فعل “طَافَ يَطُوْفُ طَوَافًا” (معناه ولزومه وتعديه بالأحرف)
فعل “طَافَ يَطُوْفُ طَوَافًا” (معناه ولزومه وتعديه بالأحرف)
مقدمة المقال
يُعدّ فعل “طَافَ يَطُوْفُ طَوَافًا” من الأفعال العربية الشائعة في العصر الجاهلي، وقد بقي استعماله في العصور التالية وإن تقلص نطاقه. ويهدف هذا المقال إلى الحديث عن هذا الفعل الثلاثي المجرد، ومختلف معانيه، ولزومه وتعديه بنفسه وبالأحرف الجارة، كما يشير إلى أفعاله المزيد فيها ودلالاتها.
عناصر المقال
1- معنى طاف: ألمّ به وغشّاه، ودار حوله.
2- أطاف به: أحاط به.
3- صلات الطواف: الباء، وعلى، وفي.
4- طاف به: ألمّ به، وأحاط به، ودار حوله.
5- طاف عليه: ألمّ به ليلًا.
6- طاف فيه: سار فيه.
7- طوّف به: طاف به.
8- اطّوّف به: طاف به.
9- طاف له: طاف لأجله.
10- تعديه بنفسه.
أولاً: معنى طاف
فطَافَ يَطُوْفُ طَوفًا وطَوَافًا وتَطْوَافًا: ألمَّ به وغشَّاه، ودار حوله؛ فقال عبيد بن الأبرص:
طاف الخيالُ علينا ليلةَ الوادي=لآلِ أسماءَ لم يُلمِمْ بميعادِ [1]
وقال معن بن أوس:
تأوَّبه مكذوبةٌ شُبِّهتْ له=وطاف خيالٌ طاف من أمِّ أسودا [2]
وقال الأعشى الكبير:
يطوف العفاةُ بأبوابه=كطوفِ النصارى ببيت الوثن [3]
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فلمَّا خرَّ عند القوم طافوا=به وأبانَه منهم عريفُ [4]
وأما معنى الدوران حول الشيء فشائع جدًّا؛ كما قال الحارث بن مُضاض الجرهمي:
وكنَّا ولاةَ البيت من بعد نابتٍ=نطوف بذاك البيتِ والخيرُ ظاهرُ [5]
وقال النابغة الذبياني:
على ظهرِ مِبناةٍ جديدٍ سيورُها=يطوف بها وسطَ اللطيمة بائع [6]
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فطاف بها أبناءُ آل معتَّبٍ=وعزَّ عليهم بيعُها واغتصابُها [7]
وقد يخلو من هذا المعنى ليدلَّ على المشي فقط كما قال الْمُزَرِّد:
وأحبسها ما دام للزيت عاصرٌ=وما طاف فوق الأرض حافٍ وناعل [8]
ثانياً: أطاف به: أحاط به
ومنه أطاف به: أحاط به؛ كما قال امرؤ القيس:
أطافتْ به جَيلانُ عند قِطاعه=تردَّد فيه العينُ حتى تحيَّرا [9]
وقال بشر بن أبي خازم الأسدي:
كأنَّ على أنسائها عِذقَ خَصبةٍ=تَدَلَّى من الكافور غيرَ مُكَمَّم
تُطيف به طورًا وطورًا تلطُّه=على فرجِ محرومِ الشراب مُصَرَّم
تشبُّ إذا ما أدلج القومُ نيرةً=بأخفافها من كلِّ أمعزَ مُظلِم [10]
وقال بشر أيضًا:
أبو صبية شُعثٍ يُطيف بشخصه=كوالحُ أمثالُ اليعاسيب ضُمَّرُ [11]
وقال الراعي النميري:
كأنَّ بقايا الجيش جيش ابن باعج=أطاف بركنٍ من عماية فاخر [12]
ومنه قول عبدالدار بن حُدَيب (حازي جهينة):
ولقد أردتُ بأن تُقام بنيَّةٌ=ليست بحُوبٍ أو تُطيف بمأثم [13]
أي: هي بريئة من أيِّ مأثم.
