النكرة التامة التعجبية: دراسة في صيغة (ما أفعله)
النكرة التامة التعجبية: دراسة في صيغة (ما أفعله) (1)
النكرة التامة (التعجبية):
تُعدّ صيغة (ما أفعله) من الصيغ المهمة في اللغة العربية، وقد وردت في القرآن الكريم في موضعين: قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. وقد اختلف النحاة في إعراب (ما) في هذه الصيغة: فمنهم من جعلها نكرة تامة بغير صفة ولا صلة في محل رفع مبتدأ، وهو مذهب سيبويه وجمهور النحاة، ومنهم من جعلها موصولة أو موصوفة، وهو ما نُسب إلى الأخفش. كما اختلفوا في معناها: فمنهم من جعلها تعجبية، ومنهم من جعلها استفهامية. وفي هذا المقال نستعرض هذه المسألة بشيء من التفصيل والتحليل.
—
عناصر المقال
1. ورود (ما) التعجبية في القرآن الكريم
2. تعريف التعجب وحكمه في حق الله تعالى
3. مذاهب النحاة في إعراب (ما) في صيغة (ما أفعله)
4. معنى صيغة (ما أفعله) في القرآن الكريم
5. مذهب الكوفيين ورد البصريين عليهم
—
ورود (ما) التعجبية في القرآن الكريم
وردت (ما) التعجبية في القرآن الكريم بصيغة (ما أفعله) في موضعين: هما قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]، وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]، وقرأ سعيد بن جبير: (ما أَغَرَّكَ بِرَبِّكَ)، وهي قراءة شاذة [1]، بدلًا من القراءة المشهورة المجمع عليها ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6].
—
تعريف التعجب وحكمه في حق الله تعالى
وعُرِف التعجب بأنه استعظامُ زيادةٍ في وصف الفاعل، ويكون فيما خَفِيَ سببُه، ((وقد قيل: إذا ظهر السبب بطَل العجب)) [2]، على أن التعجب لا يصح صدورُه من الله عز وجل؛ لأنه لا يَعزُب عن علمه شيءٌ، فالله يُعجِبُ المخلوقين ولا يَعجَبُ هو، فإن ورد ما ظاهره ذلك، صُرِف إلى المخاطَب، فيكون قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾؛ معناه: أن الله يُعجِبَ المؤمنين مِن جرأة الكفار على عمل يقرِّبهم من النار، أو هم ممن يستحقون أن يقال فيهم ذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾، هو ممن يُتعجَّب مِن كفره [3].
—
مذاهب النحاة في إعراب (ما) في صيغة (ما أفعله)
وأُعربت (ما) في صيغة (ما أفعله) نحو:
ما أحسنَ عبدَ الله، نكرة تامة بغير صفة ولا صلة في محل رفع مبتدأ، وأٌعرب (أحسنَ) فعلًا ماضيًا و(عبد الله) مفعولًا به، وفي (أحسن) فاعل مستتر يعود على (ما)، والفعل ومعمولاه في محل رفع خبر، والتقدير: شيء أحسنَ عبدَ الله، أي: شيء جعله حسنًا، وهذا هو مذهب سيبويه وجمهور النحاة [4].
ونُسب إلى الأخفش أنه أجاز جعل (ما) موصولة، والفعل صلتها والخبر محذوف، فيكون (ما أحسنَ عبدَ الله)، بتقدير: الذي أحسنَ عبدَ الله شيءٌ عظيم، أو نكرة موصوفة، والتقدير: شيء أحسنَ عبدَ الله عظيم [5].
وقد رجَّح جمهور النحاة مذهب سيبويه، وجعلوا (ما) نكرة تامة غير موصوفة، ذلك أن التعجب في الإبهام بمنزلة الشرط والاستفهام، فجعل (ما) موصولة أو موصوفة، يُخرجها عن الإبهام اللازم لمعنى التعجب الذي عُرف بأنه ما خَفِي سببُه؛ إذ الصلة تبين الموصول، والصفة تبيّن الموصوف [6].
