الاستطراف في التشبيه: المفهوم والوسائل
الاستطراف في التشبيه: المفهوم والوسائل
مقدمة المقال
يُعدّ الاستطراف من الظواهر البلاغية التي حظيت باهتمام البلاغيين العرب، لما له من أثر بالغ في إحداث الدهشة والإعجاب في نفس المتلقي. والاستطراف في أصله مأخوذ من الطرف، وهو الشيء الطيب الغريب، أو من الظرف بمعنى البراعة وذكاء القلب وحسن المنطق. وقد ذهب البلاغيون القدماء إلى أن التشبيه إذا قام على عناصر متقاربة كل التقارب، كان تشبيهًا عاديًا مبتذلًا، أما إذا قام على الجمع بين المتباعدات والمتنافرات، كان تشبيهًا مستطرفًا. ويهدف هذا المقال إلى تحرير مفهوم الاستطراف لغة واصطلاحًا، وبيان وسائله المتعددة، مع الاستشهاد بنماذج شعرية من الشعر العربي وتحليلها تحليلًا بلاغيًا دقيقًا.
—
أولاً: الاستطراف لغة واصطلاحًا
الاستطراف لغة
تقول: شيء طريف: طيب غريب يكونُ في الثَّمَرِ وغَيرِه، وطَرُفَ الشَّيءُ: صارَ طَريِفًا؛ عن ابن الأعرابي قال: قال خالد بن صفوان: خير الكلام ما طرُفت معانيه، وشرُفتْ مبانيه، والتذَّته آذان سامعيه.
وأطرف فلان: إذا جاء بطُرفة، واستطرف الشيء؛ أي: عدَّه طريفًا، استطرفت الشيء: استحدثته[1]، وهذه طُرفة من الطرف: المستحدث المعجب[2].
الاستطراف في الاصطلاح
إنشاء مشبه يعد طرفة لجدته وغرابته بغية التلذذ به؛ لأن لكل جديد مستحدث لذة في الأعم الأغلب[3]، أو كما يقال: كل جديد مستحب.
ويصح أن يكون بالظاء من الظَّرْف؛ بمعنـى: البراعة وذكاء القلب[4]، وحسن المنطق، وطلاقة اللسان، ولا مانع من إرادة ذلك المعنـى؛ لأن من معاني الظرف: حسن الوجه والهيئة[5]، فيكون استظراف المشبه؛ أي: جعله مستحسنًا جميلاً”؛ لكونه أظهر في وصْف أمر غريب مستحدث”[6] يدل علـى براعة مُوجِده وشاعريته.
إذًا؛ فالتشبيه المستطرف هو: التشبيه الذي يلفت الانتباه بغرابته وندرة مكونات المشبه به أو نفاستها.
وينبع استطرافه مِن إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم، أو جعْل المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن[7].
ولذلك ذَهَبَ البلاغيون القدماء إلـى أن التشبيه إذا قام علـى عناصر متقاربة كل التقارب، كان تشبيهًا عاديًّا مبْتذلاً، فقد ذكر الفارابـي: “أن كثيرًا من الناس يجعلون محاكاة الشـيء بالأمر الأبعد أتم وأفضل من محاكاته بالأمر الأقرب، ويجعلون الصانع للأقاويل التي بهذه الحال أحق بالمحاكاة، وأدخل في الصناعة، وأجرى علـى مذهبها”[8].
ويرى عبدالقاهر أن الصنعة والحذق والنظر الذي يلطف ويدق في أن يجمع البليغ بين أعناق المتنافرات والمتباينات في ربقة، ويعقد بين الأجنبيات معاقد نسب وشبكة، وما شرفت صنعة، ولا ذكر بالفضيلة عمل، إلا لأنهما يحتاجان من دقة الفكر، ولطف النظَر، ونفاذ الخاطر إلـى ما لا يحتاج إليه غيرهما، ولا يقتضيان ذلك إلا مِن جِهَة إيجاد الائتلاف في المختلفات”[9].