وكذا قول المسيب بن علس:
فإذا أطفتَ بها أطفتَ بكلكلٍ=نبضِ الفرائض مُجفَر الأضلاع [14]
وهكذا يتعدَّى بها الاستفعال منه، ويدلُّ على نفس المعنى؛ كما قال خفاف بن ندبة:
ومرصدٍ خائفٍ لا يستطيف به=من المُسامح إلا المشفق الخالي [15]
ثالثاً: صلات الطواف
وللطواف أربعُ صلات؛ وهي الباء وعلى وفي، فطاف به يعني: ألمَّ به، وأحاط به، ودار حوله، وقرعه ليلًا، واستدار حوله؛ فللإلمام به قول أمية بن الأسكر الكِناني:
قومٌ إذا قذَعُ الأقوال طاف بهم=ألقى العصيَّ عضي الجهل باريها [16]
وللإحاطة بالشيء قول عدي بن زيد العبادي:
لا تنسين ذِكْرِي على لذة ال=كأس وطَوفٍ بالخَذوف النَّحُوص [17]
ومنه للكرى كما قال بشر بن أبي خازم الأسدي:
فلاةٍ قد سريتُ بها هُدُوءًا=إذما العين طاف بها كَرَاها [18]
وللطواف حوله قول قيس بن ذريح:
فلا والذي مسَّحتُ أركانَ بيته=أطوف به فيمن يطوف ويحصب
نسيتُك ما أرسى ثَبِيرًا مكانه=وما دام جارًا للحَجُون المُحَصَّب [19]
ولذا يقال طَافَ حوله؛ كما قال زهير بن أبي سلمى:
فأقسمتُ بالبيت الذي طاف حوله=رجالٌ بنَوه من قريش وجرهمِ
وباللات والعزَّى التي يعبدونها=بمكة والبيت العتيق المكرَّمِ [20]
وقال الشاعر يصف قرة بقلة الميرة:
كأنَّ فداءها إذ جرَّدوه=وطافوا حوله سُلَكٌ يتيم [21]
وللقرع ليلًا قول زبَّان بن سيَّار شاعر جاهلي:
ألم يَنْهَ أولادَ اللقيطة علمُهم=بزبَّانَ إذ يهونه وهو نائم
يطوفون بالأعشى وصُبَّ عليهم=لسانٌ كصدر الهندواني صارم [22]
وللاستدارة حول أحد؛ كما قال الأعشى الكبير:
يطوف العفاةُ بأبوابه=كطوفِ النصارى ببيت الوثن [23]
وقال لبيد بن ربيعة:
أو ذو زوائد لا يُطافُ بأرضه=يغشى المُهجهجَ كالذَّنوب المُرسَل [24]
وقال نهار بن توسعة:
تطيف به قحطان قد عصبت به=وأحلافها من حيِّ بكر وتغلب [25]
ومنه قول ليلى الأخيلية:
فعفاتُه لهفى يطوفون حوله=كما انقضَّ عرشُ البئر والوردُ عاصب [26]
فالطواف حوله هو الطواف به.
رابعاً: طاف عليه: ألمّ به ليلًا
وأما طَافَ عليه فيعني: ألمَّ به ليلًا؛ كما قال عبيد بن الأبرص:
طاف الخيالُ علينا ليلةَ الوادي=لآلِ أسماءَ لم يُلمِمْ بميعاد [27]
وقال أبو الطمحان القيني:
أذلك أم جأبُ النُّسالة قارحٌ=يطوف على وُرقٍ خِفافٍ حوائل [28]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: 17 – 20] [29].
وجاء في الحديث: ((أنه كان يطوف في ليلةٍ على نسائه ويغتسل من كلِّ واحدة منهن غسلًا، فسُئل عن ذلك فقال: إنه أذكَر)) [30].
وكذا يعني: حام حوله؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 58] [31].
