ظاهرة إضمار وحذف “ما” في الدرس النحوي: دراسة تطبيقية في اتساع النظم القرآني وبلاغة الإيجاز
ظاهرة إضمار وحذف “ما” في الدرس النحوي: دراسة تطبيقية في اتساع النظم القرآني وبلاغة الإيجاز
تمثل ظاهرة الحذف والإضمار في اللغة العربية أحد أركان الإعجاز البياني وميدانًا رحبًا لتبادل الآراء بين مدرستي البصرة والكوفة. ويعتني هذا المقال برصد الأحكام النحوية المتعلقة بحذف أداة “ما” الموصولة وغير المعطوفة في الشواهد التنزيلية، ومناقشة الردود والمسوغات التي ساقها العلماء لتأييد الحذف أو منعه. كما يسلط الضوء على الأثر البلاغي الكامن وراء إبقاء الأفعال على إطلاقها دون تقدير محذوف، تحقيقًا لعموم المعنى وشيوعه.
أولًا: الخلاف المذهبي حول إسقاط الموصول وترك الصلة
تزعم إمام المدرسة الكوفية الفراء القول بجواز حذف الاسم الموصول “ما” غير المعطوف وإبقاء صلته كدليل عليه في مواضع من آي الذكر الحكيم، ومنها قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ [الأنعام: 94] بتقدير (تقطع ما بينكم)، مستأنسًا بقراءة ابن مسعود التي صرحت بالموصول. وكذلك في قوله: ﴿ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ﴾ [الكهف: 78] عند قراءة نصب (بينِك)؛ إذ جعل التقدير: فراقُ ما بيني وبينك. ومن شواهده أيضًا قوله سبحانه: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا ﴾ [الإنسان: 20]؛ إذ قرر أن ثمة “ما” محذوفة مفعول بها والتقدير: وإذا رأيت ما ثَم [1]. وقد تتابع على هذا التوجيه لغويون كبار مثل ابن فارس [2] والزركشي [3].
بالمقابل، انتفض علماء البصرة كالأخفش [4]، والزجاج [5]، والنحاس [6]، والزمخشري [7] للرد على هذا المذهب، مؤكدين امتناع إسقاط الموصول الاسمي وترك صلته حرة في الكلام؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة العضو الواحد والكلمة الفردة، وحذف جزء الكلمة تشويه لبنيتها المعمارية. واستندوا في رد تهمة التعدي عن فعل (رأيت) في سورة الإنسان بأنه فعل لازم في هذا الموضع عند جمهور البصريين، فلا حاجة لاصطناع مفعول به محذوف [8].
أما في آية الأنعام، فقد وجه مكي القيسي قراءة النصب في (بَيْنَكُمْ) بأن الظرف عُومل معاملة الفاعل مرفوعًا في المعنى ومفتوحًا في اللفظ لعلة كثرة وروده منصوبًا في كلام العرب، وهي قراءة تلتقي مع قراءة الرفع دون تكلف الحذف [9]. وهو رأي أيده البطليوسي [10] والطبرسي [11]، فيما علله أبو حيان بأن لزوم النصب هنا جاء لجريه مجرى الأمثال العربية الملازمة لحالة تركيبية واحدة [12].
ثانيًا: بديل البصريين (التأويل بالوصفية) ومأخذ ضيق الدلالة
لم يغلق البصريون الباب تمامًا أمام فكرة إضمار “ما” في آيتي الأنعام والإنسان، ولكنهم اشترطوا تكييفًا إعرابيًا مغايرًا للكوفيين؛ حيث أجازوا إضمارها على شرط أن تكون “نكرة موصوفة” تفيد معنى (شيء) لا اسمًا موصولاً، لكون أصولهم تبيح حذف الموصوف بكثرة وتمنع حذف الموصول [13].
غير أن هذا البديل البصري، رغْم سلامته التركيبية عندهم، يصطدم بعقبة الدلالة التفسيرية، ولا يفي بالمقصود البلاغي من الآيات:
في آية الأنعام: التقدير بـ “لقد تقطع شيءٌ بينكم” يضعف دلالة الخسران والقطع، فالمراد الحقيقي الذي يقتضيه السياق هو الشمول التام؛ أي: “لقد تقطع كل شيء وسائر الروابط التي كانت بينكم في الدنيا”.
في آية الإنسان: التقدير بـ “وإذا رأيت شيئًا هناك” يقلل من شأن نعيم الجنة، بينما النظم يهدف لبيان الاستغراق الباذخ؛ أي: “إذا وقع بصرك على أي شيء كان هناك، فلن ترى إلا نعيمًا خالصًا ومُلكًا كبيرًا”.