—
ثانيًا: وسائل الاستطراف في التشبيه
الغرابة
ونعنـي بها: حسن الجمع بين المتباعدين، والتأليف بين المتضادين؛ بحيث “يؤول التنافر المعجمـي – بواسطة الخيال – إلـى تكامُل سياقـي”[10] يكون أقدر علـى إثارة التأمُّل لما فيه من الحذق واللطف والظرف، وتتجلَّـى هذه الغرابة فـي:
1- إبراز المشبه المعلوم في صورة المشبه به المعدوم:
كما في قول الشاعر:
رَأَيْتُ فَحْمًا سَرَى فِيهِ اللَّهِيبُ حَكَى=بَحْرًا مِنَ المِسْكِ ذَا مَوْجٍ مِنَ الذَّهَبِ
حيث شبه الفحم الذي فيه جمر موقد ببحر من المسك مَوْجُه الذهب، فإنه من الصعب أن تتمثل في خيالك صورة بحر من المسك موجه الذهب حين تنظر إلـى فحم فيه جمر موقد، وإنما استطرف المشبه هنا؛ لإظهاره في صورة الممتنع، وذلك أن المشبه به وهو البحر من المسك الذائب، وأمواجه الذهب ممتنع عادةً، ونادر الحضور في الذهن، وندرة الحضور موجبة لغرابة ذلك النادر، وإذا شُبِّه غير النادر بالنادر المستطرف انتقلتْ صفة الندرة لذلك المشبه، وصار مبرزًا في صورته – أي: بصفته – فينجرُّ الاستطراف إليه.
إذًا؛ فالاستطراف هنا له جهتان: إبراز المشبه في صورة المُمتنع، وإظهاره في صورة نادر الحضور، ولا منافاة بين الجهتَيْن[11].
فالناس في واقع حياتهم الطويلة الممتدة لم يروا ولن يروا مثل هذا البحر العجيب الغريب، الذي لا يتحقق إلا في سبحات الخيال، وأضغاث الأحلام.
ومنه قول السري الرفاء يصف شمعة:
كَأَنَّهَا نَخْلَةٌ بِلاَ سَعَفٍ=تَحْمِلُ أتْرُجَّةً مِنَ النَّارِ
فمثل هذه النخلة (المشبه به) بهذا الوصف الطريف الغريب لا تبرزه العادة يومًا ما، ولا هي حاضرة في الوجود.
ولما كان وجْهُ الشبَه في هذا التشْبيه هيئة اعتبرتْ في الممتنع عادة، لَم يقتضِ أن يكونَ الوجْه أظهر وأعرف[12]؛ لأن هذه الهيئة في المشبه أعرف، إذ هو بنفسه أظهر وأقرب إدراكًا من المشبه به، ولكن لما كان المشبه به أخفـى – ومعلوم أن يلزم من خفائه خفاء وصفه – كان التشبيه أشد استطرافًا علـى ما تقرَّر في جميع الغرائب، وليس وجْهُ الشبه هنا هو منشأ المنْع عادةً، بل منشأ المنع ذات المشبه به[13]؛ بسبب ندرة مكوناته ونفاستها، أو عدم تحققها في واقع الناس.
2- أن يكون المشبه به نادر الحضور في الوجود أو في الذهن:
♦ إما مُطلقًا لبُعْد تصوُّره؛ سواء أخْطَرْتَ المشبه ببالك أم لا – كما في الأمثلة السابقة – فإنه من الصعوبة بمكان أن تتمثل في خيالك صورة بحر من المسك موجه الذهب حين تنظر فحمًا فيه جمر موقد، فإذا أُحضرت هذه الصورة استُطرِفت استطراف النوادر عند مشاهدتها، واستلذت استلذاذ الفلتات لجدتها.
♦ وإما أن تكون ندرة الحضور ليست في كلِّ الأحوال، بل عند حضور المشبه في إبان الحديث عنه، بأن يكون المشبه به مشاهدًا مُعتادًا، لكن مواطنه غير مواطن المشبه؛ لأن كلاًّ منهما من وادٍ غير وادي الآخر، فيبعد حضور أحدهما في الذهن عند حضور الآخر، لبُعد نسبته إليه، كما في قول الشاعر[14]:
وَلَازِوَرْدِيَّةٍ تَزْهُو بِزُرْقَتِهَا= بَيْنَ الرِّيَاضِ عَلَى حُمْرِ الْيَوَاقِيتِ
كَأَنَّهَا فَوْقَ قَامَاتٍ ضَعُفْنَ بِهَا =أَوَائِلُ النَّارِ فِي أَطْرَافِ كِبْرِيتِ[15]
فهو يشبه صورة زهر البنفسج بلونها المائل إلـى الزرقة، وقد أحاطت بها باقة من الورود الحمراء، أقصر منها قامة، بصورة اللهب المشتعل في أوائل عود كبريت.
