من الظواهر اللغوية: الحذف (2) – الحذف والدليل
من الظواهر اللغوية: الحذف (2) – الحذف والدليل
المقدمة
ذكرنا آنفًا أن الحذف إسقاط لصيغ داخل النص التركيبي، وأن هذه الصيغ المسقطة يُفترض وجودها في النص؛ لسلامة التركيب نحويًّا. إلا أن هذا الحذف لا يكون عشوائيًّا، بل لا بد له من دليل يدل عليه، ويعينه، ويمنع اللبس في الفهم. وقد اشترط العلماء في جواز الحذف أن يكون في الكلام المذكور دلالة على الكلام المحذوف؛ لكي يُتمكن من معرفته، وإلا صار اللفظ مخلًّا بالفهم، وصار الكلام لغزًا، وينأى عن الفصاحة. هذا الدليل الذي لا بد من وجوده حتى يحسن الحذف ويجمل هو ما أطلق عليه العلماء (القرائن)، وهو إما دليل مقالي، أو دليل حالي. في هذا المقال، نعرض مفهوم الدليل في الحذف، وأنواعه، وأثر الحال المشاهدة في تأويل التراكيب اللغوية، ودور المتلقي في فهم المحذوف.
اشتراط الدليل في الحذف
“والحذف لا يصح ولا يجمل من الناحية البلاغية والدلالية، إلا إذا وقع موقعه المناسب، وكان في محله اللائق؛ ولذلك اشترط العلماء في جواز الحذف أن يكون في الكلام المذكور دلالة على الكلام المحذوف…؛ لكي يُتمكن من معرفته، وإلا يصير اللفظ مخلًّا بالفهم، ويصير الكلام لغزًا، وينأى عن الفصاحة” [2]، وهو ما أكده النحاة كابن السراج بقوله: “واعلم أن جميع ما يحذف فإنهم لا يحذفون شيئًا إلا وفيما أبقَوا دليل على ما ألقَوا” [3]؛ لذلك فإن الحذف لا يكون إلا “عند العلم، وأمن الإلباس، والشيء إذا عُلم وشُهر موقعه، سهُل حذفُه وإسقاطُه” [4]؛ ولذلك يقول (المبرد): “الحذف موجود في كل ما كثر استعمالهم إياه” [5].
الحذف الحسن والمستحسن
وبِناءً على هذا؛ فإن الحذف الحسن والمستحسن عند العرب هو ما كان عليه دليل؛ جاء في (أمالي المرتضى): “وإنما يستحسن العرب الحذف في بعض المواضع؛ لاقتضاء الكلام المحذوف، ودلالته عليه” [6]، وهو ما جعل الحذف غير المصحوب بدليل غير جائز؛ يقول الزمخشري: “وحذف ما لا دليل عليه غير جائز” [7]؛ لذلك فإنه لا مفر من الذكر، كما يقول (المبرد): “فإن لم يكن ذكر ولا حال دالة، لم يكن من الإظهار بُدٌّ” [8].
تطبيق على بيت أبي تمام
واستنادًا لما سبق من لزوم وجود دليل على المحذوف؛ خطَّأ الآمديُّ أبا تمام في قوله:
يَدِيْ لِمَنْ شَاءَ رَهْنٌ لَمْ يَذُقْ جُرَعًا مِنْ رَاحَتَيْكَ دَرَى ما الصَّابُ وَالعَسَلُ [9]
وعلق الآمدي على البيت بقوله: “لفظ هذا البيت مبني على فساد؛ لكثرة ما فيه من الحذف؛ لأنه أراد بقوله: (يدي لمن شاء رهن)؛ أي: أصافحه وأبايعه معاقدة أو مراهنة، إن كان لم يذق جرعًا من راحتيك درى ما الصاب والعسل، ومثل هذا لا يسوغ؛ لأنه حذف (إنْ) التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها؛ لأنها إذا حُذفت سقط معنى الشرط، وحذَفَ (مَنْ) وهي الاسم الذي صلته (لم يذق)؛ فاختل البيت وأشكل معناه” [10]، وقال القاضي الجرجاني: “حَذَفَ عمدة الكلام، وأَخَلَّ بالنظم، وإنما أراد: يدي لمن شاء رهن (إن كان) لم يذق، فحذف (إن كان) من الكلام؛ فأفسد الترتيب، وأحال الكلام عن وجهه” [11].
