أسرار النظم والدلالة في “ما” و”ماذا” الاستفهامية (2)

أسرار النظم والدلالة في “ما” و”ماذا” الاستفهامية (2)

 بين حقيقة الاستخبار ومجاز البيان القرآني

يقدم هذا المقال دراسة نحوية ودلالية معمقة حول أداة الاستفهام “ما” في صورتيها: المفردة والمركبة “ماذا”، مستعرضًا قيمتها البنيوية وسعة تصرفها في أساليب العربية. ويبحث المقال في التحولات الدلالية التي تطرأ على الأداة عند خروجها من الاستفهام الحقيقي إلى الأغراض المجازية كالنفي والتعظيم والإنكار في النص القرآني. كما يسلط الضوء على المعارك النحوية بين مدرستي البصرة والكوفة في توجيه قراءات الآيات وإعراب مركباتها، مع ربط الأحكام اللفظية بأسرار الرسم المصحفي.

سادسًا: دلالة المستفهم عنه بين العاقل وغير العاقل

استقر في الدرس النحوي أن الأصل في استعمال “ما” الاستفهامية أن يقع بها السؤال عما لا يعقل (الجمادات والحيوانات)، وعن أجناس العقلاء وأجناس غير العقلاء، وأنواعهم وصفاتهم المشخصة [37]. فإذا سأل سائل: “ما عندك؟”، اتسع الجواب ليشمل غير العاقل كـ (كتاب)، أو العاقل كـ (رجل) إذا كان القصد الاستخبار عن جنس من الرجال لا عن ذات محددة. كما يقع بها السؤال عن صفات العقلاء الذاتية؛ نحو قولك: “ما زيد؟”، فيكون الجواب ذكرًا لصفاته نحو: (جواد) أو (عالم) [38]. وتستعمل للعاقل أيضًا إذا كان المقام مقام استفسار وتشريح للحقيقة الكلية للنوع؛ كقول المناطقة: “الإنسان ما هو؟”، فيجيب الفيلسوف: “حيوان ناطق” [39].

وعلى الرغم من هذا التأصيل، فقد وردت “ما” مسلطة على العاقل في الذكر الحكيم في سياقات أثارت انتباه المفسرين؛ ومنها قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: 60]. وقد علل أبو إسحاق الزجاج هذا الموضع بأن كفار مكة لم يكونوا يعرفون “الرحمن” صفة واسمًا لله عز وجل، فجاء سؤالهم بـ “ما” جهلًا منهم بالمسمى [40]. وتابعه الزمخشري مبينًا أن استعمال “ما” هاهنا للعاقل ساغ لأن السؤال انصب على مجهول الكنه والصفة عندهم [41]. ونظيره تمامًا سؤال الطاغية فرعون لنبي الله موسى في قوله تعالى: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 23]؛ حيث عادت “ما” على بارئ البرايا (وهو أعدل العاقلين)، لأن فرعون أراد بالسؤال التعنت والاستفسار عن الجنس والماهية؛ إذ لو أراد الاعتراف بوجود الذات الإلهية والسؤال عن شخصه لقال: “ومَن رب العالمين” [42].

وفي موضع آخر، قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: 7]، ذهب الفراء إلى جعل “ما” بمعنى (مَن) دالة على العاقل [43]، ونقل الأخفش عود الضمير والأداة على الإنسان المكذب [44]. غير أن أبو جعفر النحاس رد هذا التوجيه بعنف، مفسرًا الآية على وجه يتماشى مع أصل الأداة؛ فقال: “المعنى هاهنا: أي شيء يحملك ويحثك على التكذيب بالدين بعد ظهور البراهين الساطعة والآيات القاطعة؟” [45]. وبهذا التوجيه الرشيد أخذ حذاق النحاة والمفسرين منعًا لخرق أصل الوضع دون مسوغ بليغ [46].

سابعًا: الأوجه الإعرابية للأداة المركبة “ماذا” ومفاضلتها البلاغية مع “ما”

إذا ركبت “ما” مع اسم الإشارة “ذا” نشأ المركب الاستفهامي “ماذا”، وقد فتح النحاة في توجيه إعرابه خمسة أوجه نظرية مشهورة:

أن تُعامل (ماذا) بجميع أجزائها كاسم استفهام مبني كتلة واحدة بمنزلة كلمة مفردة.

أن تُجزأ البنية؛ فتعرب (ما) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وتكون (ذا) في محل رفع خبرها وهي اسم موصول بمعنى الذي.

أن تعرب (ما) استفهامًا مبتدأ، وتكون (ذا) خبرًا لها وهي اسم إشارة.