وقيل: إن جعل (ما) موصولة لا يُزيلها عن إبهامها؛ لأن خبرها واجبُ الحذف، والتزام حذف الخبر كاف في الإبهام، ورُدَّ بأن الخبر هنا وإن ادُّعِيَ حذفُه، فإنه معلوم تقديرًا، فلا يكون هناك إبهام، وإن قيل: إنه مجهول فحذفُ المجهول لا يجوز [7]، وجُعل المذهب الذي نُسِبَ إلى الأخفش أقربَ إلى قواعد اللغة من مذهب سيبويه وجمهور النحاة؛ لكون حذف الخبر شائعًا في اللغة العربية، في حين أن الابتداء بالنكرة التامة مخالفٌ للأصل [8].
—
معنى صيغة (ما أفعله) في القرآن الكريم
أما معنى هذه الصيغة في القرآن الكريم، فقد ذكر الفراء في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النارِ﴾ – أن فيه وجهين؛ أحدهما: معناه: فما الذي صبَّرهم على النار؟ والآخر معناه: فما أجرأهم على النار، ورأى أن في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ (يكون تعجبًا ويكون: ما الذي أكفَره؟))، ثم بيَّن أنه ((بهذا الوجه الآخر جاء التفسير)) [9].
فقد أجاز الفراء أن تكون (ما) تعجبية بتقدير (شيء)، والمعنى: شيءٌ أصبَرهم، وشيء أكفره، وأجاز كذلك أن تكون استفهامية، وجعل هذا المعنى بتقدير: ما الذي صبَّرهم؟ وما الذي أكفَره؟ أي: جعل (ما) استفهامية مَشوبة بالتعجب، وقد يستفاد من الاستفهام معنى التعجب [10].
ويُشعر كلام الفراء في وصف الوجه الثاني بأنه به جاء التفسير باستحسانه، وقد أشار إلى جواز هذين الوجهين الأخفش [11]، والطبري [12]، والنحاس [13]، وغيرهم [14]، وذهب أبو عبيدة إلى أن (ما) في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ استفهامية، وصرَّح بأنها ((ليس بتعجب)) [15]؛ لأن التعجب لا يَصِحُّ صدورُه من الله برأيه، ويبدو أنه رأى أيضًا ألا [16] يكون هذا الاستفهام مرادًا به التعجب، بل هو كما قال المبرد: ((استفهام يُراد به التقرير والتوبيخ)) [17]، ونقل هذا الوجه أبو جعفر الطوسي [18]، والقرطبي [19]، وأبو حيان [20]، وغيرهم [21]، ولم يُجز الزجاج الوجه الذي يذهب إلى التعجب، إلا عند جعله ((مما يؤمَر به الآدميون؛ أي: اعجَبوا أنتم)) [22].
—
مذهب الكوفيين ورد البصريين عليهم
ويذهب الكوفيون إلى أن مذهب سيبويه وجمهور النحاة في صيغة (ما أفعله)، غير صحيح، يوضحون ذلك من قول القائل: ما أعظمَ اللهَ! إذ لا يصح أن يكون بتقدير: شيء أعظمَ اللهَ؛ أي: جعله عظيمًا؛ لأن الله عظيم بذاته سبحانه، لا بجعْل جاعلٍ [23].
وذكر الصبان أن من النحاة مَن لا يُجيز التعجب من صفات الله قياسًا، فلا يقال: ما أعظمَ اللهَ؛ لأنها لا تقبل الزيادة، وأنه شذَّ قول العرب: ما أعظمَ اللهَ! وما أقدره! وما أجله! ثم بيَّن أن المختار جواز ذلك [24].
ورد البصريون على الكوفيين بأن قول القائل:
ما أعظمَ اللهَ، هو بتقدير: شيء عظمَ اللهَ ((وذلك الشيء الناسُ الذين يصفونه بالعظمة، كقولك: كبرتُ كبيرًا وعظمتُ عظيمًا… وليس شيء يُخبر به عن الله عز وجل، إلا على خلاف ما يُخبر به عن غيره في المعنى)) [25].
وقال أبو البركات ابن الأنباري:
إن لهذا الشيء الذي عاد عليه الفاعل المستتر في (أعظمَ)) ثلاثةَ معانٍ: ((أحدها: أن يعني بالشيء مَن يعظِّمه من عباده، والثاني: أن يعني بالشيء ما يدل على عظمة الله تعالى وقدرته من مصنوعاته، والثالث: أن يعني به نفسه؛ أي: إنه عظيم بنفسه، لا لشيء جعله عظيمًا فرقًا بينه وبين خلقه)) [26].
