من المحسنات اللفظية الجمع والتفريق والتقسيم
من المحسنات اللفظية الجمع والتفريق والتقسيم
أولًا: مقدمة المقال
تُعدّ المحسنات البديعية من أبرز مظاهر الجمال في البلاغة العربية، إذ تسهم في تقوية المعاني، وتحسين الأساليب، وإبراز دقة التعبير في القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي. ويتناول هذا المقال مجموعة من الفنون البلاغية التي تكشف عن ثراء اللغة العربية وتنوع طرائقها في أداء المعاني، وهي الجمع والتفريق والتقسيم. ويبدأ المقال بشرح فن الجمع، الذي يضم شيئين أو أكثر في حكم واحد، وفن التفريق، الذي يميز بين أمرين من نوع واحد في الحكم، وفن التقسيم، الذي يعرض متعددًا ثم يخصص لكل قسم حكمًا أو وصفًا يناسبه. ويستعين المقال بشواهد من القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي وأقوال العلماء، لتوضيح القواعد البلاغية وتسهيل فهمها وتطبيقها. ويختتم الموضوع بخلاصة عامة للمحسنات اللفظية التي تناولتها الدراسة، مبينًا دور هذه الفنون في إثراء التعبير العربي وإبراز جماله ودقته. ومن خلال هذا العرض، يتعرف القارئ على خصائص هذه الأساليب البلاغية، ويدرك كيف يسهم توظيفها توظيفًا صحيحًا في تحسين الكلام، وتوضيح المقاصد، وإضفاء مزيد من التأثير والجمال على النصوص.
ثامناً: الجمع والتفريق والتقسيم
الجمع
وهو الجمع بين الشيئين أو أشياء في حكم واحد؛ كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46]، فقد جمع الله سبحانه وتعالى المال والبنون في الزينة.
ومنه قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ** وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 5، 6]، فجمع بين الشمس والقمر في الحسبان؛ أي: في الحساب.
الحُسبان بضم الحاء كالغُفران:
الحساب الدقيق، والنجم هنا: النبات الذي ينجم؛ أي يظهر من الأرض ولا ساق له، والشجر: النبات الذي له ساق وله أغصان، ويسجدان: أي ينقادان لما أراده الله سبحانه منهما [28].
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبح آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها» [29]، فجمع الأمن ومعافاة البدن وقوت اليوم في حكم واحد هو حيازة الدنيا وامتلاكها بحذافيرها؛ أي: من جميع نواحيها.
ومنه شعراً قول أبي العتاهية:
إن الشباب والفَراغ والجِده ** مَفسدة للمرء أي مَفسدهْ
فجمع الشاعر بين الفراغ والشباب والجدة – أي: الاستغناء – في حكم واحد هو المفسدة؛ أي: إن هذه الأمور تؤدي بصاحبها إلى الفساد.
قال الشيخ رحمه الله: (إن الشباب والفراغ والجدة)، ثلاثة أشياء كلها داء، إلا إذا وفِّق الإنسان واستعملها في النافع، الفراغ يعني عدم العمل، وتعرفون الإنسان إذا لم يكن له عمل ذهب ذهنُه كلَّ مذهب، وصار يَخبِط خَبطَ عَشواء، الجدة يعني الغنى؛ لأن الفقر يلجئ الإنسان إلى العمل، لكنه إذا كان غنيًّا، وكان شابًّا، وكان فارغًا ما في شغل، فهذا الفساد، ولهذا نجد أن أكثر المكذبين للرسل هم الأغنياء والكبراء، والغرض من هذا البيت تحذير الشاب الذي أغناه الله عز وجل وأفرغه عما يُلهيه – أن يضيع هذه الصفات الثلاث في غير فائدة.
السِّرب بكسر السين وسكون الراء:
النفس، وهو المراد هنا، ومن معانيها أيضاً: الجماعة من النساء والبقر والقطا والشاء والوحش، والجمع أسراب، والحذافير: النواحي، واحدها حذفار [30].
التفريق
التفريق [31]:
هو أن يفرَّق بين أمرين من نوع واحد في الحكم؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12].
كما قلت: هو أن يفرَّق بين شيئين من نوع واحد، كقوله:
ما نوال الغمام وقتَ ربيعٍ ** كنَوال الأمير يومَ سَخاء
فنوال الأمير بدرةُ عينٍ ** ونَوال الغمام قطرةُ ماء
التقسيم
وهو أن يأتي بمتعدِّد ثم يحكم على كل واحد منها بحكم؛ كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ** فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ** وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: 4 – 6].
وقد يطلق التقسيم على أمور؛ منها:
إما استيفاء أقسام الشيء، نحو قول الشاعر:
وأعلَم علمَ اليوم والأمس قبله ** ولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ
وإما ذكر متعدِّد، وإرجاع ما لكلٍّ إليه على التعيين؛ كقول القائل:
وَلَا يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُسَامُ بِهِ ** إلَّا الْأَذَلَّانِ عَيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتِدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ ** وَذَا يُشَجُّ فَلَا يَرْثِي لَهُ أَحَدُ
وإما ذكر أحوال الشيء مضافًا إلى كل منها ما يليق به؛ كقوله:
ثِقَالٍ إِذَا لاَقَوْا خِفَافٍ إِذَا دُعُوا ** كَثيرٍ إِذَا شَدُّوا قَلِيلٍ إِذَا عُدُّوا
سَأَطْلُبُ حَقِّي بالقَنَا وَمَشَايخٍ ** كَأَنَّهُمُ مِنْ طُولِ ما الَثَمُوا مُرْدُ
خاتمة المحسنات اللفظية:
وبعد هذا العرض الشامل للمحسنات اللفظية في البلاغة العربية، يتبين لنا مدى ثراء هذا العلم واتساعه، فقد تناولنا فيه فنوناً متعددة كالجناس بأنواعه، والسجع، والاقتباس، والتجريد، والمشاكلة، والمبالغة، والطباق، والمقابلة، والجمع، والتفريق، والتقسيم. وقد رأينا كيف أن كل فن من هذه الفنون له ضوابطه وشروطه التي تميزه عن غيره، وكيف أن البلاغيين قد اعتنوا ببيان هذه الضوابط وتوضيحها بالأمثلة والشواهد من القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي. وهذا كله يدل على عبقرية اللغة العربية ومرونتها، وقدرتها الفائقة على احتواء المعاني المتعددة في اللفظ الواحد، مما يجعلها لغة القرآن الكريم ووعاء الوحي الخالد.
—————————
[29] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، (بَابُ مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ) برقم: (300).
[30] فوائد من شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله لكتاب (قواعد اللغة العربية في النحو والصرف والبلاغة)، قسم البلاغة منه.
[31] جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، للهاشمي، (ص311).