أن تُسلخ عن الاستفهام وتجعل (ماذا) بأسرها اسمًا موصولًا بمعنى (الذي).

أن تجعل (ماذا) بكليتها نكرة موصوفة بمنزلة كلمة (شيء) [47].

وقد رجح فصيل من محققي النحاة الوجه الأول (اعتبارها كلمة واحدة)، واعتصموا لإثبات رأيهم بظاهرة خطية؛ وهي إثبات ألفها عند دخول حروف الجر عليها (نحو: بماذا صنعت)، فلو كانت مجزأة لحُذفت الألف كالمفردة [48]. وتطرف بعض المحدثين فجردوها من الاسمية بالكلية جاعلين إياها مجرد عنصر أو حرف دال على الاستفهام المحض [49].

أما في تدبر إعرابها في آي القرآن الكريم، فقد دار المفسرون والنحاة بين جعلها اسمًا واحدًا، أو جعل “ما” مبتدأ و”ذا” موصولًا [50]؛ بل إنهم أجازوا في مواضع معينة خروجها للوصفية أو الموصولية المحضة كقوله سبحانه: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس: 101] [51]، وقوله تعالى: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: 11]، وقوله تبارك اسمه: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان: 34]؛ إذ يؤول المعنى في الآية الأخيرة إلى: “وما تدري نفس الشيء الذي تكسبه غدًا” [52].

أما من جهة الفروق البلاغية اللطيفة بين الأداتين، فقد عقد الإسكافي موازنة دقيقة عند وقوفه على قوله تعالى في سورة الصافات: ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات: 85]، ومقارنتها بقوله في سورة الشعراء: ﴿ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ [الشعراء: 71]؛ فذكر أن استعمال المركب “ماذا” في الصافات جاء أبلغ وأقوى؛ لأن سياق السورة بُني على التبكيت العنيف والتوبيخ الصارم لعبدة الأوثان، ولذا طُوي ذكر جوابهم تدميرًا لحجتهم، بخلاف سياق الشعراء الذي اتسع لذكر الجواب المفصل [53]، وبمثل هذا التوجيه أخذ الكرماني [54].

وعلى صعيد آخر، فرّق الدكتور فاضل السامرائي بين الأداتين واضعًا قاعدة مفادها أن “ماذا” تفيد التنصيص القاطع على الاستفهام في المواضع التي تحتمل وجوهًا أخرى؛ مستشهدًا بآية لقمان ﴿ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ، حيث رأى أن “ذا” أزاحت اللبس، ولو حُذفت لاحتمل اللفظ الموصولية [55]. غير أن هذا الرأي يتعارض مع ما قعده القدماء الذين أجازوا الموصولية في الآية ذاتها رغْم وجود “ذا”؛ فالغرض الحقيقي من تداول “ماذا” هو شحن الاستفهام بطاقة مضافة مستمدة من معنى الإشارة والتنبيه الكامن في “ذا”، مما يرفع اللبس ويوجه الخطاب توجيهًا حاسمًا؛ ويتضح هذا من المقارنة بين قوله سبحانه في سورة الحشر: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: 18]، حيث استعمل “ما” المفردة لإرادة الموصولية المحضة، ولو كان المراد الاستفهام لقيل (ماذا قدمت لغد) [56].

وتتفق “ماذا” مع شقيقتها المفردة في التنقل بين الاستفهام الحقيقي كقوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ [البقرة: 219]، والاستفهام المجازي؛ فتأتي لـ:

الاستهزاء: ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [البقرة: 26] [57].

التبكيت: ﴿ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل: 84]؛ أي لم تعملوا شيئًا سوى التكذيب [58].

النفي: ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [فاطر: 40]؛ أي لم يخلقوا من الأرض شيئًا البتة [59].

وقد وضع إمام النحاة سيبويه ضابطًا إعرابيًا لربط السؤال بالجواب في باب “ماذا”؛ فقرر أنه عند معاملة “ماذا” ككلمة واحدة مركبة منصوبة بالفعل بعدها، يجب أن يأتي جوابها منصوبًا على المطابقة والبدلية؛ وعند جعل “ما” مبتدأ و”ذا” موصولًا مرفوعًا، يجب رفع الجواب. وبناءً على هذا الضابط، وجه العلماء قوله تعالى في سورة النحل: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: 24] بالرفع في (أساطيرُ)، لأن السائلين لم يبغوا جوابًا حقيقيًا بل أرادوا الاستهزاء والإنكار، فكأنهم قالوا: الذي أنزله ربكم هو أساطير الأولين. بالمقابل، جاء الجواب منصوبًا في الآية الثلاثين من السورة نفسها: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا [النحل: 30]؛ لأن المتقين مقرون بالوحي معترفون بالمنزَّل، فجاء النصب مطابقًا للفعل المقدر: “أنزل خيرًا” [60].