وهذا التشبيه – في رأي عبدالقاهر – بلغ حدًّا كبيرًا من الإغراب والإعجاب؛ لأن الشاعر جمع فيه بين متباعدين، وهما نبات غض يرف، ولهب نار في جسم مستولٍ عليه اليبس، وبادٍ فيه الكلف[16].
فهذان الطرفان متباعدان لا يفطن إلـى علاقاتهما إلا ذَكِـيٌّ يقِظ، يستطيع أن يستشرف العلاقات الخفية بين الأشياء ليبرزها للمتلقـي في نسق لُغوي أخَّاذ، يصنع صنيع السحر في النفوس، فالنفس تهفو إلـى كل ما هو غريب جديد.
هذا وما بين طرفي الصورة من عمق الفجوة الشعورية أمر لا يحتاج إلـى مزيد بيان، فكلاهما يستدعي إلـى النفس مشاعر متباينة بل متنافرة، مع ما يستدعيها الطرف الآخر، فزهرة البنفسج بنضرتها اليانعة توحي بمعاني الرقة والوداعة والجمال وطيب الرائحة، وهي معانٍ تنتشي بها النفس، وتحلق في عالم الأحلام، بينما لهب الكبريت يوحي بحرارة النار والاحتراق بها، مما يبعث في النفْس الخوف والفزع، وشتَّان ما بين هذه وتلك[17].
ومما يدل علـى دقة الوصف ولطف النظر، تقييده بـ”أوائل”؛ لأن النار متـى طال مقامها في الكبريت وتمكنت منه واشتعلت، احمرَّتْ وصفت، وزال ما فيها من الزرقة، ولهذا قيد أيضًا بقوله “في أطراف”، ولم يقُل: في كبريت؛ لأن أوائل النار الواقعة في أواسط الكبريت لا في أطرافه لا زرقة فيها[18].
ولا يخفـى أن صورة اتِّصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة صورة بحر من المسك موجه الذهب – كما أشرنا سابقًا – لكن يندر حضورها عند حضور صورة البنفسج[19]، فإذا أحضر المشبه به مع صحَّة التشبيه، استطرف لمشاهدة عناق بين صورتين متباعدتين كل التباعُد.
وقد ذهب عبدالقاهر مذهبًا طريفًا في بيان سر الاستطراف في بيتي “البنفسج والكبريت”، فبناه علـى القاعدة النفسية: “ظهور الشيء من معدنه لا يستغرب”.
وقد ظهر الشيء هنا من غير معدنه فعُدّ غريبًا، “ولذلك نجد في تشبيه البنفسج في قوله: “وَلاَزِوَرْدية” أغرب وأعجب وأحق بالولوع، وأجدر من تشبيه النرجس بمداهن در حشوهن عقيق[20]؛ لأنه أراك شبهًا لنبات غض يرف، وأوراق رطبة ترى الماء فيها يشف، بلهب نار مستول عليه اليبس، وباد فيه الكلف”[21]، ولو أنه شبه البنفسج ببعض النبات أو صادف له شبهًا في شيء من المتلونات، لَم تجد له هذه الغرابة، ولم ينلْ من الحسن هذا الحظ”[22].
ورغم ما تجده النفس من أريحية ولذة من بعد معاندة التشبيهات التي تجمع بين متضادَيْن، وتقرب بين متباعدين، فإنها لا تستسيغ دومًا كل جمع بين متباعدين، بل إنها تشترط في مثل هذه التشبيهات “أن تصيب بين المختلفين في الجنس وفـي ظاهر الأمر شبهًا صحيحًا معقولاً، وتجد للملائمة والتأليف السوي بينهما مذهبًا وإليهما سبيلاً”[23]، فإذا توافر عقليًّا الوفاق الحسن مع الخلاف البين – كأن تكون الأفعال سببًا لضدها، أو أن يكون المشبه شيئًا حقيرًا أبرز في صورة شـيء نفيس أو أن يكون شيئًا مكروهًا بغيضًا أبرز في صورة شـيء جميل محبوب، كان ذلك أدعـى إلـى الاستطراف والقبول.
