التوكيد في اللغة العربية: تعريفه وأنواعه وألفاظه

 التوكيد في اللغة العربية: تعريفه وأنواعه وألفاظه

 مقدمة المقال

يُعدّ التوكيد أحد التوابع في اللغة العربية، وهو التابع المقوي لمتبوعه، وله ثلاث لغات: «تأكيد» بالهمزة، و«توكيد» بالواو، و«تأكيد» بإبدال الهمزة ألفًا. والتوكيد نوعان: توكيد لفظي، وتوكيد معنوي. ويهدف هذا المقال إلى بيان تعريف التوكيد، وأنواعه، وألفاظه، وأحكامه، مع عرض نماذج من القرآن الكريم والسنة النبوية وكلام العرب.

 عناصر المقال

1- تعريف التوكيد لغة واصطلاحًا.

2- اللغات في كلمة التوكيد.

3- التوكيد اللفظي: تعريفه وأمثلته.

أولاً: تعريف التوكيد لغة واصطلاحًا

التوكيد هو: التابع المقوي لمتبوعه [1]، وكلمة «التوكيد» فيها ثلاث لغات:

«تأكيد» بالهمزة من «أكد».

«توكيد» بالواو، من «وكد»، وهذه اللغة هي الأشهر في استعمال النحاة، وهي أفصحهن [2]؛ لأنها هي اللغة الواردة في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [3].

«تأكيد» بإبدال الهمزة ألفًا على القياس في نحو «رأس»؛ لأن الهمزة إن كانت ساكنة أبدلت من جنس حركة ما قبلها.

ثانياً: التوكيد اللفظي: تعريفه وأمثلته

التوكيد نوعان:

توكيد لفظي [4]، ويكون بتكرير لفظ المؤكد [5]، وإعادته [6] مرة، فأكثر [7]:

بعينه، وبنفسه

أو بمرادفه: أي: موافقه في المعنى.

سواء أكان هذا اللفظ المعاد:

اسمًا، سواء أكان هذا الاسم:

مفردًا؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [8].

أم مركبًا:

تركيبًا إضافيا: نحو: جاء عبد الله عبد الله.

أم تركيبًا مزجيًا: نحو: زرت برسعيد برسعيد.

وتوكيد معنوي [9]، وسيأتي إن شاء الله تعالى الحديث عنه بالتفصيل في الصفحة القادمة.

وسواء كان هذا الاسم:

اسمًا ظاهرًا معربًا:

بالعين؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها باطل باطل باطل» [10].

وبالمرادف؛ نحو قوله تعالى: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [11]. وقوله سبحانه: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. كما في «معجم القواعد العربية» صـ 184- ونحو قولك: جاء ليث أسد. فـ«ليث» فاعل مرفوع، و«أسد» توكيد لـ«أسد» مرفوع.

أم اسمًا مبنيًا، وهذا يشمل:

اسم الفعل: نحو قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [12].

وقول الشاعر:

هي الدنيا تقول بملء فيها =حذار حذار من بطشي وغدري

والضمائر؛ سواء كان هذا الضمير:

ضميرًا مستترًا، فيؤكد بضمير رفع منفصل؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [13].

أم ضميرًا منفصلًا، ومثاله: قول الشاعر:

فإياك إياك المراء فإنه  إلى الشر دعاء وللشر جالب

أم ضميرًا متصلًا: سواء أكان في:

محل رفع كالتاء في «أكرمت».

أم في محل نصب؛ كالكاف في «أكرمك».

أم في محل جر: كالهاء في «به».

فيجوز في توكيده أمران:

الأول: توكيده بضمير الرفع المنفصل، فتقول: أكرمت أنت. ومنه قوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [14]. – وتقول أكرمك أنت – وتقول: مررت به هو [15].

والثاني: توكيده بإعادة ما اتصل بالضمير المتصل، فتقول: أكرمت أكرمت – أكرمك أكرمك – مررت به مررت به [16].

أم كان فعلًا؛ سواء كان:

بالعين؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [17].

أم بالمرادف؛ نحو: جاء حضر محمد.

أم كان حرفًا، والحروف إما أن تكون:

حروف جواب: مثل: «نعم، جير [18]، بلى، لا، أجل». وهذه الحروف إذا أردنا توكيدها توكيدًا لفظيًا لم نعد إلا الحرف فقط، دون ما اتصل به: سواء كان ذلك:

بالعين؛ نحو: نعم، نعم أحب الصالحين [19].

أم بالمرادف: نحو: نعم جير، جاء محمد.

وإما أن تكون حروفًا غير جوابية، فهذه يلزم أن نعيد مع الحرف المؤكد ما اتصل به الحرف المؤكد، ولكن يختلف الحكم فيها بين ما إذا:

كان المتصل بالحرف المؤكد ضميرًا، فيجب أن يعاد مع الحرف المؤكد نفس الضمير: وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [20]. فـ«أنكم» الثانية توكيد للأولى وقد أعيدت مع اسمها، وهو الكاف والميم.

