ فإذا أضيفت إلى (الميمنة) و(المشأمة) كما في سورة الواقعة، رسمت الإضافة مشهد حركة الملائكة وهم يدفعون بالفريقين جهة اليمين أو جهة الشمال، بينما تأتي إضافتها إلى (اليمين) و(الشمال) لتمثيل حركة الأيدي ولحظة تناول وتسلم الصحف والكتب والمصائر.

مقتضى الحال وتنوع الأغراض البلاغية في النظم الإضافي

تتحرك الإضافة في القرآن الكريم مع مقتضى الحال بمرونة مذهلة؛ فتنقل المتلقي بين المدح والتعظيم، أو الذم والتحقير والتهويل، والتحريض النفسي والتشويق:

الإضافة التوضيحية ورسم المشهد الحسي

في قوله تعالى لمريم عليها السلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم: 25]، أضاف الجذع إلى (النخلة) ليرسم صورة حسية تهز أعماق النفس؛ إذ كيف لامرأة في مخاض ووهن ولادة أن تهز جذع نخلة قوية صلبة؟ فكانت الثمرة الإعجازية: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. ومن ذلك تصوير حركة الفلك الكوني في قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمالِ [الكهف: 17]، فالإضافة لـ (اليمين) و(الشمال) جاءت في سياق خطاب حاسة البصر (وترى) لتبين ميل الشمس اللطيف وقرضها لهم بقدر الحاجة، تماماً كالمقترض الذي يأخذ ليدفع فاقته دون زيادة.

الإضافة الاستنهاضية والتحريضية

تأتي الإضافة لإثارة كوامن النفس البشري وحثها على الفعل أو الكف؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: 152]، فإضافة (مال) إلى (اليتيم) تثير الشفقة والوجل الإنساني لحماية هذا الضعيف. ومنه إضافة (حزب) إلى (الشيطان) لإثارة النفور، ومقابلته بـإضافته إلى لفظ الجلالة ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22] لبعث الرغبة والإخلاص، وكذا إضافة (سبيل) إلى (الله) في آيات الجهاد والنفقة ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 60].

ج. إضافة الضمير في القصص القرآني

تعد الإضافة إلى الضمير من أوسع الإضافات وروداً في القصة القرآنية نظراً لاعتمادها على حركية الحوار والشخصيات؛ وتستعمل الإضافة هنا لإبراز المشاعر الدفينة كأسلوب التهكم والسخرية على لسان الطغاة كقول فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: 27]، أو تأتي لتمكين الخطاب العقلي وبناء الحجة في ذهن السامع كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ: 46]، حيث أضاف الصاحب لضميرهم تذكيراً لهم بخلقه وأمانته ونزاهته التي خبروها طويلاً.

أسرار الإضافة البيانية في أسماء اليوم الآخر ونعيم الجنان وعذاب النيران

أولاً: بلاغة سياق (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) في أم الكتاب

تطالعنا الإضافة في سورة الفاتحة [16] في قوله جل وعلا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4]، حيث أضيف اليوم إلى (الدين) وهو الجزاء والحساب؛ وسر التخصيص هنا يكمن في أن هذا اليوم يظهر فيه للخلق تمام ملكه المحض وعدله المطلق، وتنقطع فيه دعاوى الملكية المزيفة لأملاك الدنيا؛ فالله مالك للأيام كلها بيد أنه خص يوم الدين بالذكر لبيان العظمة الفاصلة [17].

وينسجم هذا التعبير مع السياق العام للفاتحة، فقد سبقه الثناء بمجامع المحامد ﴿الحمد لله، ثم ذكر التدبير والتربية ﴿رب العالمين، يعقبه بيان سعة الرحمة الواجب الإيمان بها ﴿الرحمن الرحيم. ثم أردف هذا التأسيس بجملة العبودية والاستعانة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛ فالعيد إذا عبد ربه حق العبادة أورثته تلك العبادة استعانة خالصة، فيتحقق تقديم العام على الخاص، ويهتدي بهما إلى ﴿الصراط المستقيم؛ فجاءت الإضافة مسبوقة بـأصول العقيدة وملحقة بـأنوار الهداية.

