من المحسنات اللفظية: السجع والاقتباس: تعريفه وحكمه

من المحسنات اللفظية: السجع والاقتباس: تعريفه وحكمه

مقدمة المقال:

يتناول هذا المقال اثنين من المحسنات اللفظية في علم البلاغة العربية، وهما السجع والاقتباس، من حيث تعريف كل منهما، وبيان حكمه، وتوضيح مواضع الحسن والقبح في استعماله. ويُعد السجع من الأساليب البلاغية التي تضفي على الكلام جمالًا موسيقيًّا، وتساعد على تحسين العبارة وجذب انتباه السامع، ولا سيما إذا جاء عفوًا من غير تكلف أو تصنع. وقد ورد السجع في كلام العرب، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، واستعمله العلماء والأدباء في مؤلفاتهم وخطبهم. ومع ذلك، فإن الحكم على السجع لا يتوقف على صورته اللفظية وحدها، بل يتأثر بمدى تكلفه وبالمعنى الذي يراد التعبير عنه من خلاله. أما الاقتباس، فهو تضمين الكلام شيئًا من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، مع إدراجه في سياق جديد، لا على أنه نص مستقل منقول فحسب، بل بوصفه جزءًا من العبارة التي يصوغها المتكلم أو الكاتب. وقد شاع هذا الأسلوب بين الأدباء، واستُخدم في النثر والشعر، مما أثار البحث في حكمه وضوابط استعماله، ولا سيما عند الاقتباس من القرآن الكريم في النظم الشعري. ويعرض المقال أمثلة توضيحية للسجع والاقتباس، مستعينًا بالشواهد الأدبية والنصوص الشرعية لبيان الفروق بين الاستعمال الحسن والاستعمال المذموم. كما يوضح أن السجع يكون محمودًا إذا جاء طبيعيًّا غير متكلف، ومذمومًا إذا أفسد المعنى أو استُخدم في إبطال الحق، مع التمييز بين الذم المتعلق بالشكل والذم المتعلق بالمضمون. ويخلص المقال إلى أهمية مراعاة سلامة المعنى، واحترام النصوص الشرعية، والابتعاد عن التكلف اللفظي عند استخدام المحسنات البلاغية، بما يحقق التوازن بين جمال التعبير وصحة المقصد.

ثالثاً: السجع: تعريفه وحكمه

 تعريف السجع

السجع:

هو توافق الفاصلتين نثراً في الحرف الأخير [10]، نحو: الإنسان بآدابه، لا بزيه وثيابه. ونحو: يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه [11].

قوله: نثراً، احترازاً من الشعر، مع أن الشعر يكون فيه أيضاً السجع، لكن الغالب أن السجع يكون في النثر [12].

 حكم السجع

السجع كثيرٌ في كلام العرب، وفي الحديث النبوي [13]، وفي كلام العلماء. ومن أجدر من قرأت كتابه على السجع: ابن الجوزي رحمه الله في (التبصرة)؛ فهو يأتي بسجعٍ عجيبٍ، يأخذ باللب، وتشعر بأن الرجل لا يتكلف.

وهل السجع محمودٌ أم مذمومٌ؟

نقول: أما إذا كان غير متكلفٍ، وجاءت به الطبيعة هكذا، فإنه محمود؛ لأنه ينمق الكلام، ويحسنه، ويطرب الأسماع.

وأما إذا كان متكلفاً، فإنه لا شك أنه مذمومٌ؛ ولهذا تجد السجع المتكلف يحصل فيه غموضٌ في المعنى؛ لأن المتكلم يحاول أن يأتي بالكلمات المتناسبة، ولكن مع مشقة.

وأما إذا أريد به الباطل، فهو واضحٌ أنه سواء كان سجعاً، أو غير سجعٍ، فإنه مذمومٌ بلا شك.

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)) [14]. هذا سجعٌ بلا شك، وهو محمودٌ؛ لأنه غير متكلفٍ، جاءت به السليقة هكذا، فلا يكون مذموماً.

وكذلك يوجد في بعض خطب العلماء رحمهم الله، التي تكون قبل بدء الكلام يكون فيها سجعٌ كثير [15].

