صرح المقاييس والتقنين: نشأة القاعدة النحوية وأطوارها التاريخية
صرح المقاييس والتقنين: نشأة القاعدة النحوية وأطوارها التاريخية
مقدمة عامة
تُمثّل القاعدة النحوية الدستور الحاكم للسان العربي والضابط الكلي الذي حفظ بيانه وعصم أداءه من التشتت واللحن؛ إذ لم تكن وليدة مصادفة تاريخية، بل نتاج وعي جماعي ومنهجية علمية صارمة اتكأت على الفطرة والسليقة. يبدأ هذا المقال بتأصيل مفهوم القاعدة في شقيه: اللغوي القائم على فكرة الأساس والاستقرار الحسي والمعنوي، والاصطلاحي الذي يتأرجح فيه المفهوم بين “الكلية التامة” و”الأكثرية الغالبة” الواصفة لسلوك التركيب اللغوي. كما يتتبع المقال الأطوار التاريخية الثلاثة لنشأة التقعيد وتطوره؛ بدءاً بمرحلة “جمع اللغة الشفهية” بمحدداتها الزمانية والمكانية الصارمة، مروراً بمرحلة “الفحص والتمحيص” والتصنيف الإحصائي، وصولاً إلى مرحلة “الاستقرار والترسيخ” الممثلة في عبقرية المدرستين البصرية والكوفية في العراق. ويخلص الطرح إلى أن صياغة النحو كانت تلبية لحاجة اجتماعية ولغوية جارفة لإيجاد سلطة معيارية تحتكم إليها الأمة لحفظ كيانها الثقافي والديني.
أولاً: أصل الوضع المعجمي وفلسفة الاستقرار البنيوي
في فقه اللغة وتتبع دلالات الكلم، يُشير لفظ “القواعد” باعتباره جمعاً لمفرد (قاعدة) إلى الأساس الذي يُبنى عليه غيره؛ فقاعدة كل شيء في منطق العرب هي أصله وعماده الأصيل. ومن هذا المفهوم الحسي اشتق الناس استعمالاتهم في مباني العمارة، فقالوا: (قواعد البيت) أي أسسه المادية المستقرة في الأرض التي ترفع البنيان وتحميه من السقوط. ولم يقف اللسان عند هذا التحديد المادي، بل نقل العقلي العربي هذا المفهوم من حيز الأمور الحسية المشاهدة إلى فضاء الأمور المعنوية المجردة؛ فصاروا يقولون: (قواعد العلوم) إشارة إلى الأصول الكلية والمبادئ النظرية الثابتة التي يرتكز عليها الفهم وينبني عليها الفكر. فالقاعدة في حقيقتها المورفولوجية هي ما يقعد عليه الشيء ويستند إليه؛ بحيث يكتسب من القعود والتمكن صفة الاستقرار، والثبوت، والديمومة النطقية والمعرفية.
ثانياً: المفهوم الاصطلاحي بين الكلية الشاملة والأكثرية المطردة
عند الانتقال بالقاعدة من الوعاء المعجمي إلى الميدان الاصطلاحي والدرس النحوي، نجدها تلتقي بمفهوم “الضابط”؛ وهي تُعرف تقليدياً بأنها الأمر الكلي أو القضية الكلية المنطبقة على جميع جزئياتها ليتعرف منها على أحكام تلك الجزئيات. وبناءً على هذا الحد التجريدي الذي وضعه الشريف الجرجاني والفيومي، فإن القاعدة النحوية هي قانون كلي مطرد، من نحو قولنا: (كل فاعل مرفوع، وكل مفعول منصوب، وكل مضاف إليه مجرور). بيد أن الفحص النقدي لواقع اللغة أثبت للنحاة المتأخرين والمحدثين أن القاعدة في حقيقتها التركيبية هي قانون “أكثري لا كلي تام”؛ نظراً لأن سلوك اللسان البشري العفوي يتسع دوماً للظواهر الشاذة والنادرة التي لا تبطل شمولية الحكم العام ولكنها تكسر إحكام الكلية المطلقة.