القرائن: مصطلح الدليل
وهذا الدليل الذي لا بد من وجوده حتى يحسُن الحذف ويجمل، ويستطيع القارئ أو السامع أن يُقدِّر المحذوف، دون أن يقع في لبس أو خلط – هو ما أطلق عليه أستاذنا الدكتور تمام حسان مصطلح: (القرائن) [12].
أنواع الدليل: المقالي والحالي
وهذا الدليل الذي يعيِّن ويشير إلى المحذوف هو: إما دليل مقالي، أو حالي؛ لأنه كما يقول ابن يعيش: “إن قرائن الأحوال قد تغني عن اللفظ؛ وذلك أن المراد من اللفظ الدلالة على المعنى، فإذا ظهر بقرينة حالية أو غيرها، لم يحتج إلى اللفظ المطابق، فإن أُتي باللفظ المطابق جاز وكان كالتأكيد، وإن لم يؤتَ به فللاستغناء عنه” [13]، وقد أدرك السيوطي أهمية القرائن، ودورها في إيصال المعنى؛ فنقل كلام ابن يعيش السابق في (الأشباه والنظائر) تحت عنوان: “قرائن الأحوال قد تغني عن اللفظ” [14].
الدليل المقالي
فالدليل الأول هو الدليل المقالي، ويكون بالنظر إلى إعراب اللفظ، أو كما يسميه أحد الباحثين المعاصرين بـ”المقام اللغوي المتعلق بالمستوى السطحي” [15]، ومن أنواعه: “الاستلزام، وسبق الذكر، وكلاهما من القرائن اللفظية” [16] على حد تعبير الدكتور تمام حسان، كما أنهما من أهم القرائن الدالة على الحذف [17]، فإذا كان اللفظ – مثلًا – منصوبًا، فإنك تحتاج إلى ناصب، كقولك: (أهلًا وسهلًا)، والتقدير: قدمت أهلًا، ونزلت سهلًا [18]، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: 30]؛ أي: أنزل خيرًا، بدلالة ما قبلها، وإذا كان مرفوعًا، فإنه يحتاج إلى رافع؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]؛ أي: خلقنا الله؛ لذا قال المبرد: “… ولا يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلومًا بما يدل عليه من متقدم: خبر، أو مشاهدة حال” [19]، وهو ما عناه أستاذنا الدكتور أحمد كشك بقوله: “باعتماد الحذف على المسرح اللغوي” [20]؛ لذلك فإن “المحذوف لا يعد مفصولًا أو معزولًا، وإنما تستدعيه العناصر المذكورة في النص؛ مما يجعل القارئ أو السامع يدرك المحذوف” [21].
الدليل الحالي
وأما الدليل الثاني: فهو الدليل الحالي أو المحيط الخارجي؛ فالنص “لا يُفسَّر فقط من خلال لغته ومفرداته، وإنما يفسر من خلال عناصر ليست لغوية، تسمى (المحيط الخارجي والملابسات)” [22]؛ لهذا فإن المتكلم يستطيع “أن يحذف من كلامه الذي يريد توصيل معناه لمن يتلقى كلامه – ما يمكن أن يفهمه المتلقي بقرائن الحال أو المقال، أو باللوازم الفكرية الخفية، أو بالإشارات التي تُدرَك بالذكاء” [23].
الدليل الحالي والسياق
وهذا الدليل الحالي قد يكون بالنظر إلى المعنى أو السياق؛ فالسياق والمقام لهما دور كبير في تحديد معنى اللفظ، أو ذكر اللفظ وحذفه، “كما في قولهم: فلان يحل ويربط؛ أي: يحل الأمور ويربطها؛ أي: ذو تصرف، ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: 69]؛ أي: سلمنا سلامًا” [24].
الحال المشاهدة ودورها في بيان المحذوف
ويدخل ضمن الدليل الحالي: الحالُ المشاهدة؛ فإن لها دورًا في بيان المحذوف، كما أنها تقوم “مقام أحد ألفاظ الخطاب اللغوي، ويُستغنى بها عنه فيُحذف البتة” [25].
