من المحسنات اللفظية المشاكلة والطباق والمقابلة
من المحسنات اللفظية المشاكلة والطباق والمقابلة
أولًا: مقدمة المقال
تُعدّ المحسنات البديعية من أبرز مظاهر الجمال في البلاغة العربية، إذ تسهم في تقوية المعاني، وتحسين الأساليب، وإبراز دقة التعبير في القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي. ويتناول هذا المقال مجموعة من الفنون البلاغية التي تكشف عن ثراء اللغة العربية وتنوع طرائقها في أداء المعاني، وهي المشاكلة والمبالغة والطباق والمقابلة ويبدأ المقال ببيان مفهوم المشاكلة، وهي التعبير عن شيء بلفظ غيره لمناسبته له في السياق، مع الاستشهاد بأمثلة قرآنية وشعرية توضح سر هذا الأسلوب وأثره في الكلام. ثم ينتقل إلى المبالغة، التي تقوم على ادعاء بلوغ الصفة غاية بعيدة أو مستحيلة، بهدف تقوية المعنى وإبراز شدته، كما يظهر في الشواهد الشعرية والأمثلة الواردة في المقال. ويتناول بعد ذلك الطباق، الذي يقوم على الجمع بين اللفظ وضده، والمقابلة التي تتضمن ذكر معانٍ متعددة ثم الإتيان بما يقابلها على الترتيب، مع توضيح أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما، وبيان دورهما في إظهار المعاني وتوضيحها. ويختتم الموضوع بخلاصة عامة للمحسنات اللفظية التي تناولتها الدراسة، مبينًا دور هذه الفنون في إثراء التعبير العربي وإبراز جماله ودقته. ومن خلال هذا العرض، يتعرف القارئ على خصائص هذه الأساليب البلاغية، ويدرك كيف يسهم توظيفها توظيفًا صحيحًا في تحسين الكلام، وتوضيح المقاصد، وإضفاء مزيد من التأثير والجمال على النصوص.
سادساً: المشاكلة والمبالغة
المشاكلة
المشاكلة لغةً [26]:
مصدر: شاكل يُشاكل مشاكلةً، بمعنى: الموافقة والمشابهة.
واصطلاحاً: “ذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً”.
فالتحقيق مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، فجعل سبحانه الجزاء على السيئة سيئةً، وهو ليس كذلك، وإنما لمناسبة السيئة التي سبقته.
ومنه قول الشاعر:
قالوا اقترِح شيئًا نجد لك طبخه ** قلت اطبخوا لي جُبةً وقَميصا
فالجبة والقميص لا يطبخان، وإنما أتى بهذا اللفظ لمناسبة قولهم: “نجد لك طبخه”. كأنه ليس جائعاً، ولكن يشكو من ألم البرد، فلم يأت بلفظ (انسجوا)، وإنما قال اطبخوا، فشاكَل لفظهم، ليَستعجلهم ويحثَّهم، فيعلموا شدة حاجته التي أدَّت إلى تغيير لفظه، فيُبادروا في قضائها.
ومنه أيضاً قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يَجْهَلنَّ أحدٌ علينا ** فنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهلينا
فجعل معاقبة الجاهل بجهله جهلاً لمشاكلة الجهل المذكور.
ومن أمثلة المشاكلة من القرآن:
1) قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54].
2) ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40].
3) ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194].
4) قول الشاعر:
قَالُوا اقْتَرْحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ** قُلْتُ اطْبُخُوا لِي جُبةً وَقَمِيصَا
أي خيطوا لي.
المبالغة
تعريفها:
ادعاء بلوغ وصف في الشدة أو الضعف حدًّا مستحيلاً أو بعيداً.
الأمثلة:
1) شربتُ اليوم عشرين لتراً من الماء.
2) وَنُكرِمُ جارَنا ما دامَفينا ** وَنُتبِعُهُ الكَرامَةَ حَيثُ مالا
3) قول عمرو بن كلثوم:
مَلأْنَا البَرَحَتَى ضَاقَ عَنَا ** وَظَهرَ البَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفِيْنَا
إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيٌ ** تَخِرُ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِديْنَا
—
سابعاً: الطباق والمقابلة
تعريف الطباق
الطباق:
الجمع بين الشيء وضده في الكلام.
وقد يكون الضدان:
1) اسمين: مثل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: 3].
2) فعلين: مثل: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 43].
3) حرفين: مثل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286].
4) مختلفين: مثل: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: 33].
تعريف المقابلة
وهي: ذكر لفظين أو أكثر، ثم ذكر ما يضادها على الترتيب [27].
الأمثلة:
1) قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: 82].
2) قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157].
3) قال أبو جعفر المنصور: لا تخرجوا من عزِّ الطاعة إلى ذل المعصية، ومنه:
ما أَحسَنَ الدين والدنيا إذا اجتمَعا ** لا بارَك الله في دنيا بلا دين
الفرق بين المقابلة والطباق
الطباق لا يكون إلا بين ضدين فقط، أما المقابلة فتكون بين أكثر من ضدين، والبعض لا يرى فرقاً.
فائدة الطباق والمقابلة: إبراز المعنى وتوضيحه؛ لأن الضد يُظهر حسنَه الضدُّ.
————————
[26] قال الشيخ العلامة محمد فضل حق الرامفوري في كتابه (شموس البراعة) ص146: فالتام من الجناس ما – أي: لفظ – اتفقت حروفه مع حروف لفظ آخر في الأمور الأربعة: الأول في الهيئة؛ أي: في هيئة الحروف الحاصلة باعتبار الحركات والسكنات، فنحو: البَرَد – بفتح الباء – والبُرْد – بضمها – ليس بينهما جناس تام؛ لاختلاف حركة الباء. والثاني: في النوع؛ أي في نوع الحروف، بأن يكون كل حرف في أحد اللفظين هو في الآخر، وإنما أورد لفظ النوع تنبيهًا على أن كل حرف من الحروف الهجائية التسعة والعشرين نوع برأسه. فالألف نوع تحته أصناف؛ لأنها إما أصلية أو مقلوبة عن واو أو عن ياء، والباء كذلك؛ لأنها إما مدغمة أو مشددة أو لا، وبهذا القياس يخرج عن التام؛ نحو: يفرح ويمرح؛ لكونهما مختلفين في الميم والفاء. والثالث: في العدد، بأن يكون مقدار حروف أحد اللفظين هو مقدار حروف اللفظ الآخر، فيخرج نحو (الساق) و(المساق)؛ لأن الميم في الثاني لا يقابلها شيء في الأول، فلم يتفق عدد الحروف في اللفظين. والرابع: في الترتيب، بأن يكون المقدم والمؤخر في أحد اللفظين هو المقدم والمؤخر في الآخر، فيخرج نحو: الحتف والفتح؛ لاختلافهما في الترتيب؛ اهـ.
[27] عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، للسبكي، (2/ 231).
[28] فوائد من شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله لكتاب (قواعد اللغة العربية في النحو والصرف والبلاغة) قسم البلاغة منه.
