أحكام التوابع: التوكيد المعنوي وألفاظه

أحكام التوابع: التوكيد المعنوي وألفاظه

التوكيد المعنوي: تعريفه وألفاظه

التوكيد المعنوي تابع نحوي يُذكر لتقرير المعنى في ذهن السامع ورفع أي احتمال للمجاز أو التخصيص. ينقسم هذا المقال إلى محاور متسلسلة تتناول كافة ألفاظ التوكيد المعنوي وضوابطها؛ فيبدأ بتوضيح فائدة التوكيد بـ “النفس والعين” لإثبات الذات ونفي تقدير مضاف، مشيراً إلى وجوب إضافتهما لضمير يطابق المؤكَّد وجمعهما على وزن “أفعل” مع المثنى والجمع. ثم ينتقل المقال لبحث “كلا وكلتا” اللتين تُستخدمان لتوكيد المثنى بشروط محددة؛ كأن يصح حلول المفرد محلهما وأن يضافا إلى ضمير، مع إعرابهما بأسماء ملحقة بالمثنى رفعاً بالألف ونصباً وجراً بالياء. عقب ذلك، يشرح المقال توكيد الشمول والإحاطة بالألفاظ “كل، جميع، عامة”، موضحاً شرط اتصالاتها بضمير وأن يكون المؤكَّد ذا أجزاء حقيقية أو متجزئاً باعتبار عامله. ختاماً، يتطرق المقال إلى لفظ “أجمع” وتوابعه من نحو “أكتع وأبتع وأبصع”، مشيراً إلى أنها تُذكر لتقوية التوكيد وغالباً ما تأتي متأخرة عن “كل” أو مُستعملة بمفردها في مواضع المبالغة.

عناصر الموضوع:

1- التوكيد المعنوي: تعريفه.

2- ألفاظ التوكيد المعنوي: النفس والعين.

3- ألفاظ التوكيد المعنوي: كلا وكلتا.

7- ألفاظ التوكيد المعنوي: كل وجميع وعامة.

4- ألفاظ التوكيد المعنوي: أجمع وتوابعه.

التوكيد المعنوي: تعريفه

التوكيد المعنوي هو التابع الرافع احتمال:

1- إضافة إلى المتبوع «المؤكد»؛ نحو: جاء زيد نفسه.

فذلك المثال ذكر «نفسه»، يفهم منه السامع أن الذي جاء هو زيد، ولكن يحتمل أن يكون الكلام على تقدير مضاف قبل زيد، والتقدير: جاء رسول زيد. فلما قال: «نفسه». أزال ذلك الاحتمال، وأثبت الحقيقة، وتقرر عند السامع أنك لم ترد إلا مجيء «زيد» نفسه [30].

2- الخصوص بما ظاهره العموم؛ نحو:

جاء القوم كلهم. إذ لو قلت: جاء القوم. فقط، لاحتمل أن يكون الجائي بعضهم، فلما قلت: كلهم. كان ذلك نصًا على العموم، ورافعًا لاحتمال الخصوص [31].

والتوكيد المعنوي يكون بألفاظ مخصوصة؛ كـ: «النفس، والعين، وكل» ونحوها، كما مثلنا هنا، وكما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.

ألفاظ التوكيد المعنوي: النفس والعين

التوكيد المعنوي له ألفاظ مخصوصة معلومة عن طريق التتبع والاستقراء [32] لكلام العرب، وأجمع اللغويون عليها، كما حكى ذلك السيوطي في «الأشباه»، والهمع، وغيرهما، وهذه الألفاظ هي:

النفس [33]، والعين، وهما بمعنى الذات [34]، ويجب أن يضاف كل واحد من هذين إلى ضمير عائد على المؤكد، مطابق له في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث؛ ليحصل الربط بين المؤكد والمؤكد:

فإن كان المؤكد مفردًا:

مذكرًا أو مؤنثًا، كان الضمير مفردًا، ولفظ التوكيد مفردًا أيضًا وجوبًا، تقول، جاء علي نفسه، أو عينه. وصلت هند نفسها، أو عينها.

وإن كان المؤكد جمعًا؛ مذكرًا أو مؤنثًا كان الضمير هو الجمع، ولفظ التوكيد مجموعًا أيضًا وجوبًا [35]، ويكون جمعه على وزن «أفعل» [36]، تقول: جاء الرجال أنفسهم، وشهد بفضلك الأعداء أعينهم، وجاءت الفاطمات أنفسهن، وكتبت النساء أعينهن الدرس.

