وقوع (أنْ والفعل) مفعولًا لأجله في القرآن الكريم: دراسة نحوية تحليلية
وقوع (أنْ والفعل) مفعولًا لأجله في القرآن الكريم: دراسة نحوية تحليلية
مقدمة المقال
يُعدّ المفعول لأجله من المنصوبات التي تتعدد صورها وتختلف تقديراتها في الدرس النحوي، ومن أبرز صوره وقوع (أنْ والفعل) بمعنى التعليل، وهو ما ورد في مواضع كثيرة من القرآن الكريم. وقد اختلف النحاة في تخريج هذه الشواهد بين مدرستين: الكوفية التي ذهبت إلى تقدير لام العلة مع (لا) النافية، والبصرية التي ذهبت إلى تقدير (كراهة) أو (خشية) محذوفة. ويقف هذا المقال موقفًا نقديًا من هذه التقديرات جميعًا، ويرى أن الأخذ بها يؤدي إلى قلب دلالة الشاهد القرآني من الإثبات إلى النفي، وهو ما لا يجوز في كتاب الله. ويهدف المقال إلى تقديم تأويل جديد يقوم على تفسير هذه الشواهد بدلالة الإثبات، وبيان الغرض البلاغي من ورودها مثبتة، مع الاستشهاد ببعض الشواهد القرآنية والنصوص التفسيرية التي تؤيد هذا الاتجاه.
—
أولاً: تعريف المفعول لأجله ووقوع (أنْ والفعل) موقعَه
مفهوم المفعول لأجله
المفعول لأجله، ويسمى المفعول له، والمفعول من أجله، هو الاسم المنصوب الذي يُذكر لبيان سبب وقوع الفعل قبله، ويُعرب هذا الإعراب إن أبان تعليلًا. وقد وردت (أنْ) والفعل بهذا المعنى في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 73].
سياق الآية ومعناها
وهذا من كلام اليهود فيما بينهم، ويكون قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ كلامًا معترضًا بين كلامين.
واختلف في تأويل هذه الآية على أقوال، أصحها: وقالت طائفة من أهل الكتاب: لا تُظهروا ما عندكم من العلم إلا لمن كان على دينكم، العلم المتعلق بصفة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، المكتوب في التوراة؛ كراهة أن يطّلع عليه المشركون، فيكون ذلك عونًا لهم على تصديقه، وكراهة أن يطلع عليه المسلمون أيضًا، فيتعلموه منكم، فيحاجوكم به؛ أي: يتخذونه حجة عليكم[1].
اختلاف النحاة في تخريج (أنْ يؤتى)
فقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ بتقدير: لئلا يؤتى، عند الكسائي والفراء من الكوفيين، فقبل (أنْ) لام العلة مقدرة، وأُضمرت (لا) أو حُذفت؛ لأن في الكلام دليلًا عليها. وقال البصريون: إن (لا) لا تُضمر وليست مما يحذف، بل التقدير: كراهة أنْ يؤتى، فحذف (كراهة)؛ لأن في الكلام دليلًا عليها، وحُذف المضاف، ونيابة المضاف إليه منابه في المعنى والإعراب، جائز في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]، والتقدير: واسأل أهل القرية. وقيل: إنها تفيد النفي كـ(إنِ) المكسورة، وقيل: إن المعنى: ولا تؤمنوا بأنْ يؤتى، وقال ابن هشام: ((والصواب أنها مصدرية وقبلها لام العلة مقدرة))[2]، والراجح ما تقدم ذكره.
—
ثانيًا: شواهد قرآنية أخرى لوقوع (أنْ والفعل) مفعولًا لأجله
آية سورة النساء: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]، قال الفراء: ((معناه: ألا تضلوا))[3]، وجعل ابن قتيبة الآية بمعنى: لئلا تضلوا[4]، وهذا هو مذهب الكوفيين[5]. والتقدير عند البصريين: كراهة أن تضلوا، وهو مفعول لأجله. والقول الثالث: إن المعنى: يبيّن الله لكم الضلالة، فإذا بيّنها لكم اجتنبتموها[6].