 الخلاصة في حكم السجع

أولاً: السجع المتكلف مذمومٌ.

ثانياً: السجع الذي يراد به إبطال الحق مذمومٌ.

لكن الأول مذمومٌ من حيث الشكل، والثاني مذمومٌ من حيث المضمون.

ثالثاً: السجع الذي لا يبطل حقاً، ولا يأتي متكلفاً: محمودٌ؛ لأنه لا شك أنه يحسن الكلام.

—

 رابعاً: الاقتباس: تعريفه وحكمه

 تعريف الاقتباس

الاقتباس:

 هو أن يضمن الكلام شيئاً من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه.

من أمثلته:

قول الشاعر:

لا تكن ظالمًا ولا ترض بالظل ** مِ وأنكر بكل ما يستطاعُ

يوم يأتي الحسابُ ما لظلومٍ ** مِن حميمٍ ولا شفيعٍ يطاعُ [16]

هذا مضمنٌ، فقوله: ما لظلوم من حميمٍ ولا شفيعٍ يطاع. مقتبسٌ من قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]، وهذا يسمى الاقتباس؛ يعني: أنه اقتبس من القرآن أو الحديث هذه الجملة، وأضافها إلى كلامه، لكن لا على أنها منه، بل على أنها من القرآن أو من الحديث.

 حكم الاقتباس

ولكن هل هذا محمودٌ أم مذمومٌ؟

الجواب: هذا اشتهر بين الأدباء في القرون الوسطى، لكنه فيما أرى مذمومٌ، خصوصاً إذا جاء في الشعر، وهو من القرآن؛ لأن هذا يوحي بأن القرآن نوعٌ من الشعر؛ فلذلك ينبغي أن يقال: إن الاقتباس من القرآن إذا كان في النظم فإنه مذمومٌ؛ لأنه يجب إبعاد القرآن عن الشعر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ** لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: 69، 70].

ومن أمثلته أيضاً:

قول الشاعر:

لا تُعادِ الناس في أوطانهم ** قلما يُرعى غريبُ الوطن

وإذا ما شئتَ عيشًا بينهم ** خالقِ الناس بخُلْق حسَن [17]

الشاهد قوله: خالق الناس بخلقٍ حسن، فهذا جزءٌ من حديثٍ [18].

ولا بأس بتغييرٍ يسير في اللفظ المقتبس للوزن أو غيره، نحو:

قد كان ما خفت أن يكونا ** إنا إلى الله راجعونا

والتلاوة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] [19].

لكن إذا غير فقد يمنع أن يكون اقتباساً؛ لأنه إذا تغير لم يصر بلفظ القرآن، ولا بلفظ الحديث.

إذًا: الاقتباس من المحسنات اللفظية، ولكن لا ينبغي أن يكون من القرآن، إذا كان ذلك في الشعر [20].

—————————-

[10] السجع كثيرٌ في كلام العرب، وفي الحديث النبوي، وفي كلام العلماء. ومن أجدر من قرأت كتابه على السجع: ابن الجوزي رحمه الله في (التبصرة)؛ فهو يأتي بسجعٍ عجيبٍ، يأخذ باللب، وتشعر بأن الرجل لا يتكلف.

[11] رواه البخاري (2729)، ومالك في الموطأ 2/ 610(17)، ورواه أحمد في مسنده 6/ 213(25786)، بلفظ: “كتاب الله أحق”.

[12] ومن ذلك خطب الشيخ الشارح رحمه الله في كتابه (مجالس شهر رمضان)، ومنها: الحمد لله الذي لا مانع لما وهب، ولا معطي لما سلب، وطاعته للعالمين أفضل مُكتسب، وتقواه للمتقين أعلى نسب، هيأ قلوب أوليائه للإيمان وكتب، وسهَّل لهم في جانب طاعته كل نصَب، فلم يجدوا في سبيل خدمته أدنى تعب، وقدر الشقاء على الأشقياء حين زاغوا فوقعوا في العطب، أعرضوا عنه وكفروا به فأصلاهم نارًا ذات لهب، أحمده على ما منحنا من فضله ووهب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هزم الأحزاب وغلب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي اصطفاه الله وانتخب، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الفائق في الفضائل والرتب، وعلى عمر الذي فر الشيطانُ منه وهرب، وعلى عثمان ذي النورين التقي النقي الحسب، وعلى عليٍّ صهره وابن عمه في النسب، وعلى بقية أصحابه الذين اكتسبوا في الدين أعلى فخر ومُكتسب، وعلى التابعين لهم بإحسان ما أشرق النجم وغرب، وسلم تسليمًا؛اهـ.