فمن الأول قول الشاعر:
أَعْتَقَنِي سُوءُ مَا صَنَعْتَ مِنَ الرْ=رِقِّ فَيَا بَرْدَهَا عَلَى كَبَدِي
فَصِرْتُ عَبْدًا لِلسُّوءِ فِيكَ وَمَا=أَحْسَنَ سُوءٌ قَبْلي إِلَى أَحَدِ
فهذا مما يثلج الصدر، ويحرك النفس، ويستثير الأريحية لحسن تبدي الأضداد وتآلفها؛ لأن الوفاق بين الأضداد يفتح “أبواب الاتصال بين عالمين جرت العادة علـى اعتبارهما منفصلين”[24] مما يثير في المتلقـي الاستغراب والدهشة، وهنا مكمن الاستطراف.
ومن الثاني: قول ابن المعتز يصف النار[25]:
كَأَنَّ الشِّرَارَ عَلَى نَارِنَا=وَقَدْ رَاقَ مَنْظَرُهُ كُلَّ عَيْنِ
سُحَالَةُ تِبْرٍ إِذَا مَا عَلا=فَإِمَّا هَوَتْ فَفُتَاتُ[26] اللُّجَيْنِ
وقد أخذه أبو هلال العسكري فقال[27]:
أَوْقَدْتُ بَعْدَ الهُدُوِّ نَارًا=لَهَا عَلَى الطَّارِقَيْنِ عَيْنُ
شِرَارُها إِنْ عَلاَ نُضَارٌ=لَكِنَّهُ إِنْ هَوَى لُجَيْنُ
فبناءُ التشبيه هنا اشتمل علـى عُنصرين متضادين متغايرَيْن، مما أظهرهما في معرض الغرابة والجدة، هذا فضلاً عما تعبق به الصورة من دِقَّة الوصْف، وحيوية الحرَكة، وجمال المشْهد، وامتزاج الألوان، إلا أن ابن المعتز كان أكثر توفيقًا، وزاد التشبيه استطرافًا، حيث أضفـى عليه لونًا من الجدة والابتكار باستخدام: “فتات اللجين”، وقد اعتاد الشعراءُ الجمع بين التبْر واللجين دون الفتات.
ومن الثالث: قول أبـي تمام في صفرة المرض[28]:
مَعْدِنُ الحُسْنِ وَالمَلاحَةِ قَدْ أَصْ=بَحَ لِلسُّقْمِ مَعْدِنًا وَقَرَارَا
لَم تَشِنْ وَجْهَهُ المَلِيحَ وَلَكِنْ=جَعَلَتْ وَرْدَ خَدِّهِ جُلَّنَارَا
وهنا أيضًا جمعٌ بين المتضادات في ربقة، وتأليف بين المتنافرات في صورة حية، وعمدٌ إلـى تحسين القبيح؛ إما للتزين، وإما للتهكم، أو التلهّي، أو المُجُون، ومن هنا ينبع الاستطراف.
الأمر إذًا في بلاغة التشْبيه عند عبدالقاهر والبلاغيين العرب عامةً يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعوامل متشابكة، تتمثَّل في مدى ما يكون بين طرفيه من تباين في الجنس أو المكان، ينشأ عنه تباعُد في الحضور الذِّهني والنفسي، وفي كونه في صورة مركبة، ليس ذلك فحسب، بل أيضًا فيما يتوافر بين أجزاء تلك الصورة المرَكَّبة وعناصرها من غرابة وبعد عن المألوف، علـى نحو يمنحها خصوصية تتميَّز بها عن التشْبيهات المتداولة التي يستوي في تصوُّرها العامة والخاصة، ولا تقتصر هذه الخصوصية علـى الجمع بين العناصر المتباعدة المتنافرة، إذ تتعدَّى ذلك إلـى قدرتها علـى التأثير النفسي؛ حيث يشعر المتلقي إزاءها بمشاعر الدهشة والإعجاب لهذه القوة الخيالية التي ألفتْ بين الأشياء المتنافرة، والأجزاء المتباينة تأليفًا مثيرًا.
