مراحل تقعيد علم النحو العربي
مراحل تقعيد علم النحو العربي
تأليف: عبدالله بن عبده نعمان العواضي
النحو العربي وظاهرة اللحن:
يستعرض المقال المراحل التاريخية الأربع لتطور النحو: مرحلة الوضع والتكوين (من أبي الأسود إلى الخليل)، ومرحلة النشوء والنمو (ظهور الكتاب لسيبويه والمنافسة بين البصرة والكوفة)، ومرحلة النضوج والكمال (على يد المبرد وثعلب)، ومرحلة الترجيح والمذهب البغدادي. وفي جزئه الأخير، يُعرف المقال اللحن لغة واصطلاحاً، ويتتبع أمثلة وشواهد تاريخية منه في قراءة القرآن وفي كلام بعض الخلفاء والأمراء كالوليد بن عبد الملك، موضحاً موقف الصحابة والعلماء الصارم منه كعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز اللذين حذرا منه وأدبا عليه، وختاماً ينوه المقال إلى التمييز بين وجوب مراعاة الإعراب في المحافل والتدوين والقراءة، واغتفاره في المحادثات اليومية بين العوام.
إن النحو العربي قد مر في تقعيده والتأليف فيه بمراحل أربع-كما قال بعض الباحثين المعاصرين[60]–:
المرحلة الأولى: الوضع والتكوين
وتبدأ هذه المرحلة من عصر واضع النحو أبي الأسود إلى أول عصر الخليل بن أحمد.
ويمكن تقسيم علماء هذه المرحلة إلى طبقتين:
الطبقة الأولى: وهي التي أخذت عن أبي الأسود واستمرت في تثمير ما تلقته عنه، ووفقت إلى استنباط كثير من أحكامه، وقامت بنشره بين الناس، وكان من أفذاذ هذه الطبقة: عنبسةُ بن معدان الفيل، ونصر بن عاصم الليثي، وعبد الرحمن بن هرمز، ويحيى بن يعمر.
وكان جل مجهود هذه الطبقة السماعَ والحفظ والروايةَ لذلك فحسب.
الطبقة الثانية: كانت أكثر عدداً من سابقتها، فقد كانت أوفر منها حظًا في هذا الشأن؛ إذ وطأت لها سبيله فازدادت المباحث لديها، وأضافت كثيراً من القواعد، ونشأت حركةُ النقاش بينها، فجدت في تتبع النصوص واستخراج الضوابط ما هيأ لها وقتُها، واستطاعت التصنيف فدونت فيه بعض الكتب المفيدة.
ومن أعلام هذه الطبقة: عبد الله بن إسحاق الحضرمي، وأبو عمرو بن العلاء صاحب التصانيف الكثيرة، وعيسى بن عمر الثقفي صاحب الكتابين في النحو: “الجامع، والإكمال “وقد نوه عن فضلهما الخليل بن أحمد بقوله:
ذهب النحو جميعًا كلُّه
= غيرَ ما أحدث عيسى بن عمرْ ![]()
ذاك إكمال وهذا جامعٌ
= فهُما للناس شمس وقمرْ ![]()
غير أن الكتابين لم يصلا إلينا.
المرحلة الثانية: النشوء والنمو،
وتبدأ هذه المرحلة من عهد الخليل بن أحمد البصري، وأبي جعفر محمد بن الحسن الرؤاسي إلى أول عصر المازني البصري وابن السكيت الكوفي.
وكانت هذه المرحلة مرحلة جمع وتقعيد وتأليف ومنافسة بين البصريين والكوفيين.
ومن أعلام هذه المرحلة: الخليل وتلميذه النجيب سيبويه الذي ألف مصنفه الخالد” الكتاب”.
ومن أعلامها أيضًا: أبو جعفر الرؤاسي وابن السكيت والكسائي والفراء.
المرحلة الثالثة: النضوج والكمال،
وتمتد هذه المرحلة من عهد أبي عثمان المازني البصري إمام الطبقة السادسة ويعقوب ابن السكيت الكوفي إمام الرابعة، إلى آخر عصر المبرد البصري شيخ السابعة، وثعلب الكوفي شيخ الخامسة.