إن كان المؤكد مثنى؛ مذكرًا أو مؤنثًا، فالأحسن أن يكون الضمير مثنى، ولفظ التوكيد مجموعًا [37]. تقول: حضر الرجلان أنفسهما، وجاءت الهندان أعينهما [38].

ألفاظ التوكيد المعنوي: كلا وكلتا

ومن ألفاظ التوكيد المعنوي كذلك:

 «كلا» للمثنى المذكر، «وكلتا» للمثنى المؤنث، وهما لفظان يؤكد بهما المثنى خاصة؛ لأنهما مثنيان معنى، فلا يستعملان في المفرد والجمع، وهما بمنزلة «كل» في المعنى، فهما يؤكد بهما لرفع احتمال إرادة واحد من الاثنين، تقول: جاء الزيدان، فيحتمل مجيئهما، وهو الظاهر، ويحتمل مجيء أحدهما، وأن المراد أحد الزيدين، فإذا قيل: كلاهما. اندفع هذا الاحتمال، وإنما يؤكد بهما بشروط:

1- أن يكون المؤكد بهما دالًّا على اثنين، فلا يستعملان في المفرد والجمع، فلا يقال: جاء محمد كلاه. أو: جاء الرجال كلاهم.

2- أن يصح حلول الواحد محلها، فلا يجوز على المذهب الصحيح أن يقال: اختصم الزيدان كلاهما. بل يجب أن تحذف كلمة «كلاهما»؛ لأنه لا يصح أن يحل المفرد محل المثنى، فلا يقال: اختصم زيد [39]: لأن الاختصام لا يكون إلا من اثنين فأكثر، لأن صيغة «افتعل» تقتضي المشاركة، ولا تقع من الواحد، وهكذا ما أشبهه؛ نحو: تعاهد سليم وخالد كلاهما. فلم يكن هناك حاجة إلى توكيد ذلك؛ لأن السامع لا يعتقد، ولا يتوهم أنه حاصل من أحدهما دون الآخر.

3- أن يكون ما أسند إليها غير مختلف المعنى، فلا يجوز: مات زيد، وعاش عمرو كلاهما. لاختلاف معنى ما أسند إليهما [40]. ولا يضر اختلاف اللفظ، فيجوز: انطلق زيد، وذهب عمرو كلاهما. وهذا هو ما جزم به ابن مالك تبعًا للأخفش.

4- أن يتصل بهما ضمير مثنى عائد على المؤكد بهما، ولا بد أن يطابقه، ولا يضر أن يكون للمتكلم، أو للمخاطب، أو للغائب، فيقال في المتكلم مثلًا: أكرمنا عبد الله كلينا، وفي المخاطب: أكرمكما عبد الله كليكما. وفي الغائب: بر والديك كليهما، وصن يديك كلتيهما عن الأذى، ولا يصح حذف الضمير، ولا تقديره؛ ليحصل الربط بين المؤكد والمؤكد.

ويعرب كل من «كلا، وكلتا» إعراب المثنى، فيرفعان بالألف، وينصبان ويجران بالياء. فيقال على سبيل المثال في إعراب «كلاهما» في قولك: سافر الرجلان كلاهما. «كلاهما»، توكيد معنوي، والتوكيد يتبع المؤكد في إعرابه، وهنا قد تبعه في رفعه، وعلامة رفعه الألف؛ لكونه ملحقًا بالمثنى.

ويقال في إعراب «كليهما» في قولك: رأيت الطالبين كليهما. «كليهما». توكيد معنوي منصوب. وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بالمثنى.

ألفاظ التوكيد المعنوي: كل وجميع وعامة

ومن ألفاظ التوكيد المعنوي:

 «كل [41]. وجميع. وعامة» [42]. وهذه الثلاثة تكون بمعنى الإحاطة والشمول [43]. ولذلك لا يؤكد بها إلا ما كان ذا أجزاء، وهي إنما يؤكد بها بشروط: هي:

1- أن يكون المؤكد بها غير مثنى: استغناء عنها بـ«كلا، وكلتا»، فلا يؤكد بها إلا الجمع بنوعيه: المذكر والمؤنث، والمفرد بنوعيه؛ المذكر والمؤنث، ولكن بشرط أن يكون له أجزاء باعتبار عامله، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، في الشرط الثاني.