فإن كان المتصل بالحرف المؤكد اسمًا ظاهرًا أعيد هو، أو ضميره مع الحرف المؤكد؛ نحو: إن محمدًا إن محمدًا فاضل، وإن زيدًا، إنه فاضل. وعود ضميره هو الأولى، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [21].

أم كان جملة [22]؛ سواء كانت:

جملة اسمية: نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [23]. وقوله سبحانه: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى  ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [24]. وقوله عز وجل: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ  ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [25]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل» [26].

أم جملة فعلية: نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ  ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ  كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ  لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [27]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا» [28]. وقول مقيم الصلاة: «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة» [29].

——————————————–

[1] التوكيد مصدر الفعل «وكد»، وهو بمعنى اسم الفاعل؛ أي: بمعنى المؤكد – بكسر الكاف – فهو من باب إطلاق المصدر مرادًا به اسم الفاعل، ولهذا يُطلق على هذا الباب أيضًا: باب المؤكد.

[2] ويليها في الفصاحة «تأكيد» بالهمزة، ثم «تاكيد» بقلب الهمزة ألفًا.

[3] سورة النحل، الآية 91.

[4] منسوب إلى اللفظ؛ لحصوله من تكرره، كما سنبين إن شاء الله، وقد بدأنا به؛ لأنه الأصل: ولذا يقدم على التوكيد المعنوي إذا اجتمعا، ويجري في كل لفظ، فهو ليس له ألفاظ مخصوصة، كالتوكيد المعنوي، كما سيأتي إن شاء الله.

[5] ولذلك سمى توكيدًا لفظيًا، ومن شرطه ألا يكون مع العطف؛ لأنه نوع من التوكيد، إلا التوكيد بالجملة، فالأحسن فيه – كما سيأتي إن شاء الله – أن يفصل بين الجملتين المكررتين بحرف العطف «ثم».

[6] وذلك لدفع غفلة السامع، أو لأجل تقرير المعنى الذي تضمنه المؤكد، وإثباته في ذهنه: لرفع احتمال غيره.

[7] قال العز بن عبد السلام في قواعده: اتفق الأدباء أن التوكيد في لسان العرب إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات. اهـ وانظر: الكواكب الدرية 2/ 117، والنحو الوافي 3/ 526-

[8] سورة الواقعة، الآية 10.

[9] منسوب إلى المعنى؛ لحصوله من ملاحظته.

[10] رواه الطيالسي رحمه الله في مسنده (1463)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[11] سورة نوح، الآية 20.

[12] سورة المؤمنون، الآية 36-

[13] سورة الأعراف، الآية 19.

[14] سورة المائدة، الآية 117.

[15] وفي هذه الحالة يكون ضمير الرفع المنفصل في محل رفع إن أكد به الضمير المرفوع، وفي محل نصب إن أكد به الضمير المنصوب، وفي محل جر إن أكد به الضمير المجرور.

[16] ولكن الإشكال في هذا الثاني، أنه قد يظن أنه من باب التوكيد اللفظي في الجمل: وليس في الضمير المتصل.

[17] سورة الطارق، الآية 17.

[18] جير: حرف جواب بمعنى «نعم»، ويجوز في رائه: الكسر، والفتح. المعجم الوسيط (ج ي ر).

[19] فـ«نعم» الأولى: حرف جواب، و«نعم» الثانية: توكيد لفظي.

[20] سورة المؤمنون، الآية 99.

[21] سورة هود، الآية 108.

[22] فهذا النوع من نوعي التوكيد يكون في الأسماء والأفعال والحروف، وفي المعرب والمبني، وفي المفردات، والجمل، وفي النكرات والمعارف، فبمجرد أن تكرر اللفظ الأول – أيًا كان نوعه – فإن الثاني يعرب توكيدًا لفظيًا، وهو إن كان معربًا أخذ حركة السابق الإعرابية، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

[23] سورة الشرح، الآيتان 5-6-

[24] سورة القيامة، الآيتان 34-35.

[25] سورة الانفطار، الآيتان 17-18.

[26] رواه أحمد في مسنده 6/ 166 (25326)، وأبو داود (2083)، والترمذي (1102)، وابن ماجه (1879)، وقال الألباني رحمه الله في تعليقه على السنن: صحيح.

[27] سورة التكاثر، الآيات 3-6-

[28] رواه أبو داود (3285)، وقال سماحة الشيخ الألباني رحمه الله في تعليقه على «سنن أبي داود»: صحيح.

[29] قال ابن هشام في «القطر» صـ 299: وليس من تأكيد الجملة، قول المؤذن: الله أكبر، الله أكبر. خلافًا لابن جني؛ لأن الثاني لم يؤت به لتأكيد الأول، بل لإنشاء تكبير ثان، بخلاف قوله: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. فإن الجملة الثانية خبر ثان، جيء به لتأكيد الخبر الأول. اهـ.

ترك تعليق