وقد اهتم النحاة ببيان ما للحال المشاهدة من أثر ودَوْرٍ في تأويل وتحليل بعض التراكيب اللغوية؛ منهم المبرد الذي أشار إلى هذا في أكثر من موضع في كتابه “المقتضب”؛ إذ يقول: “ولا يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلومًا بما يدل عليه من متقدم: خبر، أو مشاهدة حال” [26]، ويقول أيضًا: “… فهذا لا يكون إلا لما تُشاهد من الحال؛ فلذلك استغنيت عن ذكر الفعل” [27]، ويقول في موضع آخر: “… أغناه عن ذكر الفعل ما شاهد من الحال” [28]، ويضرب المبرد لذلك مثالًا بقوله: “وكذلك كل مستغنًى عنه، فإن شئت أظهرت الفعل… وترى الرامي قد رمى فتسمع صوتًا، فتقول: القرطاسَ والله؛ أي: أصبتَ… وإن شئت قلت: أصبتَ القرطاس يا فتى” [29]، ويقول: “وقد يحذف الفعل… وذلك قولك: رأسَك والحائطَ، ورأسَه والسيفَ يا فتى… دلَّ على الفعل المحذوف بما يُشاهدُ من الحال” [30].
مشاهدة أحوال المتكلمين عند ابن جني
كذلك أشار ابن جني إلى ضرورة مشاهدة أحوال المتكلمين، والنظر إلى وجوههم وتفرسها؛ إذ يدلل على المعنى المقصود، ويقلل ما في النفوس من معانٍ وأغراض [31].
دلالة الحال وقوة البيان
لذلك كانت دلالة الحال المستغنى بها عن المحذوف دليلًا على الحذف وقوة بيانه؛ يقول حازم القرطاجني: “إنما يحسن الحذف ما لم يشكل به المعنى؛ لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء، فيكون في تعدادها طول وسآمة؛ فيحذف ويكتفى بدلالة الحال عليه، وتُترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها على الحال” [32]؛ وعليه فإن للمتلقي دورًا بارزًا في التحليل وفهم النص للوقوف على المحذوف، سواء أكان ذلك من خلال الدليل المذكور، أم الدليل الحالي، أم الدليل المقامي السياقي؛ فالعبارة المختصرة “تعتمد على ذكاء القارئ والسامع، وتعوِّل على إثارة حسه، وبعث خياله، وتنشيط نفسه؛ حتى يفهم بالقرينة، ويدرك باللمحة، ويفطن إلى معاني الألفاظ التي طواها التعبير” [33].
———————–
[1] انظر: ظاهرة الحذف والذكر، بحث بمجلة علوم اللغة، المجلد (13)، السنة 2010 م، العدد الثاني، د. فايز أحمد محمد الكومي، ص: 216.
[2] بلاغة الحذف في القرآن الكريم، د. محمد الطاوس، دار حراء للطباعة والنشر، المنيا، الطبعة الأولى 1995 م، ص: 26.
[3] الأصول في النحو، لابن السراج، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1417 ه – 1996 م، 2/ 254.
[4] البلاغة القرآنية في تفسير (الزمخشري) وأثرها في الدراسات البلاغية، د. محمد محمد أبو موسى، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية 1408 ه – 1988 م، ص: 403.
[5] المقتضب، أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، تحقيق الأستاذ الشيخ/ محمد عبدالخالق عضيمة، وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1415 ه – 1994 م، 2/ 144.
[6] أمالي المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد)، 2/ 48.
[7] الكشاف، 2/ 654.
[8] المقتضب، 3/ 267.
[9] البيت من البسيط، لأبي تمام يمدح المعتصم بالله، من قصيدة أولها: فَحْواكَ عَيْنٌ على نَجْوَاكَ يا مَذِلُ حَتَّامَ لاَ يَتَقضَّى قَوْلُكَ الخَطِلُ، المذِل: الذي لا يكتم سره، الخَطِل: المضطرب؛ (شرح ديوان أبي تمام للخطيب التبريزي)، قدم له ووضع هوامشه وفهارسه: راجي الأسمر، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1414 ه – 1994 م، 2/ 8، وانظر: دلائل الإعجاز، ص: 84، وبلا نسبة في أسرار البلاغة، ص: 143، و”الصاب”: شجر مرٌّ له عصارة بيضاء كاللبن بالغة المرارة، إذا أصابت العين أتلفتها؛ (المعجم الوسيط، 1/ 527).
[10] الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، تحقيق الأستاذ/ السيد أحمد صقر، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1992 م، 1/ 190.
