محاكمة البنية القياسية: قراءة نقدية في ثغرات التقعيد النحوي

محاكمة البنية القياسية: قراءة نقدية في ثغرات التقعيد النحوي

مقدمة عامة

يقف هذا المقال على أرضية نقدية تفكك الصرح النحوي العربي، مستعرضاً أبرز المآخذ والاعتراضات التي وجهها العلماء والباحثون -قديماً وحديثاً- لمنهج تدوين القواعد وصياغة الأحكام. ويسلط الضوء على إشكالية “الاستقراء الناقص” الذي حصر مادة الاحتجاج اللغوي في رقعة زمانية ومكانية ضيقة، مقصياً قبائل بأكملها، مما جعل الأحكام قاصرة عن الشمول. كما يناقش المقال الغموض المحيط بـ “مفهوم الكثرة” وضوابطه الإحصائية، وعيوب المزج بين اللهجات واللغة النموذجية المشتركة. ويمتد التحليل ليعرض انتقادات المدارس الحديثة والوصفيين الذين عابوا على النحاة خلط المستويات اللغوية وإسقاط لغة التخاطب اليومي لحساب النص الأدبي والشعري. غير أن المقال يوازن هذا الطرح بالتماس العذر للرواد الأوائل؛ مبيناً أن غايتهم الكبرى كانت صون النص القرآني الرفيع، ليخلص إلى أن هذه الثغرات هي سمة لازمة لكل جهد بشري، دون أن يقدح ذلك في شموخ التراث النحوي وعصيانه على التبديل والاندثار.

الحجر المكاني والزماني على لغة الاحتجاج

لم يكن الصرح النحوي العربي، على جلالة قدره وإحكام بنائه، بمنأى عن سهام النقد والتمحيص؛ إذ واجهت القواعد الموروثة ومناهج جمع مادتها سيلاً من الملاحظات النقدية التي حاولت تفكيك آليات “السماع” الأولى. ولعل أولى تلك الثغرات تتبدى في العزل المكاني والزماني الذي فرضه النحاة الأوائل على مصادر التلقي؛ حيث حصروا الاحتجاج اللغوي في قبائل بأعينها دون غيرها بناءً على محددات جغرافية وقبلية صارمة. هذا الإقصاء المتعمد لبقية بطون العرب وفروعها -بدعوى اختلاطها بالأعاجم أو بعد دورتها في الفصاحة- يتنافى تماماً مع النهج العلمي السليم في استقراء الظواهر اللسانية؛ إذ تسبب في حرمان الفكر النحوي من تدفق مادة لغوية غزيرة، وأساليب تعبيرية بالغة التنوع، مما أفضى في النهاية إلى خروج بعض الأحكام بصيغة جزئية تفتقر إلى الكلية والشمول المعرفي.

الضبابية الإحصائية في معيار “الكثرة” النحوية

ومن المآخذ الجوهرية التي تلمسها المحققون في أصول التفكير النحوي، تلك الضبابية الكثيفة التي أحاطت بـ “مفهوم الكثرة” الذي اتخذه النحاة ركيزة أساسية لاعتماد القواعد وتمرير المقاييس. فالنحاة عندما قرروا أن القاعدة تُبنى على “الكثير المطرد” لم يضعوا حدّاً رياضياً أو معياراً إحصائياً واضحاً يفسر هذه الكثرة؛ فهل يقصدون بها الكثرة العددية الصرفة بين أفراد القبيلة الواحدة؟ أم إجماع القبائل جمعاء على التركيب؟ وهل هي كثرة نسبية قائمة على استقصاء دقيق واستخراج دقيق للنسب المئوية؟ إن غياب هذا التحديد المعياري يفتح الباب أمام تساؤلات حائرة: إذا كانت الكثرة عُرفية فما أدنى حدها؟ أثلاثة شواهد أم خمسة أم عشرة؟ وإذا كانت نسبية فكم تبلغ نسبة هذا الكثير حتى يسوغ للنحوي إهدار ما عداه ووسمه بالشذوذ؟

غلبة القياس المنطقي على الاستقراء التجريبي

عند تشريح البيئة العلمية التي نبتت فيها الأحكام النحوية، يظهر بجلاء أن التقعيد لم يصدر عن استقصاء تام لأنساق اللغة وتراكيبها الحية، بل كان وليد استقراء ناقص اعتمد على “نتف” يسيرة مما التقطه الرواة من وعاء الشعر والنثر الشفهي. ولم يتوقف الأمر عند حدود نقص المادة، بل إن النحاة عمدوا إلى سد هذه الفجوات المعرفية بالإفراط في اتخاذ القياس النحوي عقيدة ومنهجاً، مقدمين سلطة القياس العقلي على واقع السماع الفعلي. وفي هذا السياق، يضع اللغوي سعيد الأفغاني يده على مكامن الخلل بعبارة واصفة يوضح فيها أن النقد يجد ثغراً عديدة تنفذ إلى صميم الجسد النحوي؛ فالقوم أرادوا بناء قواعد مطردة، فجمعوا شذرات نثرية وأبياتاً شعرية مشتتة بين أعرابي في أقصى الشمال وامرأة في غياهب الجنوب، وخلطوا بين شعر مجهول القائل وجمل ساقطة النسبة، ليصوغوا من هذا المزيج غير المتجانس قواعد توافق جل ما انتهى إليهم، ثم سارعوا إلى تسديد هذه القواعد بـ “مقاييس منطقية” صارمة أرادوا إكراه الكلام البشري المطاطي على الاطراد والدوران في فلكها.

