المؤلف: أبو البقاء العكبري
المحقق: د. عبد الرحمن العثيمين

مسائل التثنية
مسألة [المثنىّ وجمع المذكّر السالم معربان]

23 – مسألة: [تقدير الإِعراب على حروفِ التَّثنية والجمع]
إذا ثبتَ أنَّها حروفُ إعرابٍ فالإِعرابُ مقدَّرٌ عليها، خُرِّجَ ذلك على مذهبِ سيبويهِ في الأَسْماءِ السِّتَّة، وقد ذَكرنا الحُجَّة في ذلِكَ وما يرد عليها من الشَّبه، وأجبنا عنه، ومثله ها هنا، ومن أصحابِ سيبويهِ من قالَ لا يقدَّرُ عليها، إعرابٌ، وفرَّق بينها وبينَ الأسماءِ السِّتَّةِ، ووجه الفرق أنَّ هذه الحُروف أَفادت مَعنى غير الإِعرابِ، وهو التَّثنية والجَمع، فأفادَت الإِعراب بخلافِ حُروف المَدَّ من الأسماءِ السِّتَّةِ، فإنَّها لَم تَعُدْ زيادةً على كونِها

حرفَ إعرابٍ فاحتيجَ إلى تقدير الإِعرابِ وفيه فرقٌ آخر، وذلك أنَّ حرفَ الإِعراب في الأسماءِ الستَّة لامُ الكلمةِ، ولامُ الكلمةِ تُحرّك بحركة الإِعرابِ، فإذا تَعَذَّرت لَفظاً قُدِّرت، والحروف في التَّثنيةِ والجَمعِ لا تَستحقّ حركةً فعند ذلك لم تَتَعذَّر لفظاً حتَّى تُقَدَّر، بل زيدت حروف إعرابٍ ودالَّة على الإِعراب، ومع قيام الدَّليلِ على الشَّيءِ لا يُقدّرُ واللَّهُ أعلمُ بالصَّواب.

24 – مسألة [النون في التَّثنية والجَمع عوض من الحركة]
النون في التَّثنية والجمع عوض من الحركة والتنوين اللذين كانا في والواحد. وقال بعض البصريين: هي عوض من الحركة في موضع، وهو مع الألف واللاّم، وفيما لا ينصرف، ومن التّنوين وحدَه نحو فَتىً وَرَحىً.
وقال آخرون: هي بدلٌ من الحركة وحدها.
وقال آخرون: من التَّنوين وحده.
وقال الفَّراءُ فرَّق بها بينَ ألفِ التّثنية وبين أَلفِ النَّصب في الواحِدِ.

وحُجَّة الأولين من وَجهين:
أحدُهما: أنَّ الاسمَ مُستَحِقُّ للحركةِ والتَّنوين وقد تَعَذَّرا في التَّثنيةِ والجَمعِ والنُّونُ صالحةُ أن تكونَ عوضاً منهما، ووجدنا العربَ قد زادُوها فيها فيغلبُ على الظَنّ أنَّها زيدت لذلك.
ودليلُ ذلك زيادتُها في الأمثلةِ الخَمسة عوضاً من الضَّمَّةِ، وعلى صحَّةِ تعويضها من الحركةِ، ودليلُ صحَّةِ تعويضها من التَّنوين، أنَّ النَّونَ والتَّنوين لفظُهما سواءٌ.
الوجهُ الثاني: لمَّا وَجدنا النُّون في موضع يستَحِقُّ الحركة والتَّنوين، وحذفت في موضع يحذف فيه التَّنوين وهو الإِضافة، فدَلّ ذلك على ما قلنا، لكن ثبوتُ الشيءِ في موضعٍ وحذفُه في موضعٍ آخر ليس بِعَبَثٍ، بل لِعِلَّةٍ اقتضت الفَرقَ، ولَيس إلاَّ ما ذكرنا.
فإن قيلَ يَفْسُدُ ما ذكرتُمُوه من أوجهٍ:
أحدُها: أنَّ حروفَ المدِّ هُنا غير مُستحقَّةٍ للحركةِ لقيامها مقامَ الحركةِ في الدِّلالِة على وجوهِ الإِعراب، فلم يبق ما يعوّض منه.
والثَّاني: أنّ النُّون تثبتُ في موضعٍ لا يَستحق الحركة مثل ((العَصا)) و ((الرَّحى)).
والثالثُ: أنَّها تثبت مع الألف واللام وهذا لا ينوَّن.
والرابعُ: أنَّها تثبت في ((ما لا ينصرف)) نحو: أحمد،
والخامسُ: أنَّ النُّونَ ثابتةٌ في ((هذان)) و ((اللَّذان)) ولا يَستحق ذلك حركةً ولا تنويناً.