[11] الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني، تحقيق وشرح الأستاذين: محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، الطبعة الأولى 1427 ه – 2006 م، ص: 75.
ذكر التبريزي في شرحه لديوان أبي تمام أن “البيت قد حُذف منه حرف النفي؛ لأن المعنى معنى القسم، كأنه قال: والله لا أدري مَن لم يذق جُرَعًا من راحتيك، فحذف النفي؛ لأن المعنى دالٌّ عليه، كما تقول: والله أفعل أبدًا؛ أي: لا أفعل”، كما ذكر عدة تأويلات أخرى ترفع الخطأ عن أبي تمام، ومعنى البيت: “من لم يذق من بأسك وجودك جُرَعًا، لم تتحقق عنده مرارة الحنظل، ولا حلاوة العسل”؛ انظر: شرح التبريزي لديوان أبي تمام، 2/ 552.
[12] راجع اللغة العربية معناها ومبناها، د. تمام حسان، الفصل الخامس (النظام النحوي)، دار الثقافة، الدار البيضاء، من دون رقم طبعة، 1994 م، ص: 177.
[13] شرح المفصل، لابن يعيش، 1/ 125.
[14] الأشباه والنظائر، للسيوطي، تحقيق: د. عبدالعال سالم مكرم، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1406 ه – 1985 م، 2/ 301.
[15] انظر ظاهرة الحذف، فايز الكومي، ص: 216.
[16] اللغة العربية معناها ومبناها، ص: 221.
[17] انظر: المرجع السابق، ص: 221.
[18] انظر: الحذف والتقدير، د. علي أبو المكارم، ص: 201.
[19] المقتضب، 2/ 79.
[20] انظر: اللغة والكلام، أبحاث في التداخل والتقريب، د. أحمد كشك، دار غريب، القاهرة، 2004 م، ص: 18.
[21] ظاهرة الحذف، فايز الكومي، ص: 225.
[22] المرجع السابق، ص: 224.
[23] الأسلوب الخبري وأثره في الاستدلال واستنباط الأحكام الشرعية، ص: 145.
[24] بلاغة الحذف في القرآن الكريم، د. محمد الطاووس، ص: 27.
[25] الوجهة الاجتماعية في منهج التحليل اللغوي، سائدة عمر عبدالله العيص، بحث منشور في مجلة كلية دار العلوم، يناير 2012 م، العدد 64، ص: 380.
[26] المقتضب، 2/ 79.
[27] المقتضب، 3/ 264.
[28] المقتضب، 3/ 264.
[29] المقتضب، 2/ 317، وانظر الكتاب، 1/ 257.
[30] المقتضب، 3/ 215.
[31] انظر: الخصائص، 1/ 245.
[32] منهاج البلغاء وسراج الأدباء، أبو الحسن حازم القرطاجني، تقديم وتحقيق: محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1986 م، ص: 391.
[33] خصائص التراكيب، دراسة تحليلية لمسائل علم المعاني، د. محمد محمد أبو موسى، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1416 ه – 1996 م، ص: 153.
من الظواهر اللغوية: الحذف (3) – بين الحذف والإضمار
المقدمة
علمنا أن (الحذف) إسقاطُ جزءٍ من الكلام أو التركيب، غير أنه قد وقع اختلاط بين مصطلح (الحذف) ومصطلح آخر هو (الإضمار)، وفي تراثنا النحوي من يفرق بين هذين المصطلحين، ومنهم من يساوي بينهما. وقد ذهب بعض النحاة إلى التفريق بين الحذف والإضمار، فمنهم من رأى أن الإضمار يشترط فيه بقاء أثر المقدر في اللفظ، بينما الحذف لا يشترط فيه ذلك. في حين ذهب كثير من النحاة إلى عدم التفريق بين المصطلحين، واستخدموهما بمعنى واحد. هذا الاختلاف في المصطلح يعكس ثراء التراث النحوي وتنوع مدارسه، ويستدعي وقفة تحليلية لبيان حقيقة هذا الخلاف وأسبابه. في هذا المقال، نعرض آراء النحاة في التفريق بين الحذف والإضمار، ونحلل أدلتهم، ونبين الرأي الراجح في هذه المسألة المصطلحية.