ومن هنا غدت القاعدة النحوية تعبيراً واصفاً ومختصراً لظاهرة لغوية متكررة لاحظها الباحث اللغوي في متن الكلام، فصاغها في أوجز عبارة ممكنة لتكون معياراً يُقاس عليه. وفي هذا السياق المعرفي، يرى الإمام جلال الدين السيوطي أن من سمات القاعدة جدارتها بجمع فروع متباينة تنتمي لأبواب شتى من أبواب النحو، مما يمنحها رداءً تنظيمياً جامعاً. فالقواعد -في نهاية المطاف- هي وصف دقيق لسلوك بنيوي معين يعتور تركيب اللغة، وهي تُمثل دستوراً عربياً عاماً ونتاجاً فكرياً جماعياً مشتركاً بين فحول العلماء الذين ملكوا أدوات الاستقراء التام، والاستنتاج العبقري، ثم التقنين والتقعيد؛ إذ إن الأصل في كل علم أن يكون ثمرة لجهود متطابقة، التقت على أصل واحد وهدف شريف بعينه. وإذا كانت مدرسة البصرة النحوية قد حازت شرف السبق التاريخي في تقنين العربية ووضع مقاييسها الأولى، فإن لمدرسة الكوفة فضلاً لا يُنكر في تكميل الصرح، وإتمام الأحكام، وضخ المرونة التفسيرية في كثير من المسائل الجزئية.
ثالثاً: طور جمع المادة اللغوية والمحددات الأنثروبولوجية للسماع
لم تظهر القواعد النحوية الشامخة إلى الوجود دفعة واحدة، بل مرت بأطوار تاريخية ومنهجية بالغة الدقة؛ بدأت بأولى الخطوات المتمثلة في “مرحلة جمع اللغة الشفهية” من منابعها البكر. وفي هذا الطور، انطلق العلماء إلى أعماق الصحراء يعتمدون على السماع المباشر والمشافهة الحية من أفواه الأعراب الذين لم تتلوث سليقتهم الفطرية بلكنة الحواضر. ولضمان نقاء المادة العلمية، وضع اللغويون العرب إطاراً مكانياً وجغرافياً صارماً لقبول الرواية؛ فخصوا بالاحتجاج قبائل بعينها توغلت في العروبة وتمكنت في الفصاحة (كقبائل قيس، وتميم، وأسد، وهذيل، وبعض بطون كنانة والطائيين)، ونأوا بأنفسهم عن قبول مادة القبائل المتاخمة لأطراف الجزيرة العربية والتي جاورت الفرس، أو الروم، أو الأحباش؛ مخافة أن يكون اللحن قد تسرب إلى ألسنتهم بفعل المثاقفة والتجارة.
ولم يكتفِ العقل النحوي بضبط المكان، بل شفع ذلك بوضع إطار زماني (عصور الاحتجاج) صارم ومحدد لقطع الرواية؛ فجعلوا نهاية القرن الثاني الهجري سقفاً زمنياً لقبول لغة القبائل المستقرة على أطراف وجوانب الجزيرة العربية، ومَدُّوا هذا الحبل الزمني حتى نهايات القرن الرابع الهجري بالنسبة للقبائل القاطنة في قلب وجوف البادية المنعزلة عن طرق القوافل ومخالطة الأعاجم، وهو جهد توثيقي مفرط في الدقة نقله السيوطي عن أبي نصر الفارابي في كتاب الاقتراح لتأصيل شروط السماع المعتد به.
رابعاً: طور التمحيص والفرز والاستنباط الإحصائي
بعد اكتمال تدوين المادة الشفهية الغزيرة، دخل الدرس اللغوي “مرحلة الفحص والتمحيص” والغربلة النقديّة للمجموع اللغوي المصنف؛ وهي المرحلة التي مهدت مباشرة لوضع القواعد. ومن البديهي علمياً أن صياغة الأحكام قد تأخرت زمنياً عن جمع المادة؛ إذ لا يمكن للصرفي أو النحوي أن يصوغ قانوناً كلياً ما لم تتوفر بين يديه مادة لغوية واقعية تخضع للفحص والتفتيش. فالتقعيد في جوهره المعرفي ما هو إلا عملية تشريح واستقراء لمادة تم جمعها بالفعل، ومحاولة جادة لتصنيفها في أبواب مستقلة، واستنباط النظريات والعلل التي تحكم حركتها الإعرابية والبنيوية.
وعندما شرع نحاة العرب في استقراء تلك النصوص والمأثورات، اتخذوا من “معيار الشيوع والكثرة العددية” ميزاناً وحيداً لتأسيس القواعد؛ فما زادت نسبة وروده وكثر استعماله على ألسنة الفصحاء جعلوه هو “الأصل المقيس عليه” الذي يُستنبط منه الصحيح المقبول وتُقاس به الفصاحة، وجعلوا ما ندر أو قلّ في دائرة الشذوذ أو اللغات الخاصة التي تُحفظ ولا يُقاس عليها، رغبةً في توحيد سنن اللسان وحمايته من التشتت اللهجي.
