النظم المحكم في سورة يوسف: دراسة تحليلية للفوارق البيانية بين حركتي “الفاء” و”الواو” مع “لمّا” و”إذ”
النظم المحكم في سورة يوسف: دراسة تحليلية للفوارق البيانية بين حركتي “الفاء” و”الواو” مع “لمّا” و”إذ”
مقدمة
تتجلى عظمة الإعجاز القرآني في أدق جزيئات الحرف وحركات الكلم، حيث لا يقف الحرف عابراً في بناء الآية بل يحمل في طياته دلالات زمنية وسيكولوجية ترسم ملامح المشهد القصصي بدقة بالغة. وتعد سورة يوسف نموذجاً فذاً لتلاقي المعاني الإنسانية بالدقائق اللغوية، لا سيما في توظيف حرفي العطف “الفاء” و”الواو” في السياقات المتشابهة ظاهرياً والمتباينة دلالياً كصيغتي (فلما) و(ولما). يسعى هذا البحث المسترسل إلى فك أسرار هذا التناوب اللغوي، متتبعاً أبعاده الزمانية والنفسية، مستنداً إلى كبار المفسرين وعلماء حركات الحروف.
الأبعاد الدلالية لحروف المعاني في لغة العرب
يقوم الدرس النحوي والبلاغي على استقراء مرامي الأدوات والحروف؛ فالعرب لا تضع حرفاً مكاناً لآخر إلا لنكتة بيانية ترفع من شأن الأسلوب. وللحرف (الفاء) في لسان العرب ومصنفات الحروف معانٍ ووجوه متعددة؛ فمنها عطف النسق المفيد للترتيب والتعقيب بغير مهلة زمنية [1]، ومن شواهده في التنزيل قوله جل شأنه في قصة آدم: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا﴾ [البقرة: 36]، حيث جاء الخروج متعقباً الإزلال مباشرة بلا تراخٍ. ومنها إفادة السببية المحضة كقوله سبحانه في سورة القصص: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15]، فالوكز كان السبب المباشر للموت. وتأتي الفاء كذلك رابطة لجواب الشرط وجوباً في مواضع معلومة، كقول إخوة يوسف في السورة ذاتها: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: 77] [2]. أما (الواو) فموضوعها في أصل اللغة لمطلق الجمع والاشتراك دون ترتيب زمني أو تعقيب، مما يجعل التناوب بينها وبين الفاء مدخلاً عظيماً من مداخل الإعجاز البياني والقصصي.
التحليل الأفقي والزمني لعطف “فلما” و”ولما” في المشهد اليوسفي
عند تأمل ثنايا سورة يوسف، نجد استعمالاً دقيقاً لـ (ولما) بالواو في مواضع، و(فلما) بالفاء في مواضع أخرى، وهو ما فتح باب التدبر واسعاً أمام أساطين التفسير كصاحب “الكشاف”. يذكر الزمخشري أن النظم القرآني يشير إلى حوارات تمهيدية جرت بين يوسف عليه السلام وإخوته حين وفدوا عليه ممتارين ولم يعرفوه؛ إذ اتهمهم أول الأمر بأنهم عيون (جواسيس) دخلوا البلاد لترصد عوراتها، فدفعوا عن أنفسهم التهمة قائلين: “معاذ الله، نحن بنو أب واحد شيخ خطير، وكنا اثني عشر فذهب واحد وبقي الصغير عند والده” [3]. هذا الحوار الممتد يبين أن طلب يوسف لإحضار أخيهم لم يكن مباغتاً ولا فورياً، بل جاء بعد تدرج واستدراج طويل في الحديث.
وهنا يبرز الفارق الزمني الخطير الذي يفسر العلاقة الأفقية للنص في الآية الواحدة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 59]. فجاء العطف بالواو (ولما) لوجود تراخٍ وفارق زمني ممتد بين عملية تجهيز الأوعية بالحبوب وبين توجيه القول والأمر لهم؛ لأن المعهود في حركة القوافل أن إعداد المتاع والحمول يسبق وقت الإقلاع والوداع بمدة، بينما لا تصدر الوصايا الحاسمة والعهود من المضيف إلا عند لحظة الفراق واقتراب تحرك الركبان [4].
بالمقابل، نجد النظم يستعمل الفاء في موضع آخر فيقول: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: 70]. لقد تحولت الواو هنا إلى فاء التعقيب والسرعة (فلما)؛ لانتفاء الفارق الزمني بين الفعلين (جهّز) و(جعل)؛ إذ إن تدبير خطة استبقاء الأخ الصغير بوضع صُواع الملك في وعائه التمويني قد وقع تزامناً ومعقباً لعملية التعبئة والتجهيز ذاتها قبل قفل الأوعية وشد الرحال، فلم يكن ثمة مهلة تفصل بين الفعلين [5].