ثانياً: التهويل العقابى عبر إضافات الفزع والبعث

يوم الفصل:

 تأتي الإضافة لتجسيد حسرة المكذبين بالجزاء في دنياهم عند مواجهتهم للمصير رأي العين؛ فيعلو صراخهم ﴿وقالوا يا ويلنا هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ [الصافات: 20-21]، وجاء تكرار اسم الإشارة (هذا) لتشخيص الهول واستحضار المشهد المرعب؛ فالفصل هو القضاء التام بين الحق والباطل، وجاءت الإضافة للتهويل والمفاجأة [18].

يوم البعث:

تستعمل الإضافة لبث التخويف الصارم بساعة الخروج بعد الموت كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ [الروم: 56]، فحرف الغاية (إلى) رسم لحظة انتهاء برزخ القبور وبداية النشور، وزاد الهول باستحضار الإشارة بـ (فهذا).

يوم التلاق:

 في قوله سبحانه: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [غافر: 15]، يفيض القلب رعباً من مشهد التجمع الكوني الحاشد؛ وسمي بالتلاق لأنه يلتقي فيه العباد بالخالق، وتلتقي الخلائق بعضها ببعض، ويلتقي العاملون بأعمالهم وجزائهم وجهاً لوجه [19].

يوم التغابن:

 أضيف اليوم للتغابن في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: 9]، لتصوير خسارة الكافرين الفادحة وربح المؤمنين؛ وجاء اسم الإشارة (ذلك) للبعيد مقام الضمير للتنبيه على فخامة شأن هذا اليوم وعلو مرتبته في الهول والجزاء [20].

يوم الحساب:

 أضيف للحساب لأنه المقتضي للثواب أو العقاب وعرض السرائر كقول المشركين مستخفين مستعجلين: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحَسابِ [ص: 16]، وجاءت ذات الإضافة لبيان مآل الطغاة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص: 26] [21].

يوم التناد ويوم الخروج:

في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [غافر: 32-33]، يتآزر المشهد الصوتي مع الحركي، ويتعاظم التعبير في قوله: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق: 41-42]؛ فتلاحق الحروف الصوتية وتكرار لفظة (يوم) يبث في الوجدان فزع النداء الشامل وتفجر الأرض بالبشر سراعاً كأنهم يسرعون إلى وثن أو علم منصوب في دنياهم ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج: 43].

ثالثاً: التعريف بالإضافة في مشاهد الجنان ونعيم المقربين

ينقل القرآن المتلقي إلى النعيم المقيم عبر إضافات تفيد التعظيم والإبهام الجميل:

جنات الفردوس:

 ورد لفظ الفردوس معرفاً بأل دون إضافة في قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ [المؤمنون: 11]، وجاء مضافاً في قوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِردَوْسِ نُزُلًا [الكهف: 107] لإفادة التفخيم والتعظيم والشمول المستفاد من صيغة الجمع (جنات)، ليدل على استيعاب الفردوس لكل منازل ومقامات أهل الإيمان من المقربين والأبرار كل بحسب درجته [22].

جنة الخلد:

وهي إضافة وحيدة فريدة في النظم القرآني، وآثر سبحانه صياغتها لتأكيد غرض التعظيم الناشئ من الأبدية المطلقة التي لا فناء بعدها، وجاءت رداً بليغاً على المعاندين الذين آثروا متاع الدنيا الزائل الفاني على الباقي الخالد [23].

جنات المأوى:

وردت مضافة بصيغة الجمع في قوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا [السجدة: 19]، ومصدر التعظيم هنا ينبع من توفير الأمن والملأذ المطلق؛ وعن ابن عباس قال: سميت بالمأوى لأنها تأوي إليها أرواح الشهداء الأبرار، وقيل هي جنة عن يمين العرش [24].

جنات عدن:

العدن في فقه اللغة هو الإقامة الدائمة المستقرة التي لا يعقبها رحيل أو تحول، وإضافتها تفيد الطمأنينة النفسية التامة للنازلين بها كقوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72].

