السجع في اللغة العربية: تعريفه وأقسامه وأحكامه
السجع في اللغة العربية: تعريفه وأقسامه وأحكامه
مقدمة المقال
يُعدّ السجع أحد أنواع المحسنات اللفظية المستخدمة في علم البلاغة في اللغة العربية، وهو توافُق الفاصلتين في فقرتين أو أكثر في الحرف الأخير، أو هو توافق أواخر فواصل الجمل، ويكون في النثر فقط. وقد ألِف “الكهان” النطق بالسجع حتى غلب على كلامهم واختصَّ بهم، كما اختص الشعر بالشعراء، فعرف لذلك بـ”سجع الكهان”. وقد ورد السجع في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كلام السلف، مما يدل على أن ما ورد من ذم السجع محمول على السجع المتكلف لإبطال حقٍّ، وتحقيق باطل، أو لمجرد التكلف. ويهدف هذا المقال إلى بيان تعريف السجع، وأقسامه، وأحكامه، مع عرض نماذج من القرآن الكريم والسنة النبوية وكلام السلف.
عناصر المقال
1- تعريف السجع لغة واصطلاحًا.
2- السجع في كلام الكهان.
3- موقف النبي ﷺ من السجع.
4- السجع في كلام النبي ﷺ.
5- السجع في كلام السلف.
6- أقسام السجع: تام وغير تام.
7- أمثلة من القرآن الكريم على الجناس التام.
8- أمثلة من القرآن الكريم على الجناس الناقص.
تعريف السجع لغة واصطلاحًا
السجع أحدُ أنواع المحسنات اللفظية المستخدمة في علم البلاغة في اللغة العربية، وهو توافُق الفاصلتين في فقرتين أو أكثر في الحرف الأخير، أو هو توافق أواخر فواصل الجمل [الكلمة الأخيرة في الفقرة]، ويكون في النثر فقط؛ مثل: (الصوم حرمان مشروعٌ، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع)، ومثل: (المعالي عروس مَهرُها بذل النفوس)، ومثل: قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما: «رَبِّ تقبَّل توبتي، واغسِل حَوبتي، وأجِب دعوتي، وثبِّت حُجتي» [1].
(الحقد صدأ القلوب، واللجاج سببُ الحروب): اللجاج: التمادي في الخصومة. إذا لم يكن هناك سجع بين الجمل يسمى الأسلوب مترسلًا [2].
السجع في كلام الكهان
وقد ألِف “الكهان” النطق بالسجع، حتى غلب على كلامهم، واختصَّ بهم، كما اختص الشعر بالشعراء، فعرف لذلك بـ”سجع الكهان” [3].
موقف النبي ﷺ من السجع
ولما قضى النبي صلى الله عليه وسلم – في جنين امرأة ضربتها الأخرى، فسقط ميتًا – بغرة على عاقلة الضاربة، قال رجل منهم: كيف ندي مَن لا شرب ولا أكَل ولا صاح، فاستهلَّ، ومثل دمه يُطَل؛ قال صلى الله عليه وسلم: “أسجعٌ كسجع الكُهَّان” [4].
السجع في كلام النبي ﷺ
ذكر ابن دقيق العيد في شرح العمدة: أن ما ورد من ذم السجع محمول على السجع المتكلف لإبطال حقٍّ، وتحقيق باطل، أو لمجرد التكلف، بدليل أنه قد ورد السجع في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كلام غيره من السلف [5].
وعن عبدالله بن سلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيها الناس، أفشُوا السلام، وأطعمُوا الطعام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح [6].
وقال صلى الله عليه وسلم: اعفُ عمن ظلَمك، وصِلْ مَن قطَعك، وأحسِن إلى مَن أساء إليك، وقلِ الحقَّ ولو على نفسك [7].
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)، من أفراد مسلم على البخاري [8]. أربع دعوات تجمع لك الخير كله.
خامساً: أقسام الجناس
وهو قسمان: تام وغير تام.