ومثال جمع: صلى المسلمون كلهم صلاة العيد، ودعوا جميعهم لإخوانهم المستضعفين، وتصدقوا عامتهم على الفقراء والمساكين.

ومثال المفرد: اشتريت العبد كله، والأمة جميعها، وأكلت الرغيف عامته.

2- وأن يكون المؤكد بها متجزئًا بذاته [44]، أو بعامله [45]؛ فمثال ما يتجزأ بذاته: قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [46]. وقولك: جاء القوم كلهم أجمعون [47].

ومثال ما يتجزأ بعامله: اشتريت العبد كله، والأمة جميعها. فإن العبد، وكذلك الأمة: مجزأ باعتبار الشراء. فمن الممكن أن أشتري بعضه. وإن كان لا يتجزأ باعتبار ذاته [48].

ومثال ذلك أيضًا: أن تقول: أكلت الرغيف كله، لأن الرغيف يتجزأ باعتبار الأكل، فمن الممكن أن تأكل نصفه، أو ثلثه.

3- وأن يضاف كل من هذه الثلاثة إلى ضمير مطابق للمؤكد في الإفراد، والتثنية، والجمع، والتذكير، والتأنيث [49]؛ ليحصل الربط بين المؤكد والمؤكد [50]؛ نحو: جاء الجيش كله، وحضر الرجال جميعهم، وجاءت الناس عامتهم.

ومن ذلك: ما رواه مسلم رحمه الله في صحيحه 2/893 (149)، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم. ووقفت ههنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا، وجمع كله موقف» [51].

ألفاظ التوكيد المعنوي: أجمع وتوابعه

ومن ألفاظ التوكيد المعنوي أيضًا:

أجمع، وهو بمعنى الإحاطة والشمول؛ كـ«كل، وجميع»، ولذلك لا يؤكد به إلا الجمع [52]، فلا يصح أن تقول: جاء زيد أجمع [53]. ولا يؤكد بهذا اللفظ غالبًا إلا بعد لفظ «كل» [54]، فتتبع «كله» بـ«أجمع»، و«كلها» بـ«جمعاء» [55]، و«كلهم» بـ«أجمعين» [56]، و«كلهن» بـ«جمع»، ويكون ذلك تقوية للتوكيد.

ومثال ذلك: أن تقول: جاء الصف كله أجمع – جاءت القبيلة كلها جمعاء – جاءت النساء كلهن جمع. وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. وقد يؤكد بـ«أجمع، وجمعاء، وأجمعين، وجمع»، وإن لم يتقدمهن لفظ «كل»، وهو وإن كان كثيرًا في نفسه إلا أنه قليل بالنسبة إلى التوكيد بها مع «كل»، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [57]. وقوله عز وجل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله سبحانه: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله سبحانه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله عز وجل: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون» [58]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فله سلبه أجمع» [59].

ومن ألفاظ التوكيد المعنوي أيضًا:

توابع «أجمع» [60]، وهي: أكتع، وأبتع، وأبصع [61]، وهذه الثلاثة كلها بمعنى «أجمع» [62]، و«أجمع» قد سبق أن معناها الإحاطة والشمول، وهذه الألفاظ الثلاثة لا بد أن يسبقها:

«أجمع»؛ نحو: جاء الجيش كله أجمع أكتع أبصع أبتع [63].

أو إحدى صيغها؛ نحو [64]:

جمعاء، ومثال ذلك: اشتريت هذه الدار جمعاء كتعاء بصعاء بتعاء.

أجمعين؛ نحو: رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين أبتعين.

جمع؛ نحو: طلقت زوجاتي جمع كتع بصع بتع [65].

وربما أكد بـ«أكتع»، و«أكتعين» غير مسبوقين بـ«أجمع، وأجمعين»؛ وذلك نحو قول الراجز:

يا ليتني كنت صبيا مرضعًا  تحملني الذلفاء حولًا أكتعا

وقول أعشى ربيعة:

تولوا بالدوابر واتقونا  بنعمان بن زرعة أكتعينا

وحمل الجمهور ذلك على الضرورة [66].

——————————————–

 [30] وهذه هي فائدة التوكيد بلفظي «النفس، والعين» من ألفاظ التوكيد المعنوي الآتي ذكرها، إن شاء الله تعالى في الصفحة القادمة.

[31] وهذه هي فائدة التوكيد بباقي ألفاظ التوكيد المعنوي الآتي ذكرها، إن شاء الله تعالى في الصفحة القادمة.