مناقشة ابن عاشور للقول الثالث
واستبعد ابن عاشور هذا الوجه، فقال: ((وقد جعل بعض المفسرين (أنْ تضلوا) مفعولًا به لـ(يبين)، وقال: المعنى إن الله فيما بينه من الفرائض، قد بيّن لكم ضلالكم الذي كنتم عليه في الجاهلية، وهذا بعيد؛ إذ ليس ما فعلوه في الجاهلية ضلالًا قبل مجيء الشريعة؛ لأن قسمة المال ليست من الأفعال المشتملة على صفة حسن وقبيح بينه، إلا إذا كان فيها حرمان لمن هو حقيق بالمؤاساة والمبرة، ولأن المصدر مع (أنْ) يتعين أنْ يكون بمعنى المستقبل؛ فكيف يصح أنْ يُراد بـ(أنْ يضلوا) ضلالًا قد مضى))[7].
تعليق الباحث على كلام ابن عاشور
وقول ابن عاشور هذا يكون صحيحًا ومقبولًا، إذا كان المراد بيان ضلالهم فيما مضى، ولم يكن في محله إذا كان المراد بيان ضلالهم فيما يأتي، ولا مانع من إرادة هذا المعنى.
آية سورة المائدة: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ [المائدة: 19]، والمعنى: كي لا تقولوا[8]، أو لئلا تقولوا[9]، أو كراهة أنْ تقولوا[10]، وهذه التقديرات معانيها متقاربة.
شواهد أخرى متعددة
فمثل قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15]، يصح أنْ يكون بتقدير: كراهة أنْ تميد بكم، أو لئلا تميد بكم، أو كي لا تميد بكم[11]، وتميد: بمعنى تضطرب، والمعنى: من أجل أنْ لا تضطرب بكم.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: 83]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: 25]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]، والآية نزلت في أُناس حلفوا ألا يصلوا بعض أرحامهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6]، وبدارًا: تبادرون أكل أموال اليتامى قبل بلوغهم، فيكون التقدير: كراهة أنْ يكبروا، أو لئلا يكبروا، وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70]، ومعنى تُبسل: تُحبس، أو تُؤخذ، أو تُرتهن، أو تُسلم إلى الهلاك، والمعنى: وذكِّرهم بالقرآن كراهة أنْ تسلم نفس إلى الهلاك بذنوبها، وقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج: 65]؛ أي: كراهة أن تقع، أو لئلا تقع، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: 41]؛ أي: كراهة أن تزولا، أو لئلا تزولا، وقوله تعالى في حديث الإفك: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: 17]؛ أي: يعظكم الله كراهة أنْ تعودوا للخوض في مثل هذا البهتان، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: 22]، نزلت هذه الآية الكريمة في أبي بكر (رضي الله عنه)، فإنه كان ينفق على مسطح لفقره، ولأنه أحد أقربائه، فلما خاض مع الخائضين في حديث الإفك، أقسم أنْ لا ينفق عليه قط، فنزلت والمعنى: ولا يحلف أُولو الفضل منكم والسعة كراهة أنْ يعطوا، أو لئلا يعطوا أُولي قرابتهم[12].
—
ثالثًا: التقديرات النحوية بين المدرستين الكوفية والبصرية
أسبقية التقديرين لمدرسة مقاتل بن سليمان
والقولان السابقان اللذان قال بهما البصريون والكوفيون، قد قيل بهما في تفسير القرآن الكريم، قبل أن تكون هناك مدرسة كوفية، وقبل أن تُميز المدرسة البصرية منها، أو تقترن بها، فقد وجدتُ هذين التقديرين في تفسير مقاتل بن سليمان المتوفى سنة 150هـ، قبل الخليل وسيبويه من البصريين، وقبل أبي جعفر الرؤاسي أول من كتب في النحو الكوفي[13].
نماذج من تفسير مقاتل بن سليمان
فقد قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176]، ((لئلا تُخطؤوا قسمة المواريث))[14]، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ [المائدة: 19]، ((يعني لئلا تقولوا))[15]، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: 25]، ((يعني ثقلًا لئلا يسمعوا القرآن))[16]، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: 70]، ((يعني لئلا تبسل نفسٌ))[17]، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج: 65]، ((يقول: لئلا تقع على الأرض))[18]، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: 41]، ((ألا تزولا من موضعهما))[19]، وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6]، ((يقول: يبادر أكلها خشية أن يبلغ اليتيم الحلم، فيأخذ منه ماله))[20].