وقد سبق عبدالقاهر الجرجاني بهذه الفكرة النُّقَّاد المحدثين في الأدب الأوربي، وبصفة خاصة الناقد الشاعر المعاصر (عزرا بوند)، الذي اقترب من فكرة عبدالقاهر عند تناوُله الصورة الشعرية، التي تشمل وجوه البيان المختلفة، من تشبيه واستعارة وكناية، فقد ذكر أن هذه الصورة ليستْ مقصورة علـى تصوير الواقع وتشكيله في لوحة فنية، لكنها تُعنَى بالجمع بين الأفكار المتباعدة والانفعالات المتباينة، بهدف إحداث تأثير حاد، أو صدمة شعورية سريعة في نفس المتلقي.
وقد عمق هذه الفكرة تلميذه الشاعر الناقد ت. س (اليوت)، عند حديثه عن فاعلية “الحس الشعري”، التي تتمثل في قدرته علـى الجمْع بين تجارب وخبرات متنافرة في الظاهر، يضمها قالب فنِّي مترابط أو وحدة عضوية[29].
والذي لا شك فيه أن التشبيه الذي يستند إلـى أمر تبصره العيون أو تكثر مشاهدته في الحياة اليومية، يفقد عنصر الطرافة والجدة إلـى الحد الذي يمكن اعتباره تشبيهًا مبتذلاً، وفي هذا يقول عبدالقاهر: “ذلك أن العيون هي التي تحفظ صور الأشياء علـى النفوس، وتجدد عهدها بها، وتحرسها من أن تدثُر، وتمنعها من أن تزول، ولذلك قالوا: “من غاب عن العين غاب عن القلب”[30].
وعلـى العكس من ذلك التشبيه الذي يقوم علـى أمر تقل رؤيته، وتندر مشاهدته، يُعَد تشْبيهًا غريبًا نادرًا بديعًا (مستطرفًا)؛ لأنه يعتمد علـى “قوة التركيز ونفاذ البصيرة التي تدرك ما لم يسبق لنا أن أدركناه، أو نادرًا ما ندركه، ومن هنا تكون الهزة المفاجأة التي تضعها الصورة، وتكون حالة الارتياح”[31]، ومما يجتمع فيه النُّدرة والتفصيل قول الشاعر أبـي طالب الرقـي:
وَكَأَنَّ أَجْرَامَ النُّجُومِ لَوَامِعًا=دُرَرٌ نُثِرْنَ عَلَى بِسَاطٍ أَزْرَقِ
لأن الناس ترى أبدًا في الصياغات فضَّة قد أجرى فيها ذهب وطليتْ به، ولا يكاد يتفق أن يوجد در قد نثر علـى بساط أزرق[32].
وأظن أن حسن الجمع بين المتباعدات يتولَّد من المفارقة بين تنافُر المتباعدات في الواقع الخارجـي، وانسجامها في التركيب اللغوي لدقة التخيل، فالخيال “لا يظهر في شـيء بقدْر ما يظهر في إحالة فوضـى الدوافع المنفصلة إلـى استجابة موحدة منتظمة”[33]، لذلك ليس من الغريب أن “يؤول التنافر المعجمـي بالخيال إلـى تكامل سياقـي”[34]؛ ليكون أقدر علـى إثارة التأمُّل، وعندما يصل التشبيه إلـى هذا المستوى من اللطافة والرقة والغموض والحداثة، تتحرر فيه الدلالة من إطارها الضِّيِّق لتتَّجه نحو الإيحاء الذي هو ميزة اللغة الشِّعرية.
————————————–
[1] “اللسان” مادة (طرف).
[2] “أساس البلاغة” مادة (طرف).
[3] “فن التشبيه” 1/267.
[4] “اللسان”، مادة (ظرف).
[5] “القاموس المحيط”.
[6] “مواهب الفتاح” 3/403.