وفي هذه المرحلة كان هناك تفصيل لما أجمل، وتوضيح لما أشكل، وفصل النحو عن الصرف، واتساع في المناظرات النحوية فتمت أصول النحو وانتهى الاجتهاد فيه بين البصريين والكوفيين على يدي الإمامين: المبرّد خاتَم البصريين، وثعلب خاتم الكوفيين.
ومن كتب هذه المرحلة: المقتضب للمبرد، والفصيح وإعراب القرآن لثعلب.
المرحلة الرابعة: الترجيح والبسط،
وفي هذه المرحلة برز علماء نظروا في قواعد المذهبين البصري والكوفي فرجحوا بينهما فاصطفوا مسائل ذات بال مزيجًا من المذهبين، على أنهم قد أسلمهم هذا الاستقراء البالغ خلال تلك الأيام إلى العثور على قواعد أخرى من تلقاء أنفسهم لا تمت بصلة إلى المذهبين تولدت لهم من اجتهادهم قياسًا وسماعًا. فولد من ذلك المذهبُ النحوي البغدادي.
ثم انتشر التأليف في النحو منذ ذلك الوقت إلى عصرنا هذا[61].
الثالث: اللحن معناه، وابتداؤه، والتحذير منه:
من عدل عن طريق النحو الصحيح فهو لاحن، فإن كثر ذلك العدول منه فهو رجل لحّانة، وذلك الانحراف منه لحن، فاللحن في علم النحو إذن هو: الخطأ في تحريك حروف آخر الكلمة من ضم وكسر وفتح وسكون.
ولم يكن هذا الكائن أيام سمو العربية إلا منعدمًا، ثم ولد بعد ذلك فصار غريبًا منبوذاً واللغة مازالت في عزها، ثم لما كثر نسله لم يستغرب حينئذ، بل عندما انقرض جيل العربية سليقةً، وعاش جيل اللحن، وطال زمنه؛ أضحى في المجتمعات العربية هو المعرفة، والحديثُ بالعربية من غير لحن غدا هو النكرة!
لقد نزل القرآن الكريم والناس بعيدون عن اللحن، فلما مات رسول الله عليه الصلاة والسلام وتبعه بقليل خليفته الراشد أبو بكر رضي الله عنه، وجاءت إمارة عمر رضي الله عنه واتسعت رقعة الدولة الإسلامية؛ طفق الناس يسمعون كلمة هنا وكلمة هناك جرى فيها اللحن، بل لم تسلم من ذلك قراءة القرآن من إحداث اللحانين:
فقد روي أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بجرّ (رسولُه) متوهمًا عطفه على المشركين، فقال: أوَ يبرأ الله من رسوله؟!
فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمر ألا يُقرِئ القرآن إلا من يحسن العربية[62].
وروي أيضًا أن كاتبًا لأبي موسى الأشعري أرسل إلى عمر كتابًا وفيه: من أبو موسى…! فلما وصل الكتاب عمر كتب إليه عمر: أن قنّع كاتبك سوطًا؛ معاقبة على لحنه[63].
ولما جاءت خلافة عليٍّ رضي الله عنه وكان اللحن قد خرج عن السيطرة سمع أبو الأسودِ الدؤلي ابنته ليلة تقول له: يا أبتِ، ما أحسنُ السماءِ، قال نجومُها، فقالت: إني لم أسأل عن أحسنها إنما تعجبت من حسنها، فقال قولي: ما أحسنَ السماءَ[64].
وفي رواية أنه دخل على ابنة له بالبصرة فقالت له: يا أبت، ما أشدُّ الحرِّظ فقال: شهر ناجر يعني: شهر صفر؛ فقالت: يا أبت، إنما أخبرتك ولم أسألك، فقال قولي: ما أشدَّ الحرَّ![65].
ثم لم يزل الأمر في تطور خطير حيث وصل إلى بعض الأمراء في بني أمية ولم يعد مقتصراً على المستعربين أو سُوقة الناس، وكان ممن أثر عنه لحن كثير: الوليد بن عبد الملك؛ فقد دخل على الوليد بن عبد الملك رجل من أشراف قريش فقال له الوليد: من خَتنَك؟ قال له: فلان اليهودي، فقال: ما تقول؟ ويحك! قال: لعلك إنما تسألني عن ختني يا أمير المؤمنين، هو فلان بن فلان َ[66].
