المحسنات اللفظية في البلاغة العربية: دراسة تحليلية شاملة
المحسنات اللفظية في البلاغة العربية: دراسة تحليلية شاملة
مقدمة المقال
تُعدّ المحسنات اللفظية من أبرز مباحث علم البديع الذي يُعنى بطرق تحسين الكلام وتزيينه، سواء كان هذا التحسين راجعاً إلى اللفظ ذاته أو إلى المعنى. ويندرج تحت هذا العلم فنون متعددة، يأتي في مقدمتها الجناس بوصفه من أشهر المحسنات اللفظية وأكثرها حضوراً في النصوص الأدبية والقرآنية. كما تشمل المحسنات اللفظية فنوناً أخرى كالسجع والاقتباس والتجريد والمشاكلة والمبالغة والطباق والمقابلة والجمع والتفريق والتقسيم. وقد اعتنى علماء البلاغة بهذه الفنون عناية بالغة، فوضعوا لها الضوابط والشروط، وميّزوا بين أنواعها، واستشهدوا لها من القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي. وفي هذا المقال نستعرض هذه المحسنات اللفظية بشيء من التفصيل والتحليل، مع بيان أمثلتها وشواهدها.
—
عناصر المقال
1. علم البديع: تعريفه ونشأته
2. الجناس: تعريفه وأنواعه
3. السجع: تعريفه وحكمه
4. الاقتباس: تعريفه وحكمه
5. التجريد: تعريفه وأساليبه
6. المشاكلة والمبالغة
7. الطباق والمقابلة
8. الجمع والتفريق والتقسيم
—
أولاً: علم البديع: تعريفه ونشأته
تعريف علم البديع
ينتمي الجناس إلى علم البديع الذي يُعرف به طرق تحسين الكلام. وتنقسم المحسنات إلى لفظية ترجع إلى اللفظ، ومعنوية ترجع إلى المعنى (المصدر: كتاب البلاغة الميسرة).
علم البديع لغة واصطلاحاً
يقول ابن فارس: الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصُنعه لا عن مثال سابق، والآخر الانقطاع والكلال [1]. ويقول الجرجاني: الإبداع: إيجاد الشيء من لا شيء، وقيل: الإبداع: تأسيس الشيء عن الشيء، والخلق: إيجاد شيء من شيء [2]. يقول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117].
فعلم البديع يُعد أهم فرع من علوم البلاغة؛ حيث يختص بتحسين أوجه الكلام، وتحسين صورته اللفظية والمعنوية.
أول المؤسسين لعلم البديع
أول من كتب فيه كتاباً خاصاً – على ما قيل – عبد الله بن المعتز الخليفة العباسي المتوفى سنة 296هـ، وكان الشعراء من قبله يأتون في أشعارهم بضروب من البديع؛ كبشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبي تمام وغيرهم، فجاء ابن المعتز وجمع من أنواعه سبعة عشر نوعاً [3].
أنواع المحسنات البديعية
المحسنات البديعية ضربان: معنوي يرجع إلى تحسين المعنى، وضرب لفظي يرجع إلى تحسين اللفظ أصلاً، وإن تبع ذلك تحسين المعنى.
—
ثانياً: الجناس: تعريفه وأنواعه
تعريف الجناس
الجناس هو: تشابه اللفظين في النطق واختلافهما في المعنى (المصدر: كتاب البلاغة الميسرة).
الجناس التام
وهو ما اتفق فيه اللفظان في أربعة أشياء هي: نوع الحروف، وحركتها، وعددها، وترتيبها.
من شواهده القرآنية:
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: 55]. فكلمة (الساعة) و(ساعة) جناس تام اتفقت حروف الكلمتين بعدد الحروف ونوعها وهيئتها وترتيبها.
من شواهده الشعرية:
قول أبي تمام:
ما مات مِنْ كرمِ الزمان فإنه ** يَحْيا لَدى يحيى بْنِ عبدِ الله
أمثلة أخرى على الجناس التام:
قول الشاعر:
لم نَلْقَ غيرَك إنسانًا يلاذُ به ** فلا برِحْتَ لعينِ الدهر إنسانًا [4]
فالشاهد قوله: إنساناً يلاذ به، والمراد به البشر. وقوله: لعين الدهر إنساناً، والمراد به إنسان العين؛ لأن إنسان العين هو الذي يكون به البصر [5].
وقول الشاعر:
فدارهم ما دمت في دارهم ** وأَرْضِهم ما دمت في أرضهم [6]
في هذا البيت شاهدان:
الأول قوله: فدارهم ما دمت في دارهم؛ فـ(دارهم – ودارهم) متفقان في الهيئة والنوع والعدد والترتيب، والمعنى مختلف. فـ(دارِ) الأولى: فعل أمر، و(دار) الثانية: اسم.