[32] هذه الألفاظ تحفظ، ولا يقاس عليها ألفاظ أخر.

[33] بسكون الفاء.

[34] فالنفس هنا بمعنى الذات، وإنما نصصنا على ذلك: لأن النفس لها إطلاقان، فتطلق على الروح، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ أي: الروح بالروح، وقوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده»؛ أي: روحي بيده.

[35] فلا يجوز مثلًا: جاء الزيدون نفسهم، أو عينهم. لأن لفظ التوكيد مفرد.

[36] أي: يجمعان على أنفس، وأعين، لا على نفوس، وعيون، ولا على أعيان: فإنه لا يؤكد بشيء من ذلك.

[37] ويكون هذا الجمع على وزن «أفعل» كذلك، وهذه هي أفصح اللغات، بل قد صرح ابن مالك في «التسهيل»، وابن هشام في القطر بوجوب جمع النفس والعين في توكيد الاثنين.

[38] وكان القياس: نفساهما. عيناهما. لكنهم عدلوا عن ذلك في اللغة الفصحى، كراهة اجتماع تثنيتين – هما، الألف في نفسا، وعينا، والضمير «هما» الواقع بعد الألف – فيما هو كالشيء الواحد، فعدلوا إلى الجمع: لأن التثنية جمع في المعنى.

[39] فلا يحتمل أن يكون المراد أحد الزيدين.

[40] ولذلك كانت القاعدة عند النحاة، أنه إذا أريد توكيد معمولي متعاطفين فإنه لا يتحد المؤكد إلا عند اتحاد معنى العامل؛ نحو: قعد أحمد، وجلس أشرف كلاهما.

[41] ولا حجة كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾. في قراءة من نصب؛ لأن «كلا» بدل من اسم «إن».

[42] «عامة» بنفس معنى «كل، وجميع»، كما قال سيبويه في «الكتاب»، وابن مالك: والتاء في آخر «عامة» زائدة لازمة. لا تفارقها في إفراد، ولا في تذكير، ولا في فروعهما. وهي للمبالغة، وليست للتأنيث.

[43] فهي يؤكد بها لثبوت العموم، ونفي احتمال الخصوص بالبعض، وجه ذلك: أنك إذا قلت: جاء الجيش. احتمل أن يكون المراد. جاء الجيش كله، أو جاء بعضه، فإذا قلت، كله، أو جميعه، أفاد الإحاطة والشمول، وأن الجيش جاء كله.

[44] وهذا هو الجمع بنوعيه؛ المذكر والمؤنث، والمعنى: أن يكون المؤكد بهذه الثلاثة ذا أجزاء حقيقية، وذلك بأن يصح انفصال بعض الأجزاء عن بعضها. كما سيتضح ذلك بالمثال الآتي قريبًا إن شاء الله.

[45] وهذا هو المفرد بنوعيه؛ المذكر والمؤنث فإنه وإن كان لا يتجزأ باعتبار ذاته. ولكنه قد يتجزأ باعتبار عامله، كما سيأتي إن شاء الله قريبًا.

[46] سورة الحجر، الآية 30.

[47] فإن القوم عبارة عن أشخاص مجموعة، يصح افتراقها.

[48] وعليه فإنه لا يجوز، جاء زيد كله، أو جميعه، أو عامته؛ لأن «زيدًا» لا يتجزأ باعتبار ذاته، لأنه واحد، ولا باعتبار عامله؛ لأن المجيء واحد.

[49] وهذه الألفاظ الثلاثة «كل، وجميع، وعامة» لا تختلف باعتبار الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، وإنما الذي يختلف هو ذلك الضمير المضاف إليها. العائد على المؤكد.

[50] ولا يجوز حذف هذا الضمير؛ استغناء بنية الإضافة، ولا حجة في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. على أن المعنى: «جميعه»، بل «جميعًا» حال.

[51] صحيح مسلم، كتاب الحج، حديث رقم 149.

[52] أو المفرد، ولكن بنفس الشرط السابق ذكره في «كل، وجميع، وعامة». وهو أن يكون هذا المفرد ذا أجزاء باعتبار عامله: كقولك: اشتريت العبد كله أجمع.

[53] وذلك لأن زيدًا هنا لا يتجزأ، لا باعتبار ذاته، لأنه مفرد، ولا باعتبار عامله، لأن المجيء واحد.