اتساع اللسان وضيق المدونات المدونة

إن من البديهيات اللسانية أن لغات القبائل التي ارتضاها النحاة حجةً، لا يمكن أن تختزل في طياتها الثراء التعبيري والظواهر اللهجية للقبائل الأخرى التي أُبعدت عن دائرة التدوين. فاللغة العربية في حقيقتها الميدانية أوسع بكثير من ذلك الوعاء الضيق الذي حواها فيه الرواة في عصر التصنيف، وما تاه وضاع من متن اللغة وأساليبها بفعل الزمن وهجرة القبائل يفوق بكثير ما تم رصده وتدوينه في بطون الكتب. ومن هنا تلبست بعض الأحكام النحوية بالقصور والضعف؛ نظراً لأن شواهد كثيرة وأساليب مستعملة ندّت وغابت عن عين النحوي، فصاغ حكمه مستنداً إلى جزئية المادة المتاحة، ولو قُدّر للدائرة الاحتجاجية أن تتسع وتشمل كل الألسنة العربية في بواديها، لتغيرت حتماً هندسة القواعد ولتبدلت الكثير من الأحكام الظالمة التي وسمت الفصيح بالشذوذ والخروج عن السنن.

إقحام اللهجات المتباينة في اللغة النموذجية المشتركة

في مقابل الفريق المعترض بضيق دائرة السماع، برز تيار نَقدي آخر يرى أن مكمن الخلل لم يكن في شُح المادة، بل في عشوائية مصادرها. ويذهب أصحاب هذا الرأي -ومنهم الدكتور إبراهيم أنيس- إلى أن النحاة اقترفوا خطأً منهجياً حين لم يقتصروا في التقعيد على مصدر واحد ممثل في “اللغة المشتركة النموذجية” (لغة الأدب والقرآن)، بل أقحموا معها تفاصيل اللهجات العربية القديمة بخصائصها الفونيتيكية والتركيبية المتباينة. هذا التجميع القائم على الدمج بين مستويات تعبيرية مختلفة المقاصد والأصول، أدى إلى تداخل القواعد واضطراب القياس؛ حيث حاول العلماء صياغة قانون موحد يجمع بين لغة التخاطب القبلي الخاص ولغة البيان الأدبي العام، مما أحدث إرباكاً في التوجيه والتعليل.

خلط المستويات اللغوية وغياب الرؤية الوصفية

يتصل بالمأخذ السابق نقد بنيوي دقيق وجهه علماء الفكر النحوي الحديث، وفي مقدمتهم علي أبو المكارم، حيث عابوا على الرواد القدامى نظرتهم الأحادية للغة بلهجاتها ومستوياتها المتنوعة؛ إذ تعاملوا مع المدونة اللغوية الشفهية بوصفها كتلة واحدة متجانسة سموها “عربية”. ونسي هؤلاء العلماء أثناء رحلاتهم واستماعهم للأعراب أن ما يدونونه ينقسم حتماً إلى مستويين متمايزين: مستوى اللغة الفصحى الراقية، ومستوى اللهجة المحلية المعاشرة. ورغم تفطن النحاة لوجود عيوب صوتية أو ظواهر قبلية خاصة (كالعنعنة والتلتلة)، إلا أنهم مروا عليها سراعاً ولم يعطوا تأثيراً حاسماً لتلك اللهجات في صياغة البنى التركيبية والمعجمية، ولم يفرغوا جهدهم لدراسة الخصائص النسقية المستقلة لكل لهجة على حدة.

هيمنة اللغة الشعرية واصطناع “الضرورة” والشذوذ

لقد اندفع المنهج الوصفي الحديث، عبر لغويين مثل عبده الراجحي، إلى نقد قصر النحو القديم على “اللغة الأدبية” وتحييد لغة التخاطب اليومي المستعملة بين الناس. ويرى هؤلاء أن اتكاء النحاة على الشعر الجاهلي كركيزة أولى في استنباط القواعد شابه الكثير من المجازفة؛ إذ إن للشعر لغته الفنية الخاصة وأنساقه التركيبية التي تفارق بالضرورة نظام النثر ومستويات التخاطب الشائعة. هذا الانكفاء على النصوص الأدبية المختارة والمنتقاة بعناية، أفضى بالنحاة إلى مأزق حقيقي عندما واجهوا نصوصاً أدبية أخرى موثوقة تخالف القواعد التجريدية التي صاغوها؛ فما كان منهم -أمام هذا التناقض- إلا أن لجأوا إلى حيل دفاعية تمثلت في اصطلاح مفاهيم مثل “الضرورة الشعرية” أو “الحكم بالشذوذ والندرة”، بل اندفع بعضهم إلى وضع نصوص وتراكيب مصطنعة متكلفة لإسناد أحكامهم المنطقية وجعلها مطردة عنوة.