رابعاً: بلاغة التعريف بالإضافة في مشاهد عذاب النيران

في مقابل أصحاب الجنان، تتجلى مشاهد النيران عبر تراكيب إضافية متقابلة تكشف عواقب المكذبين:

أصحاب الجحيم:

الجحيم في أصل اللسان هو النار العظيمة المستعرة التي توضع في حفرة عميقة ليدوم لهيبها ويتضاعف وقودها؛ وإضافة (أصحاب) إليها في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة: 10، 86]، تفيد الملازمة والمصاحبة الأبدية التي لا انفكاك عنها.

أصحاب السعير:

تأتي هذه الإضافة لتهويل المشهد عبر رصد استعار النار والتهابها المستعر كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 11]؛ فالإضافة هنا تثبت “الصحبة النكراء” لنار أوقد عليها فاشتعلت اشتعالاً لم يكن لها مثيل من قبل [25]، لتسوق الألفاظ دلالاتها عبر منطوقها وفحواها واقتضائها الإشاري الفذ [26].

خاتمة البحث

إن الغوص في أسرار النظم القرآني يثبت بيقين لا يتطرق إليه الشك، أن لغة القرآن الكريم تتجاوز الأحكام النحوية الصورية الشاخصة؛ فـ (ما) تخرج من دائرة “غير العاقل” لتصنع فضاءً من الإبهام والتعظيم والشمول المطلق المنزه للذات الإلهية، والتعريف بـ “الإضافة” يتحول من مجرد قاعدة إعرابية تكسب النكرات تعريفاً أو تخصيصاً، إلى ريشة بيانية تشخص أهوال القيامة وتجسد حركات الأجساد والقلوب والروح في الجنة والنار. ومن هنا، يتبين أن كل أداة وكل بناء في التنزيل الحكيم إنما وضع بميزان دقيق يفي بمقتضى الحال ويلبي جلال الإعجاز.

——————————-

[1] أبو إسحاق الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ج 5، ص 332.

[2] أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 10، ص 363.

[3] جار الله الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الكتاب العربي، بيروت، ج 4، ص 761.

[4] أبو السعود العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (تفسير أبي السعود)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 9، ص 166.

[5] مكي بن أبي طالب القيسي، مشكل إعراب القرآن، تحقيق: حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، ج 2، ص 822؛ وانظر أيضاً: كمال الدين الأنباري، البيان في غريب إعراب القرآن، ج 2، ص 516-518.

[6] أبو البقاء العكبري، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار إحياء الكتب العربية، ج 1، ص 346-347.

[7] أبو القاسم السهيلي، الروض الأُنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 3، ص 323-325؛ وانظر كذلك: ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ج 1، ص 132.

[8] بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ج 4، ص 400؛ ومعه: ابن قيم الجوزية، التفسير القيم، جمع: محمد أويس الندوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 525-526.

[9] أبو العباس المبرد، المقتضب، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة، القاهرة، ج 1، ص 42.

[10] ابن الأنباري، البيان في غريب إعراب القرآن، ج 1، ص 200؛ وانظر: السلسيلي، شفاء العليل في إيضاح التسهيل، ج 1، ص 240.

[11] ابن يعيش، شرح المفصل، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 4، ص 5.

[12] ابن الحاجب، الأمالي النحوية، ج 1، ص 315-316.

[13] الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 754؛ وانظر التوجيه ذاته في: فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، ج 31، ص 180؛ وابن جزي الغرناطي، التسهيل لعلوم التنزيل، ج 4، ص 200.

[14] السهيلي، الروض الأُنف، ج 3، ص 323-325.

[15] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج 4، ص 399.

[16] الفاتحة، الآية رقم 4.

[17] عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: عبد الرحمن اللويحق، دار ابن حزم، بيروت، 2003، ص 25.

[18] محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، ج 30، ص 29.

[19] تفسير السعدي، مرجع سابق، ص 107.

[20] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 28، ص 275-276.

[21] أبو البركات الدامغاني، الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز، تحقيق: عربي عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003، ص 171.

[22] تفسير السعدي، مرجع سابق، ص 461.

[23] أبو بكر البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ج 5، ص 303.

[24] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: د. عبد الرازق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2002، ج 7، ص 267.

[25] تفسير السعدي، مرجع سابق، ص 872.

[26] جلال الدين السيوطي، معترك الأقران في إعجاز القرآن، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988، ج 1، ص 172.

 

ترك تعليق