التفريق بين الحذف والإضمار عند بعض النحاة
علمنا أن (الحذف) إسقاطُ جزءٍ من الكلام أو التركيب، غير أنه قد وقع اختلاط بين مصطلح (الحذف) ومصطلح آخر هو (الإضمار)، وفي تراثنا النحوي من يفرق بين هذين المصطلحين كـ(الزركشي) الذي يقول: “والفرق بينه – أي: الحذف – وبين الإضمار: أن شرط المضمر بقاء أثر المُقدَّر في اللفظ؛ نحو: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: 31]، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الفتح: 6]، ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: 171]؛ أي: ائتوا أمرًا خيرًا لكم، وهذا لا يُشترَط في الحذف؛ ويدل على أنه لا بد في الإضمار من ملاحظة المقدَّر (باب الاشتقاق)، فإنه من أضمرت الشيء: أخفيته … وأما الحذف: فمن حذفت الشيء: قطعته، وهو يُشعِر بالطرح، بخلاف الإضمار؛ ولهذا قالوا: (أنْ) تنصب ظاهرة ومقدرة، وردَّ ابن ميمون قول النحاة: إن الفاعل يُحذف في باب المصدر، وقال: الصواب أن يقال: يُضمَر ولا يُحذَف؛ لأنه عمدة في الكلام”.
رأي ابن جني في التفريق
وقال ابن جني في (خاطرياته) [1]: “من اتصال الفاعل بالفعل أنك تُضمِره في لفظ إذا عرفتَه؛ نحو: (قم)، ولا تحذفه كحذف المبتدأ؛ ولهذا لم يجُزْ عندنا ما ذهب إليه الكسائي في (ضربني وضربتُ قومك)” [2].
والمتأمل لتعليل ابن جني بعدم حذف الفاعل للاتصال بين الفعل والفاعل وأنهما مرتبطان، وبينهما علاقة إسنادية؛ لذلك فإنه لا يحذف لأنه عمدة – يعجب؛ لأنه في الوقت نفسه يقر بحذف المبتدأ مع أنه عمدة في الجملة الاسمية، وبينه وبين الخبر علاقة إسنادية، دون أن يذكر لنا ابن جني السبب وراء هذه التفرقة.
رأي أبي البقاء العكبري في التفريق
وقد ذهب أيضًا إلى التفريق بين الحذف والإضمار (أبو البقاء العكبري) حينما تعرض للحديث عن قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]؛ قال: “فأما (حين) فمذهب سيبويه أنه خبر (لات)، واسمها محذوف؛ لأنها عملت عمل (ليس)؛ أي: ليس الحين حين هرب، ولا يُقال: هو مضمر؛ لأن الحروف لا يضمر فيها، وقال الأخفش: هي – أي: لات – العاملة في باب النفي فـ(حين) اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: لا حين مناص لهم أو حينهم، ومنهم من يرفع ما بعدها، ويقدر الخبر المنصوب؛ كما قال بعضهم: (فأنا ابنُ قيسٍ لا براحُ)” [4].
التسوية بين الحذف والإضمار عند كثير من النحاة
غير أننا نجد كثيرًا من كتب التراث النحوي قد ساوت بين مصطلحي الحذف والإضمار، ولم تفرق بينهما، حتى إنك لتجد اللفظين يتبادلان في القضية الواحدة والموضوع الواحد في بعض الأوقات؛ فهذا أبو حيان حينما يتعرض لقوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: 93]، يجعل (ضربًا) منصوبًا بفعل محذوف، يقول: “فهو – أي: ضربًا – مصدر فعل محذوف” [5]، وحين يتعرض لقوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 49]، يذكر خمسة أوجه في نصب (رسولًا) منها أن يكون منصوبًا بفعل مضمر والتقدير: ويجعله رسولًا، أو إضمار فعل من (أرسل) والتقدير: أُرسلتُ إلى الناس رسولًا [6]، وكذلك حين يتعرض لقوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، يجعل الجار والمجرور ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ متعلقًا بفعل مضمر؛ إذ يقول: “والأجود أن يتعلق قوله ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بمضمر يدل عليه ما قبله” [7].