والشاهد الثاني: قوله: أرضهم ما دمت في أرضهم؛ فـ(أرضهم وأرضهم) متفقان في الحروف ترتيباً وعدداً وهيئة ونوعاً، ومختلفان في المعنى. فـ(أرضهم) الأولى فعل أمر من رضي، و(أرضهم) الثانية اسم [7].
وقول الشاعر:
وسميتُه يحيى ليحيى فلم يكن ** إلى ردِّ أمر الله فيه سبيل
فقوله (يحيى – ليحيى) جناس تام؛ لأن اللام حرف جر، وليست من الكلمة.
الجناس غير التام (الناقص)
وهو ما اختلف فيه اللفظان في واحد من الأمور الأربعة السابقة.
من شواهده القرآنية:
قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ** إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23]. اختلفا في «نوع الحروف».
قال تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ** إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 29، 30]. اختلفا في «عدد الحروف».
من شواهده في غير القرآن:
“اللهم استر عوراتِنا وآمن روعاتِنا”. اختلفا في «ترتيب الحروف».
“اللَهُمَ كَمَا حَسَنْتَ خَلْقِي فَحَسِنْ خُلُقِي”. اختلفا في «حركة الحروف».
من شواهده الشعرية:
قول الشاعر:
يمدون من أيدٍ عواصٍ عواصم ** تصل بأسيافٍ قواضٍ قواضب [8]
الشاهد: قول الشاعر: (عواصٍ – عواصم)، و(قواضٍ – قواضب). فهذا جناسٌ غير تام؛ لأن الثانية أزيد من الأولى بحرفٍ [9].
تدريبات على الجناس
حدِّد موضع الجناس، وبيِّن نوعه فيما يلي:
1- ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ** يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: 43 – 44].
2- ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ** وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 9، 10].
3- ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1].
4- عباسُ عباسٌ إِذَا احتَدَم الوغَى ** والفَضْلُ فَضْلٌ والربيعُ ربيعُ
5- إن الله يُمهِل ولا يُهمِل.
6- رأيت الناس قد مالوا ** إلى من عندَه مالُ
ومن لا عنده مالُ ** فعنه الناسُ قد مالوا
7- رحِم الله امرأً أمسكَ ما بين فكَّيه، وأطلق ما بين كفَّيه.
—
[1] يُنظَر: مقاييس اللغة، لابن فارس، (1/ 209).
[2] يُنظَر: التعريفات، للجرجاني، (ص8).
[3] يُنظَر: المنهاج الواضح للبلاغة، خالد عوني، (1/ 6).
[4] الشاهد قوله: إنسانًا يلاذ به، والمراد به البشر. وقوله: لعين الدهر إنسانًا. والمراد به إنسان العين؛ لأن إنسان العين هو الذي يكون به البصر.
[5] وهذا النوع من الجناس التام يسمى مماثلًا؛ لأنه جاء بين لفظين من نوع واحد من أنواع الكلمة التي هي الاسم والفعل والحرف. فالإنسان الأول الذي بمعنى البشر، والإنسان الثاني الذي بمعنى حدقة العين، قد اتفقا في نوع الاسمية، مع كونهما متفقين في جميع الأوجه السابقة، فكان الجناس التام بينهما متماثلًا. وإنما سمي هذا بالمتماثل؛ جريًا على اصطلاح المتكلمين من أن التماثل هو الاتحاد في النوع.
[6] في هذا البيت شاهدان: الشاهد الأول: قوله: فدارهم ما دمت في دارهم؛ فـ: (دارهم – ودارهم) متفقان في الهيئة والنوع والعدد والترتيب، والمعنى مختلف. فـ (دارِ) الأولى: فعل أمر. و(دار) الثانية: اسم. والشاهد الثاني: قوله: أرضهم ما دمت في أرضهم؛ فـ: (أرضهم وأرضهم) متفقان في الحروف ترتيبًا وعددًا وهيئة ونوعًا، ومختلفان في المعنى. فـ: (أرضهم) الأولى فعل أمر من رضي. و(أرضهم) الثانية اسم.
[7] ويسمى هذا النوع من الجناس التام مستوفي، والجناس المستوفي هو ما كان التام من الجناس فيه بين لفظين من نوعين؛ أي: من اسم وفعل، أو اسم وحرف، أو من فعل وحرف، والمؤلف رحمه الله مثَّل لما كان من اسم وفعل. ومثال الذي بين اسم وحرف، نحو: رُبَّ رجل شرب، رُب رجل آخر. فـ: رب الأولى حرف جر، والثانية اسم للعصير المعلوم. والذي بين حرف وفعل، نحو: علا زيد على جميع أهله؛ أي: ارتفع عليهم؛ فـ: علا الأولى فعل، والثانية حرف.
[8] الشاهد: قول الشاعر: (عواصٍ – عواصم)، و(قواضٍ – قواضب). فهذا جناسٌ غير تام؛ لأن الثانية أزيد من الأولى بحرفٍ.
[9] قوله: نثرًا، احترازًا من الشعر، مع أن الشعر يكون فيه أيضًا السجع، لكن الغالب أن السجع يكون في النثر.