والختن: أقارب زوجة الرجل وزوج ابنته. ولما لحن الوليد فهم الرجل أول مرة أنه يسأله عن الذي قام بختنه.
بل كان الوليد هذا لا يستطيع تجنب اللحن حتى على المنبر، فقد ذكره أبو الزناد يوماً فقال: “كان لحاناً، كأني أسمعه على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا أهلُ المدينة!”[67].
بل كان لا يستطيع تجنبه حتى في قراءة بعض آيات القرآن: فقد قرأ يومًا على المنبر: “يا ليتها كانت القاضيةُ” بضم التاء المربوطة، فقال عمر بن عبد العزيز -وكان تحت المنبر-: يا ليتها كانت عليك وأراحتنا منك[68].
ولما كان الأعراب يسمعون ذلك اللحن عندما يزورون الحواضر يؤلمهم أيما إيلام، وربما يتندرون باللحانين:
قال رجل لأعرابيّ: كيف أهلِك؟ -بكسر اللام- وهو يريد السؤال عن أهله، فتوهّم أنه يسأل عن كيفية هلاك نفسه، فقال: صلباً إن شاء الله[69].
وسمع أعرابي مؤذنًا يقول: أشهد أن محمداً رسولَ الله بنصب رسول، فقال: ويحك! يفعل ماذا؟[70].
والسبب أن الجملة بنصب رسول ناقصة تحتاج إلى خبر.
ولا ريب أن العرب الخلّص عندما بدأ اللحن في الظهور كانوا يبغضونه وينزلون من قدر صاحبه؛ قال عمر بن عبد العزيز: “إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأردُّه عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن، ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها؛ التذاذاً لما أسمع من كلامه”[71].
وكان يقول: “أكاد أَضْرَسُ إذا سمعت اللحن”[72].
وكان عمر بن عبد العزيز أشد الناس في اللحن على ولده وخاصته ورعيته، وربما أدَّب عليه، وحين يسمع اللحن يرد على صاحبه؛ قال بشر بن مروان- وعنده عمر بن عبد العزيز- لغلام له: ادع لي صالح. فقال الغلام: يا صالحا. فقال له بشر: ألق منها ألف. فقال له عمر: وأنت فزد في الفك ألفا[73].
إن اللحن وإن كان قبيحًا في عموم الكلام إلا أنه في قراءة القرآن والحديث النبوي وتعليم الدين أشد قبحًا.
فما أسوأ ذلك المتكلم الذي يقف على أسماع الناس-سواء كان خطيبًا أم محاضراً أم إعلاميًا- ثم يتلو آيات من القرآن على غير ما أنزلها الله، فيرفع من كلماتها منصوبها، وينصب مرفوعها، ويجر ما وجب رفعه أو نصبه، ويحرك ما كان ساكناً ويسكن ما كان متحركًا.
وإذا كان القبح للحن في الخطاب فإنه في الكتابات أشد قبحًا؛ لأنه يدل عن جهل كبير، فالإنسان في حال الكتابة يتروى ويراجع ما كتب بخلاف المتكلم على البديهة.
إننا عندما نطالب اليوم بتجنب اللحن فلا نريد أن يعرب المرء في جميع كلامه، ولكننا نريد البعد عن اللحن في الخطاب والكتاب، أما الكلام الذي يدور بين المرء وغيره في بيته أو عمله أو سوقه أو مزحه أو غير ذلك فللألسنة أن تتحدث على سجيتها ولهجتها كيفما شاءت.