وورد في حاشية الخضري أن معنى الجعل ليس في صيغة (ما أفعله)، بل هو في تقديرها [27]، ويبدو أن (ما) ليست استفهامية كما يذهب الكوفيون، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه وجمهور النحاة من أن (ما) تعجبية، إلا أن الإشكال في هذا الوجه نشأ من قولهم: إن منصوب (ما أفعله) مفعول به حقيقة، وهذا القول اضطرَّهم إلى أن يبحثوا عن الفاعل، فجعلوه ضميرًا مستترًا في (أفعلَ)، ولَما كان الضمير لا بد من عوده على شيء، لم يجد النحاة ما يعيدونه عليه إلا (ما)، فاقتضى أن تكون اسمًا؛ لأن الضمير لا يعود إلا على الأسماء [28]، وهذا مما جعل المثل: ما أعظمَ اللهَ، يكون بتقدير: شيء جعل اللهَ عظيمًا، فكان الإشكال.
—————————–
[1] المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جني 2/ 353-354، والبرهان في علوم القرآن 4/ 404، والإتقان في علوم القرآن 2/ 288.
[2] المرتجل لابن الخشاب نص145- 146، والغرَة المخفية لابن الخباز 2/ 466.
[3] البغداديات ص 353، ومشكل إعراب القرآن 1/ 117، 2/ 801-802، وشرح اللمع لابن بَرْهان العكبري 2/ 142، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 1/ 177، واللباب في علل البناء والإعراب لأبي البقاء العكبري 2/ 146، وشرح المفصل لابن يعيش 4/ 5، وشرح ألفية ابن مالك لابن الناظم ص185، وكاشف الخصاصة عن ألفاظ الخلاصة لابن الجوزي ص211، وحاشية الصبان على شرح الأشموني 3/ 12، 16.
[4] الكتاب 1/ 37، 72، والمقتضب 4/ 173، والأصول في النحو لابن السراج 1/ 115، والجمل للزجاجي ص99، 112، وشرح المفصل 7/ 146، والإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب 2/ 108.
[5] الأمالي الشجرية 2/ 237، والمرتجل ص146-147، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 138، وشرح الكافية الشافية 2/ 108، والجنى الداني ص335، ومغني اللبيب 1/ 297، وشرح ابن عقيل 2/ 150، وحاشية الصبان 3/ 17-18.
[6] المصادر السابقة والبغداديات ص255، والمقتصد في شرح الإيضاح لعبد القاهر الجرجاني 1/ 375، وقواعد المطارحة لابن إياز النحوي ص216.
[7] شرح الكافية الشافية 2/ 1080 -1081.
[8] خطى متعثرة على طريق تجديد النحو العربي، عفيف دمشقية، ص18-20.
[9] معاني القرآن 1/ 103، 3/ 237.
[10] حاشية الصبان 3/ 17.
[11] معاني القرآن 1/ 155- 156، 2/ 528.
[12] جامع البيان 2/ 332- 333، 3/ 54.
[13] إعراب القرآن 3/ 628.
[14] مشكل إعراب القرآن 1/ 117، 2/ 801- 802، والتبيان في تفسير القرآن 2/ 91، والكشاف 1/ 216، 4/ 734، وزاد المسير 1/ 177، والتبيان في إعراب القرآن 1/ 142، 2/ 1272، وفتح القدير 1/ 171.
[15] مجاز القرآن 1/ 64.
[16] ألا: أصلها: أن لا، أُدغمت النون باللام لفظًا ورسمًا.
[17] المقتضب 4/ 183.
[18] التبيان في تفسير القرآن 1/ 272- 273، 2/ 91.
[19] الجامع لأحكام القرآن 2/ 36.
[20] البحر المحيط 1/ 495.
[21] زاد المسر 1/ 177، وفتح القدير 1/ 171.
[22] معاني القرآن وإعرابه، 1/ 245، 5/ 284- 285.
[23] المُحلى: وجوه النصب لابن شقير، ص20 ومفاتيح الغيب 5/ 29-32، والأشباه والنظائر للسيوطي 4/ 107.
[24] حاشية الصبان 3/ 16.
[25] المقتضب 4/ 176، ومجالس العلماء للزجاجي ص125-126.
[26] الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 146-147.
[27] حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 2/ 39.
[28] كتاب الجمل للزجاجي ص112، وأسرار العربية لأبي البركات ابن الأنباري 51، وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام 2/ 272، وحاشية الصبان 3/ 17 وحاشية السجاعي على قطر الندى ص129.
