نشأة علم النحو العربي

نشأة علم النحو العربي

تأليف: عبدالله بن عبده نعمان العواضي

نشأة النحو العربي وظاهرة اللحن:

يبدأ المقال باستعراض الحالة اللغوية للعرب قبل الإسلام وفي صدره، حيث كانت الفصاحة سجية وطبيعة جارية على ألسنتهم دون الحاجة إلى قواعد مدونة، ثم يوضح كيف أدى اتساع رقعة الدولة الإسلامية واختلاط العرب بالأعاجم والدخول في الإسلام إلى تسرب اللحن والخطأ إلى الألسنة. ويشرح النص أسباب تتدهور الملكة اللسانية كدخول العجم واستقرار الفاتحين في المصار وتربية الأمهات غير الأعجميات للأبناء، مما ولد خوفاً لدى العلماء من ضياع فهم القرآن والحديث، فابتكروا علم النحو. ثم يستعرض المقال المراحل التاريخية الأربع لتطور النحو: مرحلة الوضع والتكوين (من أبي الأسود إلى الخليل)، ومرحلة النشوء والنمو (ظهور الكتاب لسيبويه والمنافسة بين البصرة والكوفة)، ومرحلة النضوج والكمال (على يد المبرد وثعلب)، ومرحلة الترجيح والمذهب البغدادي. وفي جزئه الأخير، يُعرف المقال اللحن لغة واصطلاحاً، ويتتبع أمثلة وشواهد تاريخية منه في قراءة القرآن وفي كلام بعض الخلفاء والأمراء كالوليد بن عبد الملك، موضحاً موقف الصحابة والعلماء الصارم منه كعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز اللذين حذرا منه وأدبا عليه، وختاماً ينوه المقال إلى التمييز بين وجوب مراعاة الإعراب في المحافل والتدوين والقراءة، واغتفاره في المحادثات اليومية بين العوام.

الثاني: نشأة علم النحو:

كان العرب عند بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد وصلوا إلى ذِروة الرقي اللغوي، وسماء السمو البياني، وغدوا يَرضعون العربية النقية عن بيئتهم السليمة كما يرضعون اللبن عن أمهاتهم، فنزل القرآن بلغتهم التي بها ينطقون، فعرفوه ووعوه، وأدركوا مراميه بعد أن فهموا معانيه، فلم يشتبه عليهم الفاعل بالمفعول، ولا الفعل بالاسم، ولا الأمر بالنهي، وغيرُ ذلك من القوالب المعينة على فهم المعاني.

غير أن رسالة هذا الدين لما كانت عالمية فقد خالط العربَ الأقحاح غيرُهم من الأعاجم فبدأ انحراف اللسان في تلك البيئة الفصيحة يطل على ألسنة أولئك المسلمين الجدد، وهم معذورون بعجمتهم.

 ففي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان في الصحابة -رضي الله عنهم- بلال الذي كان يرتضخ لُكْنة حبشية، وصهيب الذي كان يرتضخ لكنة رومية، وسلمان الذي كان يرتضخ لكنة فارسية. أي: أن كلاً منهم كان ينزع إلى لغة قومه، ولا يستمر لسانهم على العربية استمرارا.

 وفي عهد الصحابة خرج الإسلام عن الجزيرة العربية إلى بلاد العجم من الفرس والروم، فبدأت السجية العربية تخف، وملكتها تتغير، وقد كان لذلك التغير أسباب:

أولاها: دخول بعض العجم الإسلامَ واختلاطُهم بالمجتمعات العربية الصِّرفة، مما بث فيها القول الملحون الذي غزا السليقة العربية في عقر دارها، “والسمع أبو الملكات اللسانية، ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع” كما قال ابن خلدون[57].

 بيد أن بعض أولئك الأعاجم -عبر التاريخ- تعلّم العربية وبرع فيها حتى صار يعلِّم بعض العرب.

ثانيها: ذهاب المسلمين الفاتحين إلى بلاد العجم واستقرار بعضهم فيها، مما جعل بعض أولئك العجم يتعلمون العربية بالسماع، ولكنها عربية ملحونة، فكان أولئك الفاتحون يسمعون العربية التي ينتشر فيها اللحن.

 ثالثها: أن بعض العرب الفصحاء صارت لهم زوجات وجوارٍ من نساء العجم وولدن لهم، فجاء الجيل الجديد هذا فتربى على أيدي تلك الأمهات على عربية ملحونة.

 ومن هنا بدأ اللحن يشيع في المجتمعات الإسلامية.

 قال الإشبيلي: “ولم تزل العرب تنطق على سجيَّتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها، حتى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان، فدخل الناس فيه أفواجًا، وأقبلوا إليه أرسالًا، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، واللغات المختلفة، ففشا الفساد في اللغة والعربية، واستبان منه في الإعراب الذي هو حَلْيها، والموضِّح لمعانيها”[58].

 إن هذا الغزو الذي اجتاح السليقة العربية أقلق ذوي الغيرة عليها، بل استثار الخوفَ على دين الله القائمِ على الكتاب والسنة، حيث خافوا بذهاب الملكة أن يذهب فهمُ القرآن والسنة، ففكروا مليًا في وضع قانون يضبط اللساني العربي، ويحافظ على سلامة الفهم للغة القرآن، فاجتمع الرأي على تأسيس علم سمي فيما بعد بالنحو.

قال ابن خلدون: “وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسًا، ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردةً شِبهَ الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالأشباه مثل” أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع”، ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابًا، وتسميةِ الموجِب لذلك التغيرِ عاملاً، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم، فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة، اصطلحوا على تسميتها بعلم النحو”[59].

 ——————

 [57] تاريخ ابن خلدون (1/ 754).

[58]طبقات النحويين واللغويين (ص: 11).

[59]تاريخ ابن خلدون (1/ 754).

ترك تعليق