خامساً: طاف فيه: سار فيه
وأما طَافَ فيه، فيعني: سار فيه؛ كما قال أبو طالب عمُّ الرسول صلى الله عليه وسلم:
ويبني لأفناء العشيرة صالحًا=إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد [32]
وقال الفرزدق:
وقالت: ألَا طُفْ في صديقك فالتمِسْ=شَعِيبينِ يربو ساعةً مَنْ سقاهما [33]
سادساً: طوّف به: طاف به
ومنه طَوَّفَ به؛ كما قال نهشل بن حري:
وقد طوَّفتُ بالآفاق حتى=سئمت النضَّ بالقُلُص العتاق [34]
سابعاً: اطّوّف به: طاف به
واطَّوَّف به: طاف به؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158] [35].
وقال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] [36].
ثامناً: طاف له: طاف لأجله
وطَافَ له: طاف لأجله؛ كما قال الفرزدق:
أرى الناسَ إذ خلَّى ابنُ ليلى مكانَه=يطوفون للغيث الذي مات وابلُه [37]
تاسعاً: تعديه بنفسه
وقد يأتي متعديًا بنفسه؛ كما قال طرفة بن العبد:
تعيَّرني طَوفي البلادَ ورحلتي=ألَا ربَّ يومٍ لي سوى حُرِّ دارِك [38]
كما يتعدَّى لمفعولين تدخل على مفعوله الثاني اللام؛ فقال الأعشى الكبير:
وقد طفتُ للمال آفاقَه=عَمانَ فحمصَ فأُورَى شَلَم [39]
أي: طفتُ في الآفاق لأجل المال.
هذا، وأحمده تعالى على أنَّه وفَّقني لشرح أحد الأفعال العربية الذي عُرِفَ في العصر الجاهلي، ومن ثَمَّ شاع في العصور التالية، كما ذُكِرَ في كتابه العزيز الذي نزل بلسان عربيٍّ مبين.
——————————————–
[1] مختارات ابن الشجري، ص 369.
[2] ديوان معن بن أوس المزني، ص 80.
[3] ديوان الأعشى الكبير، ج 1 ص 139.
[4] ديوان أبي ذؤيب الهذلي، ص 180.
[5] ديوان الشعراء المعمرين، ص 331.
[6] ديوان النابغة الذبياني، ص 53.
[7] ديوان أبي ذؤيب الهذلي، ص 32.
[8] ديوان المزرِّد بن ضرار الغطفاني، ص 43.
[9] ديوان امرئ القيس، ص 61.
[10] ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي، ص 137.
[11] ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي، ص 71.
[12] شعر الراعي النميري، ص 132.
[13] أسجاع الكهان الجاهليين وأشعارهم، ص 363.
[14] ديوان المسيب بن علس، ص 95.
[15] شعر خفاف بن ندبة، ص 92.
[16] ديوان الشعراء المعمرين، ص 292.
[17] ديوان عدي بن زيد العبادي، ص 69.
[18] ديوان بشر بن أبي خازم الأسدي، ص 149.
[19] ديوان قيس بن ذريح، ص 57.
[20] ديوان زهير بن أبي سلمى، ص 105.
[21] لسان العرب: جرد وفدى.
[22] ديوان الأصمعيات، ص 211.
[23] ديوان الأعشى الكبير، ج 1 ص 139.
[24] ديوان لبيد بن ربيعة العامري، ص 127.
[25] مجلة المورد، 4/ 4/ 96-
[26] ديوان ليلى الأخيلية، ص 52.
[27] ديوان عبيد بن الأبرص، ص 369.
[28] مجلة المورد، 17/ 3/ 166-
[29] سورة القلم، الآيات 17-20.
[30] لسان العرب: ذكر.
[31] سورة النور، الآية 58.
[32] ديوان أبي طالب بن عبدالمطلب، ص 90.
[33] ديوان الفرزدق، ص 588.
[34] عشرة شعراء مقلُّون، ص 125.
[35] سورة البقرة، الآية 158.
[36] سورة الحج، الآية 29.
[37] ديوان الفرزدق، ص 432.
[38] لسان العرب: حرر.
[39] لسان العرب: أور.