مواضيع ذات صلة:

فالجوابُ عن الأولِ من ثلاثةِ أوجهٍ:

أحدُها: أنَّ الحركة مقدَّرة على هذه الحروف ولكنْ حركةٌ لا تظهر بخلاف ألف المقصور فجعل النون عوضاً من ظُهورِ الحركةِ المقدَّرةِ إذ كانت لا تظهرُ في موضعٍ مَّا ولكن الدَّليلَ يَقْتَضِي تَقديرَها، إذ كانت هذه حروفَ إعرابٍ، وحروفُ الإِعرابِ لا تعرى عن الإِعراب لفظاً أو تقديراً.
والوجهُ الثاني: أنَّ هذه الحروف مستحقّة للحركة وإن لم تقدَّر، فالنون عوضٌ من استحقاق لفظ الحركة، وبين استحقاق الحركة ولفظها فرقٌ ظاهرٌ، ألا تَرى أنَّ قولَك: ((دارٌ)) و ((مالً)) الألف مستحقّة للفتحة لأنَّ وزنَ الكلمةِ ((فعل)) تعذَّرت حركتها ولمّا صارت إلى السكون ثبت لها حكم. الساكن ولم يُنظر إلى استِحقاقها الحركة حتَّى لو سَمَّيتَ امرأةً ب ((دار)) جوَّزت صَرفَهُ كما يجوزُ صرفُ ((هند)) ولو كان استحقاقُ الحركةِ بمنزلةِ لفظِ الحركةِ لَم تَصْرِفْهُ.
والثَّالثُ: أنَّ الأَلف تَدُلُّ على التَّثنية وعلى الإِعرابِ، وهي حرفه فقد ضَعُفت دِلالتها على كلِّ واحدٍ من هذين، فَجُعلت النون مقوِّيةً لها.
أمَّا المقصورُ فتظهرُ حركته في التَّثنية فيعودُ إلى الأصل كالصَّحيحِ.
وأمَّا ثبوتُها مع الألفِ واللاَّمِ فجوابُه من وَجهين:
أحدهما: أنَّها إذا كانت عوضاً منهما وتعذَّر دلالتها على أَحدِهما لزواله، بَقِيَتْ دالَّةً على الآخرِ، ألا تَرَى أنَّ الواو في ((الزَّيدون)) تدلُّ على الجَمع وعلى العَلَمِ والعَلَمِيَّة ثمَّ ثَبتت في ((سُنون)) و ((قُلون)) و ((ثُبون)) فالواو هُنا تدلُّ على الجمع ولا تدلُّ على المعاني الأُخر، وهذا ك ((كان)) وأخواتها فإنَّها في الأصلِ دالَّةٌ على الحَدثِ والزَّمانِ، ثمَّ خُلعت دلالتها على الحَدث وبَقيت دِلالتها على الزَّمان.

والثاني: أنَّها عوضٌ من الحركةِ وحدَها، وأمَّا ما لا يَنصرف فالوجهان المَذكوران جوابٌ عنه، وجوابٌ آخرُ: وهو أنَّ ما لا يَنصرف نَحو أَحمد إذا ثُنّي تَنَكَّر فاستَحَقَّ الصَّرفَ، وأمَّا الصِّفةُ مثل ((أَحمر)) فإذا ثُنّي خَرج عن شبهِ الفعلِ فجازَ أن يُنوّن، وأمَّا ثُبوتُها في ((هذان)) فلأنَّ هذا اللَّفظ ليس تثنية صناعيَّة بل تَثْبُتُ فيه لوجهين:
أحدُهما: أنَّها صِيغةٌ وُضعت على هذا اللَّفظِ، لا أنَّ الكلمةَ معربةٌ والدَّليلُ على ذلك أنَّ التَّثنية الصِّناعيَّة تُوجب التَّنكير مثل ((الزيدان)) و ((هذان)) ليس بنكرة بل هو في ابتداء وضع الصِّيغة للتَّثنية مثل ((أنتما)).
والوجهُ الثَّاني: أنَّ النُّون عوضٌ من الألفِ المَحذوفة، لأنَّ ((ذا)) في الواحِدِ ألفٌ والتَّثنية تَحتاجُ إلى ألفٍ، وقد حُذفت إحداهما فكانت النُّون عوضاً من المَحذوف، وهذا هو الجوابُ عن ((اللَّذان)).
وأمَّا مذهبُ الفرَّاء: فمذهبُ طَريفُ وذلك أنَّ النُّون تَثبتُ بعد الياءِ وبعدَ الألِف ولا لبس مع الياء ثمَّ أنَّ النون تثبت مع الألف واللاَّم ولا تثبت الألف في المنصوبِ مع الألفِ واللاَّمِ ثمَّ أنَّ الفرقَ قد حصل بأمور أُخَر فلا حاجةَ إلى الفرقِ بالنون [واللَّه أعلم بالصَّواب].

اضغط على ايقونة رابط قناتنا على التليجرام

ترك تعليق