[7] “مفتاح العلوم” 183، و”حاشية الدسوقي” 3/404، و”فن التشبيه” 1/267، و”استعادة الماضي” 285.
[8] الفارابـي، “جوامع الشعر” صـ 175.
[9] “أسرار البلاغة” صـ 136.
[10] هكذا تكلم النص صـ 183.
[11] “حاشية الدسوقي” (ضمن “شروح التلخيص”) 3/404.
[12] يجب أن يكون وجه الشبه في المشبه به أظهر وأعرف “وأعلـى حالاً من المشبه لتحصل المبالغة هناك”؛ (الطراز 1/266) في أي نوع من أنواع التشبيه (عدا التشبيه المقلوب)، ولكن في التشبيه المستطرف لا يشترط ذلك، بل كلما كان المشبه به أندر وأخفـى، كان التشبيه لتأدية هذا الغرض أتم وأوفـى.
[13] “مواهب الفتاح” 3/404، وراجع “فن التشبيه” 1/266.
[14] “شروح التلخيص” 3/403، و”أسرار البلاغة” 117.
[15] قوله: ولازِوَرْدية، الواو واو ربَّ، و”لا” من بنية الكلمة “نافية” – وهو بكسر الزاي – واللازِوَرْديَّة صفة لمحذوف؛ أي: رُبَّ أزهار من البنفسج لازوردية، (نسبها الشاعر إلـى الحجر المعروف باللازورد؛ لكونها علـى لونه، فهي نسبة تشبيهية)؛ “حاشية الدسوقي” (ضمن “شروح التلخيص” 3/403)، ومثل القول السابق قول النُّمَيْري:
بَنَفْسَجٌ بِذَكِيِّ المِسْكِ مَخْصُوصُ=مَا فِي زَمَانِكَ إِنْ وَافَاكَ تَنْغِيصُ
كَأَنَّمَا شُعَلُ الكِبْرِيتِ مَنْظَرُهَ=أَوْ خَدُّ أَغْيَدَ بِالتَّخْمِيشِ مَقْرُوصُ
[16] “أسرار البلاغة” 117.
[17] “قراءة الشعر وبناء الدلالة” صـ 246، 247.
[18] “حاشية الدسوقي” 3/404.
[19] لأن الإنسان إذا خطر بباله البنفسج لا تخطر النار بباله لا سيما في أطراف الكبريت، لما بينهما من غاية في البعد؛ لأن البنفسج جِرْم ندى ونور رياض، والنار جِرم حار يابس دياري، فإذا خطر البنفسج في الذهن، فإنما ينتقل منه عن إرادة التشبيه لما يضاهيه من جنس الأزهار – هذا هو الطبيعي – ولكن علـى هذا الحال نشاهد المعانقة والاتصال بين شيئين متباعدين كل التباعد؛ “شروح التلخيص” 3/406.
[20] يشير إلـى قول ابن المعتز: (“أسرار البلاغة” صـ 85).
وَعُجْنَا إِلَى الرَّوْضِ الَّذِي طَلَّه النَّدَى=وَلِلصُّبْحِ فِي ثَوْبِ الظَّلاَمِ حَرِيقُ
كَأَنَّ عُيُونَ النَّرْجَسِ الغَضِّ حَوْلَنَا=مَدَاهِنُ دُرٍّ حَشْوُهُنَّ عَقِيقُ
[21] “أسرار البلاغة” صـ 117.
[22] “أسرار البلاغة” صـ 118 (هـ. ريتر).
[23] “الأسرار” 138، 139.
[24] “بحث في علم الجمال” صـ 576.
[25] “ديوان ابن المعتز” 2/481.
[26] السحالة: ما يسقط من الذهب والفضة عند بردهما؛ أي: برادة الذهب أو الفضة.
[27] “شعر أبـي هلال” صـ 154.
[28] “ديوان أبـي تمام” 2/265.
[29] “النقد الجمالـي” صـ 63.
[30] انظر: “أسرار البلاغة” صـ 151.
[31] “الصورة والبناء الشعري” صـ 33.
[32] “أسرار البلاغة” صـ 146.
[33] “مبادئ النقد الأدبـي” صـ 315.
[34] هكذا تكلم النص صـ 183.