—
رابعًا: نقد التقديرات النحوية وبيان الرأي الراجح
المآخذ على تقديرات النحاة
وجعل: أن والفعل فيما تقدم بتقدير: كراهة أن، أو خشية أن؛ كما جاء في تفسير مقاتل، وقال به البصريون، أو لئلا، أو من أجل أن لا، كما جاء أيضًا في تفسير مقاتل، وقال به الكوفيون، فيه نظر؛ لأن في ذلك قلبًا وتحريفًا لدلالة الشاهد القرآني من الإثبات إلى النفي، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أنه إذا أخذنا بما ذهب إليه النحاة أن قوله تعالى مثلًا: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176]، بمعنى: يبيّن الله لكم من أجل أن لا تضلوا، فما الفرق إذًا في المعنى بين الإثبات والنفي؟! ولِمَ قال سبحانه أن تضلوا، ولم يقل أن لا تضلوا؟! أكان الله تعالى ذكرُه يُعجزه ذلك، أم أنه جل وعلا أخطأ حين قال أن تضلوا؟! فأراد النحاة أن يصحِّحوا هذا الخطأ بجعلها بالتقدير الذي ذهبوا إليه؟!
خطورة التسوية بين المثبت والمنفي
ففي الأخذ بمذهب النحاة هنا مأخذٌ كبير، كما أنه يحدث ثغرة كبيرة في اللغة والتعبير القرآني؛ لأن في مذهبهم هذا دعوى إلى تساوي المثبت والمنفي، وجواز أن يحل أحدهما محل الآخر؛ أي: هي دعوى إلى تساوي الألفاظ والتراكيب المتناقضة في دلالاتها. فمن أجل تفادي هذه المآخذ، وجب عدم الأخذ بتقديرات النحاة، ووجب تفسير هذه الشواهد القرآنية بدلالة الإثبات، كما جاءت على ظاهرها، وكما أُنزلت من لدن الخبير الحكيم.
التأويل الجديد: الإثبات لا النفي
لذا يجب تأويل الآية على أساس هذه الحقيقة، فنقول ومن الله الهدى والسداد: إن (أن والفعل)؛ أي: أن تضلوا، في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176]، جيء بها بصيغة الإثبات من أجل أن تكون سببًا وعلة للتبيين، لا أن يكون التبيين سببًا وعلة لها، فليس المعنى إذًا كما توهَّم النحاة قبل التقدير: يبيِّن الله لكم من أجل أن تضلوا، بل المعنى المراد: يبين الله لكم من أجل أنكم تضلون، أو من أجل أنكم تضلون يبيِّن الله لكم، أو يبيِّن الله لكم بسبب أنكم تضلون، أو بسبب أنكم تضلون يبيِّن الله لكم.
الغرض البلاغي من الإثبات
والغرض من ورود: أن والفعل هنا مثبتًا ثلاثة أمور:
– الأول: إثبات حصول مضمونه، فقد أثبت وقوع الضلال عندما جعله سببًا للتبيين.
– الثاني: إظهار العلة الحقيقية للتبيين.
– الثالث: إبراز حاجة الإنسان إلى شرع الله؛ ذلك أنه يضل إذا ابتعد عن هداه، فالضلال داء، ولا دواء له إلا اتِّباع الكتاب والسنة.
تطبيق التأويل الجديد على شواهد أخرى
وكذلك كان الغرض من مجيء أن والفعل مثبتًا في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15]، وهو إثبات حصول اضطراب الأرض عندما جعل اضطرابها سببًا لخلق الجبال فوقها، ولإظهار العلة من وضع الجبال، وحاجة الأرض إليها لاستقرارها، والمعنى: ألقى في الأرض رواسي من أجل أنها تميدُ بكم، أو بسبب أنها تميدُ بكم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: 17]: فليس المعنى كما ذهب النحاة، واقتضاه تقديرهم: يعظكم الله من أجل أن لا تعودوا لمثله، بل المعنى الحقيقي: يعظكم الله بسبب أنكم تعودون لمثله، أو يعظكم الله من أجل أنكم تعودون لمثله، وقد عادوا لمثله في هذه الأيام، وكذلك يقال الكلام نفسه في بقية الشواهد القرآنية.