بل إن أبا حيان أحيانًا يستخدم مصطلح الحذف والإضمار في موضع واحد، وذلك خلال حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]؛ يقول: “و﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ﴾ جواب قسم محذوف؛ أي: وأقسموا لو شاء الله لهدى الناس جميعًا، ويدل على إضمار هذا القسم وجود (أنْ) مع (لو)؛ كقول الشاعر:
أما واللهِ أَنْ لَوْ كُنْتَ حُرًّا وما بِالحُرِّ أَنْتَ ولا القَمِيْنِ [8]” [9]
استخدام ابن مالك لمصطلحي الحذف والإضمار
أما ابن مالك فقد استخدم أيضًا مصطلحي الحذف والإضمار بمعنًى واحد دون تفريق بينهما؛ فتراه يقول في ألفيته في باب (الابتداء) متحدثًا عن حذف الخبر وجوبًا:
وقَبْلَ حالٍ لا يكونُ خَبَرا
كَضَرْبِي العَبْدَ مُسِيْئًا، وَأَتَمّ
عنِ الذي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
تبيينيَ الحقَّ مَنُوْطًا بالحِكمْ [10]
ويقول أيضًا في باب (اشتغال العامل عن المعمول):
فالسَّابِقُ انصبه بفعلٍ أُضْمِرَا حَتْمًا مُوافِقٍ لِمَا قَدْ أُظْهِرَا [11]
وأحيانًا أُخر يعبر عن المحذوف بلفظ (الساقط) أو (السقوط)؛ كما في باب (لا النافية للجنس) يقول:
وشاعَ في ذا البابِ إِسْقاطُ الخبَرْ إذا المرادُ معَ سقوطِهِ ظَهَرْ [12]
وفي باب (الأفعال التي تنصب مفعولين) يقول:
ولا تُجِزْ هُنا بلا دلِيْلِ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ [13]
إذًا فالحذف والإضمار والسقوط جاءت جميعها بمعنًى واحد عند ابن مالك.
رأي الباحثين المعاصرين في التفريق
كما أن من بين الباحثين المعاصرين من ذهب إلى أنه لا فرق بين الحذف والإضمار؛ كالأستاذ/ إبراهيم مصطفى في كتابه (إحياء النحو)؛ إذ يرى أن الإضمار لا يختلف عن الحذف؛ لأن كلًّا منهما فيه تقدير ما لا وجود له في ظاهر النص اللغوي [14].
وإلى هذا الرأي أيضًا ذهب الدكتور محمد إبراهيم الطاوس، وجعله أقرب للحقيقة والصواب، مستشهدًا بما جاء في حاشية (الشهاب الخفاجي) على تفسير البيضاوي؛ حيث جاء فيه قوله: “قول مضمر؛ أي: محذوف” [15]، كما يستشهد الدكتور الطاوس بموضع آخر في حاشية (الشهاب) ذكر فيه “أن الحذف أعم من الإضمار، وقد يُستعمل كلٌّ منهما بمعنى الآخر” [16].
الرأي الراجح في المسألة
إذًا فكثير من العلماء لم يلتزموا هذا الالتزام الصارم في التفريق بين المصطلحين كما ذهب إليه بعضهم، فكثيرًا ما يُعبَّر بأحد المصطلحين مكان الآخر، وهذا ما يميل إليه الباحث؛ نظرًا لما تؤكده شواهد تراثنا النحوي، كما أن التعبير بأحد المصطلحين عن الآخر هو مجاز يدل عليه ثراء لغتنا وغناها، وسعتها وقوة بيانها وعظمتها.
————————-
[1] لم أهتدِ إلا إلى الجزء الثاني من الخاطريات لابن جني، تحقيق ودراسة: سعيد بن محمد بن عبدالله القرني، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، كلية اللغة العربية، 1417 ه – 1996 م، وكتاب بقية الخاطريات لابن جني أيضًا، تحقيق: د/ محمد أحمد الدالي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1413 هـ – 1992 م، ولم أقف فيها على هذا القول في مظانِّه.
[2] البرهان في علوم القرآن، الزركشي، تحقيق الأستاذ/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، الطبعة الثالثة، منقحة ومحررة، 1400 هـ – 1980 م، 3/ 102، 103.