وتجلى أثر هذا الخلاف التركيبي في التوجيه القرائي لآية البقرة: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: 219]؛ فقد قرأ أبو عمرو بن العلاء بفتح الفاء ورفع الواو ﴿ الْعَفْوُ ، بينما قرأ بقية القراء السبعة بالنصب ﴿ الْعَفْوَ [61]. وتباعًا لهذا، جوّز النحاة جعل “ماذا” اسمًا واحدًا منصوبًا إذا نُصب الجواب (والتقدير: ينفقون العفوَ)، وجعلها مجزأة (ما الذي) إذا رُفع الجواب (والتقدير: الذي ينفقونه هو العفوُ) [62]. ورغْم أن الأخفش [63] والزجاج [64] أجازا كلا الوجهين في الأداتين دون اشتراط مطابقة الحركة بين السؤال والجواب، إلا أن الزمخشري انتصر لمذهب سيبويه معللًا ذلك بأن مطابقة حركة الجواب لحركة السؤال هي الذروة في الفصاحة والاستقامة النحوية [65].

——————————

 [37] الراغب الأصفهاني، المفردات، ص727؛ والسيوطي، الإتقان 2/ 287.

[38] المبرد، المقتضب 1/ 41، و3/ 63؛ وابن الأنباري، البغداديات، ص264؛ والسكاكي، مفتاح العلوم، ص533.

[39] أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، ص166.

[40] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه 4/ 73.

[41] الزمخشري، الكشاف 3/ 289؛ والزركشي، البرهان 4/ 402.

[42] الزمخشري، الكشاف 3/ 307؛ وبن السيد البطليوسي، الحلل في إصلاح الخلل، ص343؛ والسكاكي، مفتاح العلوم، ص534.

[43] الفراء، معاني القرآن 3/ 277.

[44] الأخفش الأوسط، معاني القرآن 2/ 540؛ وابن الشجري، الأمالي 2/ 234.

[45] النحاس، إعراب القرآن 3/ 736.

[46] الزمخشري، الكشاف 4/ 774؛ والشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن 10/ 376؛ والعكبري، التبيان في إعراب القرآن 2/ 1294.

[47] سيبويه، الكتاب 2/ 416؛ وأبو العباس ثعلب، مجالس ثعلب 2/ 462؛ وابن عصفور، ارتشاف الضرب من لسان العرب 1/ 528؛ وابن عقيل، شرح ابن عقيل على الألفية 1/ 152.

[48] الرضي الاستراباذي، شرح الكافية 4/ 51؛ وركن الدين الاستراباذي، البسيط في شرح الكافية، ص776.

[49] عبد المتعال الصعيدي، في النحو العربي: نقد وتوجيه، ص271؛ ومحمد التونجي، معجم الأدوات النحوية، ص143.

[50] الزجاج، معاني القرآن 1/ 105، و2/ 364؛ والنحاس، إعراب القرآن 1/ 483، و2/ 601.

[51] العكبري، التبيان في إعراب القرآن 2/ 686.

[52] أبو حيان، البحر المحيط 7/ 185؛ وينظر: عضيمة، دراسات لأسلوب القرآن 3/ 102.

[53] الإسكافي، درة التنزيل وغرة التأويل، ص330-331؛ وينظر: فاضل السامرائي، معاني النحو 4/ 637.

[54] الإسكافي اللغوي، أسرار التكرار في القرآن، ص155.

[55] فاضل السامرائي، معاني النحو 4/ 637.

[56] المصدر نفسه والصفحة نفسها.

[57] النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل (تفسير النسفي) 1/ 36.

[58] الزمخشري، الكشاف 3/ 386.

[59] ابن الشجري، الأمالي الشجرية 1/ 265.

[60] سيبويه، الكتاب 2/ 416-418؛ والنحاس، إعراب القرآن 2/ 208؛ وابن الأنباري، البغداديات، ص372.

[61] ابن مجاهد، كتاب السبعة في القراءات، ص182.

[62] الفراء، معاني القرآن 1/ 139؛ وابن الأنباري، البيان 1/ 153؛ وابن عصفور، شرح جمل الزجاجي 2/ 478.

[63] الأخفش، معاني القرآن 1/ 53، و172.

[64] الزجاج، معاني القرآن وإعرابه 1/ 293.

[65] الزمخشري، الكشاف 1/ 117.

 

ترك تعليق