قال القَلْقَشَنْدي: “والذي يقتضيه حال الزمان، والجريُ على منهاج الناس أن يحافظ على الإعراب في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وفي الشعر والكلام المسجوع، وما يدوّن من الكلام، ويكتب من المراسلات ونحوها، ويغتفر اللحن في الكلام الشائع بين الناس الدائر على ألسنتهم مما يتداولونه بينهم ويتحاورون به في مخاطباتهم؛ وعلى ذلك جرت سنّة الناس في الكلام مذ فسدت الألسنة، وتغيرت اللغة حتّى حكي أن الفرّاء -مع جلالة قدره وعلوّ رتبته في النحو- دخل يومًا على الرشيد فتكلم بكلام لحن فيه؛ فقال جعفر بن يحيى: يا أمير المؤمنين، إنه قد لحن- فقال الرشيد للفرّاء أتلحن يا يحيى؟ فقال يا أمير المؤمنين! إن طباع أهل البدو الإعرابُ وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا حفظتُ أو كتبت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت- فاستحسن الرشيد كلامه. وقد قال الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين»: «ومتى سمعتَ حفظك الله نادرة من كلام الأعراب فإياك أن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها؛ فإنك إن غيرتها بأن لحنت في إعرابها أو أخرجتها مخرج كلام المولّدين والبلديّين، خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير، وإن سمعت نادرة من نوادر العوامّ وملحة من ملحهم فإيّاك أن تستعمل لها الإعراب، أو تتخير لها لفظًا حسنًا؛ فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ويخرجها من صورتها التي وضعت لها، ويذهب استطابتهم إياها[74][75].
وقال ابن عبد ربه: ” وذلك أنه من حكى نادرة مضحكة، وأراد أن يوفي حروفها حظّها من الإعراب، طمس حسنها وأخرجها عن مقدارها”[76].
وقد حذر الغيارى على العربية والإسلام من اللحن أشد التحذير، وبوبوا في مصنفاتهم أبوابًا خاصة بهذه المسألة:
فهذا الخطيب البغدادي يبوب في كتابه” الجامع لأخلاق الراوي” باب: ” مَنْ عَابَ اللَّحْنَ وَشَدَّدَ فِيهِ” وساق نقولاً في ذلك، نختار منها الآتي:
كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَقُولُ: “اللَّحْنُ فِي الرَّجُلِ السَّرِيِّ كَالْجُدَرِيِّ فِي الْوَجْهِ”.
وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الطَّلْحِيِّ: “أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَضْرِبُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ عَلَى اللَّحْنِ”.
وعن عَمْرُو بْنِ دِينَارٍ: “أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَضْرِبَانِ أَوْلَادَهُمَا عَلَى اللَّحْنِ”.
وقال سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ: ” كُنْتُ عِنْدَ أَبِي شَيْبَةَ وَعِنْدَهُ رَقَبَةُ وَكَانَ يَلْحَنُ لَحْنًا شَدِيدًا، فَقَالَ: رَقَبَةُ: “لَوْ كَانَ لَحْنُكَ مِنَ الذُّنُوبِ كَانَ مِنَ الْعَظَائِمِ”[77].
وابن عبد ربه في ” عقده” بوب بابًا: ” في الإعراب واللحن” وساق أقولاً وحكايات نختار منها الآتي:
مر الشعبي بقوم من الموالي يتذاكرون النحو، فقال لهم: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده.
قال أبو عبيدة: ليته سمع لحن خالد بن صفوان، والفتح بن خاقان، والوليد بن عبد الملك.
وقيل لعبد الملك: لقد عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيّبني ارتقاء المنابر وتوقّع اللحن.
وقال الحجاج لابن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: ألا ربما سبقك لسانك ببعضه في آن وآن. قال: فإذا كان ذلك فعرّفني.
وقال عبد الملك بن مروان: الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة على الشريف وقال: تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض.
وقال رجل للحسن: إن لنا إمامًا يلحن. قال: أميطوه.
وقال رجل للحسن: يا أبو سعيد، فقال: أحسب أن الدوانيق شغلتك عن أن تقول: يا أبا سعيد[78].
——————
[61] ينظر: تثقيف الخطيب لغويا (23-28).
[62] صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (1/ 206).
[63] صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (1/ 208).
[64] نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة (ص: 24).
[65] سبب وضع علم العربية (ص: 42).
[66] نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة (ص: 17).
[67] تاريخ الإسلام (6/ 499).
[68] الكامل في التاريخ (4/ 71).
[69] من تاريخ النحو العربي (ص: 15).
[70] نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة (ص: 17).
[71] الأضداد لابن الأنباري (ص: 244).
[72] الأضداد لابن الأنباري (ص: 245).
[73] البيان والتبيين (1/ 14).
[74] صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (1/ 211).
[75] تثقيف الخطيب لغويا (34 – 38).
[76] العقد الفريد (2/ 309).
[77] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 28-29).
[78] ينظر: العقد الفريد (2/ 307-309).