[13] وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتق الله حيثما كنت، وخالِقِ الناس بخلق حسن، وإذا عملت سيئة فاعمل حسنة تمحُها))؛ رواه أحمد في (مسنده) 5/ 158،153، 177(21536،21403،21354)، والترمذي (1987) وقال: حديث حسن صحيح، والدارمي في (سننه) (2791)، والبزار في (مسنده) (4022)، والقضاعي في (مسند الشهاب) (652)، والحاكم في (المستدرك) 1/ 54، والبيهقي في (شعب الإيمان) (8026) وفي (الزهد الكبير) (869)، وأبو نعيم في (الحلية) 4/ 378 عن أبي ذر رضي الله عنه،ورواه أحمد في (مسنده) 5/ 236 (22059)، والطبراني في (الكبير)20/ 297،298، وفي (الأوسط) (3791)، وفي (الصغير) (530)، وأبو نعيم في (الحلية) 4/ 376، عن معاذ رضي الله عنه. وقال الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (97): حسن.

[14] سئل الشيخ الشارح رحمه الله في الشريط الخامس من دروس البلاغة: ما هو الدليل على عدم جواز الاقتباس بشيء من القرآن أو الحديث، مع أن الصحابة كانوا يقتبسون بشيء من القرآن، فها هو طلحة رضي الله عنه لما وصله الخبر أن قتلة عثمان نادمون على ما فعلوا قال: تبًّا لهم، فلا يستطيعون توصية، ولا إلى أهلهم يرجعون؟! فقال رحمه الله: الجواب عن ذلك أن يقال: أولًا: لا بد أن يثبُت هذا عن طلحة. وثانيًا: انظر هل يدخُل هذا في الاقتباس أو لا؟ لأن هذا واضح أنه قرآن مستقل، لكن استشهد به على نظيره؛ فهو ليس من الاقتباس، وإنما هو من الاستشهاد. ومثال ذلك أيضًا: قول الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحسن والحسين: ((صدق الله؛ إنما أموالكم وأولادكم فتنة))؛ ا.هـ. وأثر طلحة: مذكور في تاريخ الطبري 2/ 676، والفتنة ووقعة الجمل 1/ 73، ومقتل الشهيد عثمان 1/ 149، والبداية والنهاية 7/ 189. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدق الله؛ إنما أموالكم وأولادكم فتنة))، فقد رواه أحمد في (مسنده) 5/ 354 (22995)، وأبو داود (1109)، والترمذي (3774)، وابن ماجه (3600)، والنسائي (1585،1413)، وابن أبي شيبة في (مصنفه) 12/ 100،99، وابن خزيمة في (صحيحه) (1801)، وابن حبان في (صحيحه) (6038)، والبغوي في (معالم التنزيل) 4/ 354، والحاكم في (مستدركه 4/ 287،189)، والبيهقي في (سننه) 6/ 165 / وفي (شعب الإيمان) (11016). قال الشيخ الألباني رحمه الله في تعليقه على السنن: صحيح.

[15] ينظر: البلاغة العربية، لحنبكة، (2/ 431).

[16] ينظر: البلاغة العربية، لحنبكة، (2/ 432).

[17] ينظر: البلاغة العربية، لحنبكة، (2/ 433).

[18] ينظر: البلاغة العربية، لحنبكة، (2/ 432).

[19] ينظر: البلاغة العربية، لحنبكة، (2/ 435).

[20] المعجم المحيط، (ص819).

 


 

ترك تعليق