الاقتباس في البلاغة العربية: تعريفه وأنواعه وأحكامه
الاقتباس في البلاغة العربية: تعريفه وأنواعه وأحكامه
مقدمة المقال
يُعدّ الاقتباس أحد الأساليب البلاغية المهمة في اللغة العربية، وهو إدخال المؤلف كلامًا منسوبًا إلى الغير في نصه، ويكون ذلك إما للتحلية أو للاستدلال. وقد عرَّفه البلاغيون قديمًا بأنه «هو أن يُضمَّن الكلام شيئًا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه». ويهدف هذا المقال إلى بيان تعريف الاقتباس لغة واصطلاحًا، وأنواعه، وأحكامه، مع عرض نماذج من القرآن الكريم وكلام الشعراء والأدباء.
عناصر المقال
1- تعريف الاقتباس لغة.
2- تعريف الاقتباس اصطلاحًا.
3- الاقتباس من القرآن الكريم.
4- أمثلة من مقامات الحريري.
5- أمثلة من كلام القاضي الفاضل.
6- أمثلة من الشعر.
7- ما لا يجوز الاقتباس به.
8- الاقتباس من كلام النبي ﷺ.
أولاً: تعريف الاقتباس لغة
الاقتباس لغة:
جاء في اللسان (قبس)، «وفي التهذيب: القبس: شعلة من نار تقتبسها من معظم، واقتباسها: الأخذ منها… واقتبست منه علمًا أيضًا؛ أي: استفدته… وأتانا فلان يقتبس العلم، فأقبسناه؛ أي علَّمناه»، ظاهر إذًا معنى الأخذ في الاقتباس، والقابس كما تمحور في الاستعمال هو الآخذ نارًا أو علمًا، والعلم نور، والنار من معاني النور المجازية، فالشعر القديم والحديث جعل للمعرفة نارًا [1].
ثانياً: تعريف الاقتباس اصطلاحًا
الاقتباس اصطلاحًا:
جاء في معجم المصطلحات: «الاقتباس: إدخال المؤلف كلامًا منسوبًا إلى الغير في نصه، ويكون ذلك إما للتحلية أو للاستدلال، على أنه يجب الإشارة إلى مصدر الاقتباس بهامش المتن، وإبرازه بوضعه بين علامات تنصيص («»)، أو بأية وسيلة أخرى… والاقتباس في البديع العربي أن يتضمَّن الكلام نثرًا أو شعرًا شيئًا من القرآن الكريم، أو الحديث الشريف، لا على أن المقتبس جزء منهما، ويجوز أن يغير المقتبس في الآية أو الحديث قليلًا»، واضح معنى الأخذ في مصطلح الاقتباس البديعي [2].
وقد عرَّفه البلاغيون قديمًا بأنه «هو أن يُضمَّن الكلام شيئًا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه» [3]. وهكذا فإن الاقتباس عند البلاغيين مَحصور في القرآن الكريم، والحديث الشريف.
ثالثاً: الاقتباس من القرآن الكريم
قال الحريري: «فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب، حتى أنشد فأغرب»، فالحريري اقتبس جزءًا من سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: 77] [4].
وكقول الحريري أيضًا: «أنا أُنبئكم بتأويله وأُميِّز صحيح القول من عليلِه»، فقد اقتبس الحريري جزءًا من الآية 45 من سورة يوسف التي جاء فيها: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: 45] [5].
وقال القاضي الفاضل وقد ذكر الإفرنج: «وغضبوا زادهم الله غضبًا، وأوقدوا نارًا للحرب جعلهم الله لها حطبًا»، فاقتبس جزءًا من الآية 64 من سورة المائدة: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64] [6].
رابعاً: أمثلة من الشعر
ومن أمثلة اقتباس الشعراء من القرآن الكريم؛ من ذلك قول الأحوص (الطويل):
إذا رُمتُ عنها سلوةً قال شافعٌ =من الحبِّ ميعادُ السُّلُوِّ المقابرُ
ستَبقى لها في مُضمر القلب والحشا = سريرةُ حبٍّ “يوم تُبلى السرائر
لقد اقتبس الأحوص الآية 9 من سورة الطارق التي تقول: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9] [7].
ومن ذلك قول الشاعر:
إن كنتِ أزمعتِ على هجرنا=من غير ما جُرم فصبرٌ جميلُ
وإن تبدلَّتِ بنا غيرَنا=فحسبُنا الله ونعمَ الوكيلُ
فالبيت الأول مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].
والبيت الثاني مقتبس من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] [8].
خامساً: ما لا يجوز الاقتباس به
ملاحظة: لا يجوز الاقتباس بما يخص الله جل جلاله؛ مثل: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: 12]، ولا يجوز الاقتباس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم [9].
قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
فإذا أبيتُم فالسلامُ على مَن اتَّبع= الهدى وانقادَ للقرآن
والخاص برسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا النبي لا كذب [10].
——————————————–
[1] لسان العرب لابن منظور، ج 6 ص 167، وتهذيب اللغة للهروي، ج 8 ص 318.
[2] معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، وهبة-المهندس، ص 34.
[3] الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني، ص 575.
[4] مقامات الحريري، ص 32.
[5] المصدر السابق.
[6] المصدر السابق.
[7] علوم البلاغة «البديع والبيان والمعاني» للديب، ص 128.
[8] المصدر السابق.
[9] المصدر السابق.
[10] نونية ابن القيم.
