التلميح اللغوي في القرآن الكريم
التلميح اللغوي في القرآن الكريم
مقدمة المقال
يُعدّ التلميح اللغوي من الأساليب البلاغية التي سلكها القرآن الكريم والتشريع الإسلامي، وهو أسلوب يقوم على التعريض دون التصريح، وله فوائد عديدة منها رفع الحرج عن النفوس، واستثارة داعي الخير فيها. ويهدف هذا المقال إلى بيان التلميح اللغوي في القرآن الكريم، مع عرض نماذج من سورة يوسف، وبيان التلميح دون التصريح في الدعوة إلى الله، وأسلوب القرآن في معالجة الأخطاء.
عناصر المقال
1- التلميح اللغوي في الأمور التي يُستحيى منها.
2- نموذج من سورة يوسف.
3- التلميح دون التصريح في الدعوة إلى الله.
4- أسلوب النبي ﷺ في التلميح.
5- أسلوب القرآن في معالجة الأخطاء.
6- التلميح في معالجة أخطاء المنافقين.
أولاً: التلميح اللغوي في الأمور التي يُستحيى منها
ومن الأساليب البلاغية التي سلكها القرآن الكريم والتشريع الإسلامي – التلميح اللغوي:
أولًا: في الأمور التي يُستحيى منها، ومن أهم أمثلة هذا الأسلوب ما جاء في سورة يوسف، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 30] [1].
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] [2].
(أعتدت لهن مـتـكأً): هيَّأت لهنَّ ما يَتَّكئن عليه.
(أكبَرنه): دهشن برؤية جماله الرائع.
(قطَّعن أيديهن): خدَشنها بالسكاكين لفرط ذهولهنَّ ودهشتهنَّ.
(حاشا لله): تنزيهًا لله عن العجز عن خلق مثله [3].
ثانيًا: التلميح دون التصريح في الدعوة إلى الله:
من المسالك التي ينبغي أن يتحلى بها رجل الدعوة حينما يخاطب الجماهير: التلميح دون التصريح، فمن القول الحسن: الجنوح إلى التعريض والتلميح دون التصريح، فالتصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم والتبجح للمخالفة، وإذا أخذت بالتصريح وكرَّرته، وأكثرت منه، فإنه يجعل الإنسان يقسو، وأحيانًا يندفع ويجابه، ويواجه ويكشر، ويهيج على الإصرار والعناد، أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، والبصائر اللماحة [4].
قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل الشيء أو يبلغه عنه أيقوله له؟ قال: هذا تبكيت ولكن يُعرِّض [5]. وكل ذلك من أجل رفع الحرج عن النفوس، واستثارة داعي الخير فيها.
ثالثاً: أسلوب النبي ﷺ في التلميح
كيف والتعريض سنة محفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مخاطبة أصحابه، فكان يقول دائمًا: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا [6].
رابعاً: أسلوب القرآن في معالجة الأخطاء
ولو نظرت في القرآن الكريم في معالجة الأخطاء التي وقع فيها الصحابة، أو التي وقع فيها المنافقون، فإن الله عز وجل حينما عاتب أهل أُحد قال لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: 152]، كان بإمكانه أن يقول: فلان وفلان وفلان أهل دنيا فأخرجوهم، وهؤلاء يريدون الآخرة، لكنه قال: منكم، وما عرفوهم، وكان بالإمكان أن يحدد حتى يخرجوا ولا يكونوا وسط البيئة، لكنه قال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾، والإتيان بالدنيا ينافي الإخلاص فقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لابد من إخلاص، ومع هذا قال: عفا عنكم، ضعف بشري يصيب النفوس [7].
خامساً: التلميح في معالجة أخطاء المنافقين
إن مقصودي من هذا أن القرآن لم يصرح، بل حتى في المنافقين دائمًا يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: 58]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة: 49]، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: 61]، ما قال: فلان وفلان وفلان، وكان بالإمكان أن يسميهم مع أن السيرة تسمي بعضهم، فمن قال: ائذن لي ولا تفتني هو فلان، لكن القرآن يعلمنا الأدب فيقول: منهم وفيهم، وما قال: فلان، مع أنه قد سمى أشخاصًا معينين، فسمى فرعون وأبا لهب، وأعدادًا محدودين، لكن الأغلب أنه لم يُسمِّ أشخاصًا بعينهم [8].
——————————————–
[1] سورة يوسف، الآية 30.
[2] سورة يوسف، الآية 31.
[3] التفسير الوسيط للزحيلي، ج 2 ص 144.
[4] المصدر السابق.
[5] المصدر السابق.
[6] صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.
[7] سورة آل عمران، الآية 152.
[8] سورة التوبة، الآيات 58، 49، 61.