[54] ولما كان الغالب في هذه الألفاظ ألا يؤكد بها إلا بعد لفظ «كل» استغنت عن أن تتصل بضمير يعود على المؤكد.

[55] ولا يجوز تثنية «أجمع، وجمعاء»؛ ليؤكد بهما المثنى، فلا يقال: جاء الزيدان أجمعان، ولا: جاءت الهندان جمعاوان. هذا هو مذهب جمهور البصريين، وهو الصحيح؛ لأن ذلك لم يسمع، واستغناء عنهما بتثنية «كلا، وكلتا»، كما استغنوا بتثنية «سي» عن تثنية «سواء». وتثنية «جزء» عن تثنية «بعض»؛ فإنه يقال: زيد وعمرو سيان في الفضيلة. ولا يقال: سواءان. ويقال: جزءان. ولا يقال: بعضان.

[56] نصبًا وجرًا، أما في حالة الرفع فيؤكد بـ«أجمعون»، ومن ذلك: قولك: رأيت المسلمين كلهم أجمعين يصلون. وقولك: نظرت إلى المسلمين كلهم أجمعين، وهم يصلون، فأعجبني اصطفافهم. وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. فـ«كل» في هذه الآية توكيد معنوي مرفوع: لأن المؤكد «الملائكة» مرفوع، و«أجمعون»، توكيد ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو.

[57] فـ«أجمعين» توكيد للضمير «الهاء»، والتوكيد يتبع المؤكد في إعرابه – كما سيأتي إن شاء الله – فتبعه هنا في نصبه، وعلامة نصبه الياء؛ نيابة عن الفتحة، لأنه جمع مذكر سالم.

[58] رواه البخاري (689)، ومسلم (411) (77)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[59] رواه مسلم (1754) (45)، من حديث سلمة بن الأكوع.

[60] ذكر توابع «أجمع» هنا هو من زيادات الآجرومية على الألفية، وإنما تركها ابن مالك رحمه الله في الألفية؛ لأن التوكيد بها قليل.

[61] وإنما سميت هذه الألفاظ الثلاثة توابع «أجمع»؛ لأنها لا يؤتى بها غالبًا إلا بعد «أجمع»، كما سنوضح قريبًا، إن شاء الله.

[62] وجه ذلك: أن «أكتع» مأخوذة من قولهم: تكتع الجلد؛ أي: تقبض وتجمع، ففيه معنى الجمع، و«أبتع» من البتع، وهو طول العتق، والقوم إذ كانوا مجتمعين طالت أعناقهم، وهو كناية عن الاجتماع، فيكون بمعنى «أجمع» أيضًا. و«أبصع» من تبصع العرق إذا سأل: وهو لا يسيل إلا إذا تجمع، فيكون بمعنى «أجمع» أيضًا. ففي التوكيد بكل من هذه الثلاثة إشارة إلى أن المؤكد اجتمعت أجزاؤه، ولم يتخلف منها شيء.

[63] والظاهر من كلام النحويين أن «أبصع، وأبتع» لا يأتيان إلا مسبوقين بـ«أكتع»، ويجوز أن يأتي «أكتع» بعد «أجمع» بدونهما، وليعلم أنه إذا تكررت ألفاظ التوكيد فهي للمؤكد، كالصفات المتوالية. وليس الثاني توكيدًا للتوكيد، وقد ذكرنا قبل أن تكرار ألفاظ التوكيد يكون لفائدة زيادة التوكيد، والمبالغة فيه.

[64] لأن «أجمع» وصيغها أدل على المقصود، الذي هو الجمعية.

[65] يلاحظ في هذه الأمثلة المذكورة أن الكلمات «أجمع، أكتع، أبتع». والكلمات «جمعاء، كتعاء، بصعاء، بتعاء». والكلمات «جمع، كتع، بصع، بتع» كلها لم تنون؛ وذلك لأنها ممنوعة من الصرف، والمانع لها من الصرف هو العلمية ووزن الفعل في الكلمات الأربعة الأولى: «أجمع، أكتع، أبصع، أبتع»، والعلمية والتأنيث في الكلمات الأربعة الثانية «جمعاء، كتعاء، بصعاء، بتعاء». والعلمية والعدل في الكلمات «جمع، كتع، بتع، بصع».

[66] فعند الجمهور أن هذه الألفاظ لا يؤكد بها استقلالًا إلا شذوذًا؛ لعدم ظهور دلالتها على معنى الجمعية، بل قليل: لا معنى لها في حال الإفراد.

ترك تعليق