[3] عجزُ بيتٍ من الكامل لسعد بن مالك بن ضُبيعة، والبيت بتمامه:
من صدَّ عن نيرانها = فأنا ابنُ قيسٍ لا بَراحُ
الكتاب: 1/ 58، وفيه (فرَّ) بدلًا من (صدَّ)، أمالي ابن الشجري، تحقيق ودراسة: د/ محمود محمد الطناحي، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، 1413 ه – 1992 م، 1/ 431، شرح المفصل: 1/ 109، المغني لابن فلاح اليمني: 3/ 112، همع الهوامع: 1/ 397، شرح شواهد المغني للسيوطي، ذُيِّل بتصحيحات وتعليقات العلامة محمد محمود الشنقيطي، وقف على طبعه وعلَّق حواشيه: أحمد ظافر كوجان، 1386 ه – 1966 م لجنة التراث العربي، دمشق، ص: 583، 612، خزانة الأدب: 1/ 467، 2/ 172، 4/ 39، الأشباه والنظائر للسيوطي: 8/ 109، 130، وشرح التصريح: 1/ 199، والدرر: 1/ 248، لسان العرب: 1/ 361 مادة (برح)، وبلا نسبة في المقتضب: 4/ 360، والمفصل: ص: 56، ومغني اللبيب: 1/ 266، وأمالي ابن الحاجب، تحقيق ودراسة: د/ فخر صالح سليمان قداره، دار الجيل، بيروت، دار عمار، عمان، دون طبعة أو تاريخ: 1/ 326، والإنصاف: 1/ 314، وتخليص الشواهد: ص: 293، ورصف المباني في شرح حروف المعاني، أحمد بن عبدالنور المالقي، تحقيق: أحمد محمد الخراط، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، د. ت، ص 266، وكتاب اللامات للزجاجي، تحقيق: مازن المبارك، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1405 هـ – 1985 م، ص 105.
[4] التبيان في إعراب القرآن، أبو البقاء العكبري، تحقيق الأستاذ/ علي محمد البجاوي، مكتبة ومطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، د. ت: 2/ 1097.
[5] البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، حقق أصوله وعلق عليه وخرج أحاديثه: د/ عبدالرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1423 هـ – 2002 م، 7/ 487.
[6] انظر البحر المحيط: 2/ 741، 742.
[7] البحر المحيط: 5/ 630.
[8] البيت من الوافر، وهو بلا نسبة في الإنصاف: 1/ 178، رصف المباني: ص: 116، مغني اللبيب: 1/ 42، شرح شواهد المغني: ص: 111، شرح أبيات مغني اللبيب، عبدالقادر البغدادي، تحقيق: عبدالعزيز رباح، أحمد يوسف دقاق، دار المأمون للتراث، دمشق، بيروت، الطبعة الثانية، 1407 هـ – 1988 م: 1/ 157، خزانة الأدب في إحدى روايتيه: 4/ 143، وقد ذكر البغدادي أن الفرَّاء أنشده في تفسير سورة الجن عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ [الجن: 16]، وعندما رجعت إلى (معاني القرآن) للفراء لم أجدها، ورواية البيت في جميعها ما عدا (رصف المباني):
أما واللهِ أَنْ لَوْ كُنْتَ حُرًّا وما بالحُرِّ أَنْتَ ولا العَتِيْقِ
وأنشده أبو علي الفارسي عن بعض البغداديين في كتاب الشعر، أو شرح الأبيات المشكِلة في الإعراب: 2/ 443:
أما واللهِ عالِمِ كُلِّ غَيْبٍ وربِّ الحِجْرِ والبَيْتِ العَتِيْقِ
لَوْ أنَّكَ يا حُسَيْنُ خُلِقْتَ حُرًّا وما بِالحُرِّ أَنْتَ وَلا الخَلِيْقِ
وكذلك في شرح الرضي على الكافية: 2/ 251، وهي الرواية الأخرى للخزانة: 4/ 140، كما نقل هذه الرواية عن الفارسيِّ (السيوطيُّ) في شرح شواهد المغني: ص: 111، والبغدادي في شرح أبيات مغني اللبيب: 1/ 157، 158.
[9] البحر المحيط، 5/ 504، 505.
[10] ألفية ابن مالك، حققها وخدمها: سليمان بن عبدالعزيز بن عبدالله العيوني، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض، د. ت: ص: 89.
[11] ألفية ابن مالك، ص: 102.
[12] ألفية ابن مالك، ص: 97.
[13] ألفية ابن مالك، ص: 98.
[14] انظر: إحياء النحو، الأستاذ/ إبراهيم مصطفى، الطبعة الثانية، 1413 ه – 1992 م، دون ناشر، ص: 56.
[15] بلاغة الحذف في القرآن الكريم، د/ محمد الطاوس، دار حراء للطباعة والنشر، المنيا، الطبعة الأولى، 1995 م، ص: 19.
[16] المرجع السابق، ص: 19.