خامساً: استكمال الأسباب وعصامية النشوء العربي
تجمع شهادات المحققين والمؤرخين للدرس اللغوي على أن علم النحو العربي قد نبتت جذوره وأشرقت شمسه في أرض العراق (وتحديداً في البصرة والكوفة) في صدر الإسلام لحاجات دينية واجتماعية ملحة. وكانت هذه النشأة نشأة عربية خالصة، نابعة من مقتضى الفطرة وعفوية السليقة لحماية تلاوة كتاب الله، ثم تدرج هذا العلم في النمو والترقي ماشياً مع سنن التطور الطبيعي للعلوم حتى اكتملت أبوابه، واستقرت مصطلحاته، واستقام صرحه عاليًا؛ دون أن يكون مقتبساً أو متأثراً بقواعد لغة أخرى (كاليونانية أو السريانية) لا في لحظة نشوئه الأولى ولا في أطوار تدرجه اللاحقة.
إن هذا العلم قد استكمل أسبابه المعرفية، ورسخت أسسه الهندسية، ووضعت قواعده الكلية والجزئية بفضل رجال ضربوا في مناكب الأرض ونذروا أنفسهم لحفظ اللسان، فوصلوا بالنحو إلى الغاية القصوى من الاتساق والكمال. وبهذا الإحكام، فتح الأوائل الباب واسعاً لمن جاء بعدهم من طبقات المتأخرين والمحققين؛ ليعملوا عقولهم في تلك التركة الضخمة فهماً، وهضماً، وتوضيحاً للمبهم، وتفريعاً للمسائل الشائكة، وتنقيحاً للعلل والآراء، مما جعل النحو تراثاً حياً متجدداً يتحدى الزمن.
إن المحرك الأساسي وراء هذه الحركة العلمية الفريدة يعود إلى رغبة طبيعية جارفة تشترك فيها كل جماعة لغوية متجانسة في وجود “قاعدة معيارية” تحتكم إليها. وإلى جانب هذه الرغبة الجارفة في وجود سلطة لغوية مختصة (تمثلت في النحاة واللغويين) يتخذها المتكلمون قبلةً وحكماً وفصلاً في كل ما يعرض لهم من مشكلات بيانية وتنازع في الأساليب؛ وُجدت رغبة اجتماعية وثقافية كبرى لدى السواد الأعظم من الأمة تمثلت في التماس قواعد لغوية محددة، مختصرة، سهلة المأخذ، تضبط اللسان وتعصم الفكر دون إغراق في التفاصيل، وهو ما حققته صناعة النحو العربي بكفاءة منقطعة النظير.
——————————
[1] ينظر لبيان التفصيل المعجمي لمادة (قعد): الجوهري، أبو نصر إسماعيل (1990). الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية. تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار. بيروت: دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة، 2: 525؛ وابن فارس، أبو الحسين أحمد (1979). معجم مقاييس اللغة. تحقيق: عبد السلام هارون. بيروت: دار الفكر، 5: 108.
[2] ينظر: الفيومي، أحمد بن محمد (1987). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. بيروت: مكتبة لبنان، ص 263.
[3] الجرجاني، علي بن محمد بن علي (1405هـ). التعريفات. تحقيق: إبراهيم الأبياري. بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، ص 219.
[4] ينظر: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (1316هـ). الأشباه والنظائر في النحو. حيدر أباد الدكن، 1: 6.
[5] شرف الدين، محمود (1968). التقعيد النحوي بين السماع والقياس. (رسالة دكتوراه غير منشورة). القاهرة: كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ص 19.
[6] ينظر: مسعود، فوزي. سيبويه جامع النحو. ص 25.
[7] نقل الإمام السيوطي تفصيلاً حافلاً عن المعلم الثاني أبي نصر الفارابي حدد فيه أسماء القبائل الفصيحة التي جُمعت منها المادة ومسوغات استبعاد غيرها من قبائل الأطراف. ينظر: السيوطي، جلال الدين (د.ت). الاقتراح في أصول النحو. حيدر أباد: دار المعارف النظامية، الطبعة الأولى، ص 27-28.
[8] عمر، أحمد مختار. البحث اللغوي عند العرب. القاهرة: عالم الكتب، ص 79.
[9] ينظر: حسان، تمام (1958). اللغة بين المعيارية والوصفية. القاهرة: مطبعة الرسالة، ص 35.
[10] ينظر: الطنطاوي، محمد. نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة. القاهرة: دار المعارف، ص 10.
[11] السيد، عبد الرحمن (1989). مدرسة البصرة النحوية: نشأتها وتطورها. (رسالة ماجستير). القاهرة: كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ص 63.
