(أنْ) الناصبة للفعل المضارع: وظيفتها ومواقعها

 (أنْ) الناصبة للفعل المضارع: وظيفتها ومواقعها

(أنْ) الناصبة للفعل المضارع:

تُعدّ (أنْ) الناصبة للفعل المضارع من الأدوات المهمة في النحو العربي، وقد سُميت عند النحاة مصدرية؛ لأنها والفعل المضارع بتقدير الاسم، أي: المصدر الصريح.

وذكر النحاة أن (أن) الناصبة اختصت من بين نواصب الفعل بأنها تعمل ظاهرة ومضمرة، وإذا دخلت على الفعل المضارع خلَّصته للاستقبال. وقد اختلف النحاة في تحديد وظيفتها ومواقعها، والصحيح أن (أنْ) استعملت وصلة يتوصل بها لجعل الفعل المضارع يقع في المواقع التي لا يصح أن يقع فيها إلا باستعمال (أنْ).

وفي هذا المقال نستعرض هذه الأداة بشيء من التفصيل والتحليل.

—

 عناصر المقال

1. تعريف (أنْ) الناصبة ووظيفتها

2. مواقع (أنْ) والفعل المضارع

3. هل تقع الجملة فاعلاً أو نائب فاعل؟

—

 أولاً: تعريف (أنْ) الناصبة ووظيفتها

قال الخليل: ((إن (أنْ) نصف اسم وتمامه بفعل؛ كقولك: أحب أنْ ألقاك؛ أي: أحب لقاءك، فصار (أنْ) و(ألقاك) في الميزان اسمًا واحدًا)) [1].

فقد سُميت (أن) الناصبة للفعل المضارع عند النحاة مصدرية؛ لأنها والفعل المضارع بتقدير الاسم، أي: المصدر الصريح [2]، وذكر النحاة أن (أن) الناصبة اختصت من بين نواصب الفعل بأنها تعمل ظاهرة ومضمرة [3]، وإذا دخلت (أن) الناصبة على الفعل المضارع خلَّصته للاستقبال [4].

أما عن غرض استعمالها، فيقول ابن هشام: إن (أنْ) تستعمل ((حرفًا مصدريًّا ناصبًا للمضارع، وتقع في موضعين: أحدهما في الابتداء، فتكون في موضع رفع نحو: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لكُمْ﴾ [البقرة: 184]، ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لهُنَّ﴾ [النور: 60]، ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]، والثاني بعد لفظ دال على معنى غير اليقين، فتكون في موضع رفع؛ نحو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16]، ونصب؛ نحو: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: 52]، وخفض؛ نحو: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ [الأعراف: 129] [5].

—

 ثانياً: مواقع (أنْ) والفعل المضارع

نخلُص مما سبق ذكره أن (أنْ) استُعملت وصلة يتوصَّل بها لجعل الفعل المضارع يقع في المواقع التي لا يصح أنْ يقع فيها إلا باستعمال (أنْ)، ويمكن إجمالها فيما يأتي:

1-        موقع المبتدأ الذي خبره معنى من المعاني.

2-        موقع الخبر الذي مبتدؤه معنى من المعاني.

3-        خبر كان الذي قُدر اسمها بمعنى الأمر.

4-        موقع الفاعل.

5-        موقع المفعول به.

6-        موقع المضاف إليه بعد (بعد) و(قبل).

7-        فاعل عسى، وقد تقدم ذكر هذه المواقع وأمثلتها.

8-        موقع المجرور بحرف الجر؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا من فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: 65].

9-        موقع المنصوب بنزع الخافض؛ كقوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَن يُنَزَّلُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [البقرة: 90]؛ أي: من أي ينزل.

10-  مخصوص (بئس)؛ كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ بَغْيًا أَن يُنَزَّلُ اللهُ﴾ [البقرة: 90].

11-  موقع الفاعل لاسم الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: 96].

12-  اسم كان مؤخر؛ كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: 114].

13-  موقع المجرور بحرف جر زائد؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189].

14-  موقع المستثنى المنصوب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِما آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَن يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: 229].