العلاقات الرأسية والسيكولوجية وحركة الأحداث بين الآيات
لا يقتصر الإعجاز اللفظي للفاء والواو على التوقيت الزمني للأفعال، بل يمتد رأسياً ليرسم البناء النفسي للشخصيات وخلفية الأحداث العلمية والمسبقة؛ ولهذا نظير مطرد في القرآن كما في سورة هود؛ فعندما يذكر الله تعالى ميعاداً محدداً سلفاً لهلاك الأمم الطاغية يأتي بالفاء الرابطة لما قبلها كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: 66]، بينما يعطف بالواو ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: 58] عند غياب التحديد اللفظي المسبق للوقت [6].
وعلى هذا السنن المطرد يسير النظم في سورة يوسف عبر الشواهد الآتية:
تدبير المؤامرة:
في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: 15]، جاءت الفاء لتكشف عن سرعة إنفاذ العزم والنية الصارمة التي انطوت عليها نفوسهم بمجرد خروجهم من عين أبيهم، لتربط الفعل بالطلب المذكور لفظاً قبله.
حديث نسوة المدينة:
في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: 30]، افتتح المشهد بالواو الاستئنافية؛ لأن هذا القول والتشنيع حدث جديد تماماً لم يجرِ له ذكر مسبق في السياق، كما تومئ الواو إلى أن كلامهن لم يكن بدافع الغيرة على العرض، بل لمجرد شغفهن بتتبع سقطات بيت العزيز [7]. لكن عندما ردت امرأة العزيز جاء النص بالفاء: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: 31]؛ ليدل على شدة تيقظها وترصدها، فلم يسقط قيل وقال إليهن عفواً، بل كانت لها عيون ينقلون لها الأخبار، فجاءت استجابتها معقبة فورية لرد كيدهن بمكر أشد.
دخول الإخوة الأول:
يقول تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: 58]، بُدئ المجيء بالواو لعدم تقدم ذكر ارتحالهم من كنعان، ثم نسقت الأفعال بالرجوع والفاء (فدخلوا.. فعرفهم) لتوالي الحركات السريعة المترتبة على المجيء.
الطلب المفاجئ وتكراره:
في قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ﴾ [يوسف: 59]، عطف بالواو لأن التجهيز لم يذكر كفعل واقع قبلها، كما تدل على أن طلب يوسف لأخيه بنيامين لم يكن نتاج تخطيط بارد، بل حركه الشوق وليد الموقف الفوري المفاجئ ولم يعلم به الإخوة سلفاً. لكن عندما حذرهم من التقصير في العودة به قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ [يوسف: 60]، فجاءت الفاء لترتب الشرط على الطلب المؤكد المذكور في الآية السابقة مباشرة [8].
المفاجأة والاعتراض في العودة:
عند رجوعهم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ [يوسف: 63]، فاستعمل الفاء لأن هذا الانقلاب والرجوع قد مهد له يوسف علماً بقوله لفتيانه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: 62]. أما عند فتح المتاع، فيقول النظم: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: 65]، فعدل إلى الواو لأن وجدان البضاعة المردودة كان مفاجأة مذهلة وصدمة سارة لم تقع في حسبانهم أو يتقدمها علم أو ذكر للمتاع.
الآيات الاعتراضية والمخالفة:
يظهر الإعجاز البلاغي بوضوح في قوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ [يوسف: 68]، والظاهر النحوي يقتضي الفاء؛ لأن أباهم يعقوب قد أمرهم قبلها مباشرة: ﴿وقال يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: 67]، إلا أن النظم آثر الواو ليدل على أن هذه الجملة اعتراضية جاءت لبيان أن هذا الدخول والامتثال لم يكن ليغني عنهم من قضاء الله وقدره شيئاً، فجاءت الواو لتفصل هذا التوجيه العقدي [9]. ونظير ذلك قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 94]، فبالرغم من أن المشهد متصل بأمر يوسف لهم بالذهاب بالقميص، إلا أن عطف فصل العير بالواو جاء كاعتراض بياني ينقل السامع فجأة إلى فضاء مكاني آخر بعيد جداً (أرض كنعان) حيث يعيش والدهم المفجوع، قبل أن تعود الفاء لتربط الأحداث عند وصول القميص فعلياً في قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [يوسف: 96] [10].
————————-
[1] أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي، كتاب الحروف، تحقيق: علي توفيق الحمد، دار الأمل، إربد، ص 64-66.
[2] ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق: د. عبد اللطيف الخطيب، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، ج 3، ص 112-115.
[3] جار الله الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الكتاب العربي، بيروت، ج 2، ص 492.
[4] ينظر تفصيل هذا الملحظ الزمني عند: بسام جرار، نظرات في سورة يوسف، منشورات مركز نون للدراسات والأبحاث القرآنية، فلسطين، ص 87-89.
[5] المرجع نفسه، ص 91.
[6] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، دار الفكر، بيروت، ج 5، ص 242.
[7] فخر الدين الرازي، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 18، ص 102-104.
[8] شهاب الدين الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 12، ص 265.
[9] جلال الدين السيوطي، معترك الأقران في إعجاز القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 310.
[10] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، ج 13، ص 42-45.