ثالثًا: بلاغة الاستغناء ونفي التقدير لتعميم الفعل
أمام هذا التجاذب بين الحذف والتأويل، يتجلى مذهب الإمام الطبري كخيار ثالث يرجح القول بعدم إضمار “ما” أصلاً في قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ﴾، رادًا بقوة على الفراء؛ حيث قرر أن مفعول الفعل لم يُذكر لأن الفعل نُزل منزلة اللازم الذي لا يتعدى [14]. ووافقه الزمخشري مستحسنًا هذا الصنيع البلاغي؛ لأن حذف المفعول هنا يفتح باب الشياع والعموم المطلق [15]. فالفعل ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر في النية، بل المعنى المسكوب هو: أن عينك أينما دارت وانتقلت في أرجاء الجنة، وقعت على نعيم مدهش ومُلك عظيم [16]. وكذا فاعل (تقطع) طُوي ذكره للغرض التعميمي ذاته [17].
ومن الشواهد التي استدعت تكلف التقدير بسبب توجيه الحرف، قوله تعالى في سورة البلد: ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾؛ حيث ذهب فريق إلى جعل “ما” نافية، وحملوا الوالد على من يولد له، و”ما ولد” على العاقر الذي حُرم الذرية. ولكي يستقيم هذا التفسير اضطروا لتقدير موصول محذوف أي: (والذي ما ولد) [18]. وهو توجيه مثقل بالتكلف والتمطيط، والذين قالوا به لم يستطيعوا الخروج عن دائرة الشواهد الضيقة التي دارت في فلك الفراء.
رابعًا: نظائر التقدير الظرفي وسياقات المبالغة والبركة
تطرد فكرة إضمار “ما” الموصولة قبل الظروف في آيات كثيرة مستقيمة القياس والمعنى، ومن ذلك:
﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102]: بتقدير (يفرقون به ما بين المرء وزوجه)؛ أي يقطعون عرى وصلات الزوجية الفصيلة.
﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 89]: والتقدير: افتح ما بيننا وما بين قومنا من خصومات.
﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 110]: أي وابتغِ الشيء الذي يقع بين الجهر والخفوت.
﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ﴾ [الكهف: 93]: أي بلغ المكان أو الفضاء الذي يقع ما بين السدين.
﴿ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ﴾ [الكهف: 96]: أي ساوى الشيء الممتد بينهما.
﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [الحجرات: 10]: بتقدير: أصلحوا ما بين أخويكم من وشائج القرابة المعرضة للانفصام.
﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾ [المعارج: 31]: أي فمن ابتغى ما وراء ذلك من المحرمات.
فهذه الأفعال متعدية وتفتقر في بنيتها إلى مفعول به عام، ولم يجد النحاة أصلح من “ما” لسد هذا الفراغ الإعرابي عند نية الإضمار.
ومع ذلك، يبرز موضع فريد يُجمع فيه المحققون على ترجيح نفي الإضمار والحذف بالكلية، وهو قوله تعالى في فاتحة الإسراء: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾؛ فلم يقل سبحانه (بارَكنا ما حوله) أو (فيما حوله)، بل أسقط الأداة ليبقى الفعل (باركنا) مسلطًا على الظرف (حوله) مباشرة دلالة على إعمال البركة الذاتية، ومبالغة في فيضان الخير حول هذا المسجد المقدس الذي شرفه الله بجعله مسرى لخير الأنام، وأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين.
إن حذف “ما” مع نية إضمارها غايته البلاغية الاختصار والإيجاز، وهو في موطنه أبلغ من الذكر والتطويل، بينما يكون ذكرها صراحة مقصودًا لذاته لبيان العناية بالمعنى وتوكيده في نفوس السامعين.
——————————
[1] الفراء، معاني القرآن 1/ 345، وانظر أيضًا: 2/ 156، و3/ 218.
[2] ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، ص172.
[3] الزركشي، البرهان في علوم القرآن 4/ 405.
[4] الأخفش الأوسط، معاني القرآن 2/ 521.
[5] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه 2/ 273، وانظر: 5/ 261.
[6] أبو جعفر النحاس، إعراب القرآن 3/ 589.
[7] الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل 4/ 673.
[8] انظر ردود البصريين الموسعة في: مكي القيسي، مشكل إعراب القرآن 2/ 785-786، وأبو حيان، تذكرة النحاة ص478.
[9] مكي القيسي، مشكل إعراب القرآن 1/ 262-263.
[10] ابن السيد البطليوسي، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب 1/ 63.
[11] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 326.
[12] أبو حيان الأندلسي، تذكرة النحاة، ص386-387.
[13] ابن الأنباري، البيان في غريب إعراب القرآن 1/ 332.
[14] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 29/ 221.
[15] الزمخشري، الكشاف 4/ 673.
[16] أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 9/ 74.
[17] الزمخشري، الكشاف 4/ 673.
[18] أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير 8/ 475.