15-  موقع الاسم بعد (إما) التي تفيد معنى التخيير؛ كقوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِما أَن تُلْقِيَ وَإِما أَن نكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: 115]، والتقدير فيما يبدو: إما القاؤك حاصل، وإما القاؤنا حاصل، فتكون (أنْ) والفعل، وقعت هنا موقع المصدر الصريح.

16-  موقع المنصوب الأول لظن وأخواتها؛ كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 114]، والتقدير: أم حسبتم دخولكم الجنة حاصلًا، وهذا هو الموقع الثاني لوقوع (أنْ) والفعل موقعَ المصدر الصريح.

17-  موقع خبر (إن)؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: 248]، وخبر (لا) النافية للجنس؛ كقوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: 128]، وقد صحَّ ذلك كما تقدم؛ لأن اسم (إن) و(لا) النافية للجنس معنى من المعاني.

18-  موقع البدل أو الجملة التفسيرية؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ﴾ [آل عمران: 64].

19-  موقع الاسم المعطوف؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَديَةُ وَالنطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾ [المائدة: 3].

—

 ثالثاً: هل تقع الجملة فاعلاً أو نائب فاعل؟

قال ابن هشام: ((واختلف في الفاعل ونائبه هل يكونان جملة أم لا؟ فالمشهور المنع مطلقًا، وأجازه هشام وثعلب مطلقًا؛ نحو: يعجبني قام زيد)) [6].

والحقيقة أن الجملة يجوز أنْ تقع فاعلًا أو نائب فاعل، إلا أن العرب استعانوا بـ(أنْ) لجعل الجملة تقع في المواقع التي يقع فيها المفرد، فإذا أرادوا مثلًا جعل الجملة الفعلية (قام زيد) فاعلًا، استعملوا (أنْ)، وقالوا: يعجبني أنْ قام زيدٌ، فـ(أنْ) ليست لها معنى سوى غرض الوصل؛ لهذا لا يتغير من معنى الجملة شيء عند حذفها، وقولنا: يعجبني قام زيدٌ، إلا أنه مخالف للغة العرب من حيث التركيب.

وكذلك نحو قولنا: يسرني أنْ يصدقَ زيدٌ، فالفاعل هو جملة (يصدق زيد)، و(أنْ) أداة وصل لا غير.

فيكون الفعل المضارع نُصِبَ بعد (أنْ)؛ لأن (أنْ) استُعملت أداة وصل يتوصَّل بها لجعل المضارع يقع موقع المرفوع أو المنصوب أو المجرور على النحو الذي فصَّلناه، ولهذا عُدتْ عند النحاة من الموصولات الحرفية [7].

خاتمة المقال

وبعد هذا العرض لـ(أنْ) الناصبة للفعل المضارع في النحو العربي، يتبين لنا أنها أداة استعملت وصلة يتوصل بها لجعل الفعل المضارع يقع في المواقع التي لا يصح أن يقع فيها إلا باستعمالها، وأن لها مواقع متعددة تصل إلى تسعة عشر موقعاً. وقد رأينا كيف أن النحاة اختلفوا في تحديد وظيفتها، وأن الصحيح أنها أداة وصل لا غير، وأن الفعل المضارع نُصب بعدها لأنها استعملت أداة وصل.

———————————–

 [1] كتاب العين ص 41.

[2] ينظر: كتاب سيبويه، 3/ 152-153، 4/ 228، والمقتضب للمبرد 2/ 6، ومفتاح العلوم للسكاكي، ص 169.

[3] ينظر: المقتضب للمبرد، 2/ 6، وكشف المشكل في النحو، 1/ 536، وشرح ابن عقيل، 2/ 346.

[4] ينظر: شرح القصائد السبع الطوال لأبي بكر بن الانباري، ص50، والبسيط في شرح الكافية لركن الدين الإسترباذي، 2/ 984- 985، ومغنى اللبيب لابن هشام، 1/ 28.

[5] مغني اللبيب، 1/ 27- 28.

[6] مغني اللبيب 2/ 428.

[7] ينظر: مغني اللبيب، 1/ 28، وشرح ابن عقيل، 1/ 141.


 

ترك تعليق