إعراب (أنْ والفعل) في حال الإثبات
وإذا كان لا بد من استعمال مصطلح المفعول لأجله في إعراب: أن والفعل في حال الإثبات، في مثل هذه الشواهد القرآنية، فإن الموافق لحقيقة تأويلها أن يُعرب مفعولًا لأجله مقدمًا؛ لأنه كان سببًا وعلة لما قبله، ولو قال: يبيِّن الله لكم أن لا تضلوا، لكان التبيين سببًا وعلة لعدم الضلال، واقتضى عندئذٍ إعراب: أن والفعل المنفي مفعولًا لأجله مؤخرًا، وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: 7، 8]، والمعنى: وضع الميزان من أجل أن لا تطغوا في الميزان.
—
خاتمة المقال
وبعد هذا العرض التفصيلي لوقوع (أنْ والفعل) مفعولًا لأجله في القرآن الكريم، يتبين أن التقديرات النحوية التي ذهب إليها الكوفيون والبصريون، على الرغم من شهرتها، لا تخلو من مآخذ كبيرة، أهمها قلب دلالة الشاهد القرآني من الإثبات إلى النفي. وقد اقترحنا بديلًا يقوم على تفسير هذه الشواهد بدلالة الإثبات كما جاءت على ظاهرها، مع بيان الغرض البلاغي من ورودها مثبتة، وهو إثبات حصول مضمونها، وإظهار العلة الحقيقية للتبيين، وإبراز حاجة الإنسان إلى شرع الله. وهذا التأويل الجديد يتفق مع إعجاز القرآن الكريم، وعدم جواز التسوية بين المثبت والمنفي في التعبير القرآني.
————————————
[1] ينظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ص 31، 15، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج، 1/362، 363، وإعراب القرآن للنحاس، ص140، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي، 1/330-331، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 4/112، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، 1/273، وفتح القدير للشوكاني، 1/431.
[2] مغني اللبيب، 1/36.
[3] معاني القرآن 1/204.
[4] ينظر: تأويل مشكل القرآن ص 225.
[5] ينظر: مجالس ثعلب 1/113، وشرح القصائد السبع لأبي بكر بن الأنباري ص 420-421.
[6] ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج، 2/131، وإعراب القرآن للنحاس، ص220، ومشكل إعراب القرآن للقيسي، 1/216، والوسيط في تفسير القرآن المجيد للواحدي النيسابوري، 2/146، والبيان في غريب إعراب القرآن، 1/281، والتسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الكلبي، 1/360، والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، 3/574، والجنى الداني، ص225، ومغني اللبيب، 1/36.
[7] التحرير والتنوير 4/343.
[8] ينظر: معاني القرآن للفراء، 1/208، وإعراب القرآن للنحاس، ص228، وزاد المسير في علم التفسير، 2/190.
[9] ينظر: مجالس ثعلب 1/113، وشرح القصائد السبع لأبي بكر بن الأنباري ص 420-421.
[10] ينظر: إعراب القرآن للنحاس، ص228.
[11] ينظر: إعراب الحديث النبوي، للعكبري ص 229، 279، والبرهان في علوم القرآن، للزركشي ص 1061.
[12] ينظر: معاني القرآن وإعرابه، 3/157، 199، 5/27، وملخص إعراب القرآن للتبريزي ص171، وزاد المسير في علم التفسير، 1/213، 2/10، 3/50-51، 5/326، 372-373، 6/286.
[13] أول من وضع من الكوفيين كتابًا في النحو الكوفي، هو أبو جعفر الرؤاسي المتوفى سنة 187هـ أستاذ الكسائي والفراء، ينظر: بغية الوعاة 1/81، والأعلام للزركلي 6/271.
[14] تفسير مقاتل بن سليمان 1/275.
[15] المصدر نفسه 1/290.
[16] المصدر نفسه 2/259.
[17] المصدر نفسه 1/353.
[18] المصدر نفسه 2/389.
[19] المصدر نفسه 3/79.
[20] المصدر نفسه 1/215.