فالجناس التام:
هو ما اتَّفق فيه اللفظان في أربعة أمور هي: أنواع الحروف، وأعدادها، وهيئتها الحاصلة من الحركات والسكنات، وترتيبها، وهذا هو أكمل أنواع الجناس إبداعًا وأسماها رتبةً [9].
أمثلة من القرآن الكريم على الجناس التام
فمن أمثلة الجناس المماثل بين «اسمين»:
◘ قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: 55]. الشاهد على الجناس التام في هذه الآية الكريمة هو كلمة (الساعة)، فقد ذُكرت مرتين بمعنيين مختلفين، فالأولى يُقصد بها يوم القيامة، والثانية يُقصد بها المدة الزمنية من الوقت [10].
◘ قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7 – 9]، فقد تكرَّرت كلمة الميزان دون أي تغيير في شكل الكلمة، فقد وردت في الآية الكريمة ثلاث مرات بمعان مختلفة، فالميزان في الأولى بمعنى الشرع، والثانية بمعنى التقدير والوزن، والأخيرة بمعنى الميزان المعروف لدينا [11].
◘ قوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: 43، 44]، شاهدنا في هذه الآية الكريمة جاء في كلمة (الأبصار)، فمعناها في الأولى البصر حاسة البصر، أما في الثانية فهي إشارة لأصحاب العقول [12].
أمثلة من القرآن الكريم على الجناس الناقص
الجناس غير التام (الناقص):
وهو الجناس الذي يختلف فيه اللفظان في نوع الحروف أو عددها، أو هيئاتها أو ترتيبها، مع اختلاف في المعنى [13].
أمثلة من القرآن على الجناس الناقص:
◘ قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23]، في هذه الآية الكريمة نلاحظ أن شاهدنا على الجناس الناقص غير التام، قد وقع بين لفظتي (ناضرة) و(ناظرة)، فقد اختلفتا في نوع الحرف، فجاء حرف الضاد في الأولى، أما الثانية فجاء فيها حرف الظاء [14].
◘ قال تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 29، 30]، وهنا نرى أن الجناس الناقص غير التام جاء بين لفظتي (المساق) و(الساق)، فقد زادت الأولى بحرف الميم عن الثانية، وهذا تغيُّر في عدد الحروف بين اللفظتين [15].
◘ قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26]، أما في هذه الآية الكريمة فنلاحظ أن الجناس الناقص غير التام جاء هنا بين لفظتي (ينهون) و(ينأون)، فقد تغيَّر فيهما نوع الحرف، ففي الأولى حرف الهاء، وفي الثانية نلاحظ أن الهمزة جاءت مكان الهاء في الكلمة الأولى [16].
قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
إن البكاء هو الشفاءُ مِنَ الجَوى بين الجوانح
في هذا البيت الشعري نلاحظ أنه قد جاء الجناس الناقص بين كلمتي (الجوى) و(الجوانح)؛ ذلك لأنه قد حدَّثت زيادة في عدد حروف كلمة (الجوانح) عن كلمة (الجوى) [17].
———————————–
[1] سنن ابن ماجه، كتاب الدعاء، حديث رقم 3830.
[2] البلاغة العربية لحنبكة، ج 2 ص 494.
[3] أسجاع الكهان الجاهليين وأشعارهم، ص 5.
[4] صحيح مسلم، كتاب القسامة، حديث رقم 1671.
[5] شرح العمدة لابن دقيق العيد.
[6] سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، حديث رقم 2485، وقال: حديث حسن صحيح.
[7] رواه الترمذي في السنن.
[8] صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، حديث رقم 2721.
[9] البلاغة العربية لحنبكة، ج 2 ص 494.
[10] سورة الروم، الآية 55.
[11] سورة الرحمن، الآيات 7-9.
[12] سورة النور، الآيتان 43-44.
[13] البلاغة العربية لحنبكة، ج 2 ص 494.
[14] سورة القيامة، الآيتان 22-23.
[15] سورة القيامة، الآيتان 29-30.
[16] سورة الأنعام، الآية 26-
[17] البلاغة العربية لحنبكة، ج 2 ص 494.