المرافعة المعرفية وغائية النص القرآني المعجز

بيد أن الإنصاف العلمي والموضوعية التاريخية يقتضيان منا نخلع نظاراتنا المعاصرة ونعذر أولئك النحاة الأوائل في مسلكهم الاقتصاري على اللغة الأدبية؛ فالغاية الوجودية التي حركت العقل العربي لإنشاء علم النحو لم تكن ترفاً وصفياً، بل كانت مهمة مقدسة لخدمة القرآن الكريم وحمايته من اللحن والتحريف بعد دخول الأعاجم في الدين. والقرآن الكريم لم ينزل بلغة التخاطب اليومي المبتذلة، بل نزل بذروة اللغة الأدبية وأعلى مستويات البيان الرفيع؛ ومن ثم فلا سبيل لفهم تراكيبه واستنباط دلالاته إلا عبر محاكاته بالنموذج الأدبي الأرقى وهو الشعر. وهذا ما لخصه الدكتور تمام حسان في مرافعة معرفية منصفة؛ حيث تساءل عن الموقف الأخلاقي من النحاة، هل نلومهم لأنهم خالفوا طرائق منهجية حديثة لم يبتكرها العلم إلا بعد قرون؟ أم ندرك معهم ضرورة الانكفاء على اللغة الأدبية؟ إن النحاة ما هبوا لتلك المهمة الجليلة إلا صوناً للتنزيل الحكيم، ولو أنهم استخرجوا النحو من لغة الأسواق والتخاطب اليومي العادي لسقطوا في خيانة غايتهم النبيلة، ولأجهضوا ذلك الغرض الشريف الذي نذروا له حياتهم.

متانة التراث النحوي وصموده أمام الهزات النقدية

إن كل ما سِيق من مآخذ وانتقادات حادة لا ينفي مطلقاً أن أولئك الأفذاذ قد وُفِّقوا وسُدِّدوا في رصد وبناء الكليات الكبرى للغة العربية؛ فالقواعد الأم والأصول العظمى (كالرفع في الفاعل والنصب في المفعول) لها من الشواهد ما يفيض عن الحصر، ويكفي في إثباتها استقراء ناقص كشأن القوانين في العلوم التجريبية الحديثة. أما القصور فإنه يتطرق إلى القواعد الجزئية والأحكام الخاصة التي تحتاج إلى تعميق النظر وتوسيع دائرة الأدلة. إن التراث النحوي صرح شامخ تعاقبت على تشييده عقول فذة صهرت حياتها في حماية لغة الضاد، فجاء البناء متيناً عصياً على التزعزع، صامداً أمام كل الهزات العنيفة. وكأي عمل بشري، لا يغيب عنه النقص أو الوهن في بعض مفاصله، وهو ما أشار إليه عباس حسن حين أقر بوجود بعض العلل والآفات المتشابكة التي شوهت بعض جماليات النحو بفعل رعاية الأيام لها. ورغم ذلك كله، تظل هذه القواعد من القوة والشموخ بحيث لم يستطع أي فكر لغوي حديث أن يلغيها أو يقدم بديلاً صالحاً يحل محلها، وهو ما اعترف به المستشرق الألماني يوهان فك بإعجاب شديد، مؤكداً أن القواعد التي صاغها العرب تضحيةً وجهداً بلغت من الكمال والإحاطة مستوى لا يسمح بزيادة لمستزيد.

——-

[1] ينظر بالتفصيل: عبد العظيم، أحمد. القاعدة النحوية: نشأتها وتطورها. (مرجع عام لأصول النقد النحوي).

[2] عمر، أحمد مختار. البحث اللغوي عند العرب. القاهرة: عالم الكتب، ص 128.

[3] عبد اللطيف، حماسة (1979). الضرورة الشعرية في النحو العربي. القاهرة: مكتبة دار العلوم، الطبعة الأولى، ص 87-88.

[4] الأفغاني، سعيد (1987). في أصول النحو. بيروت: المكتب الإسلامي، ص 31.

[5] أنيس، إبراهيم (1966). من أسرار اللغة. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الرابعة، ص 39. وينظر أيضاً: الضرورة الشعرية لحماسة عبد اللطيف، ص 86.

[6] أبو المكارم، علي (1973). في أصول التفكير النحوي. بنغازي: منشورات الجامعة الليبية، كلية التربية، ص 26-27.

[7] الراجحي، عبده (1979). النحو العربي والدرس الحديث. بيروت: دار النهضة العربية، ص 48-49.

[8] حسان، تمام. الأصول: دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب. القاهرة: عالم الكتب، ص 103-104.

[9] حسان، تمام. المصدر نفسه، ص 104.

[10] حسن، عباس (1966). اللغة والنحو بين القديم والحديث. القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية، ص 71.

[11] فك، يوهان (1951). العربية: دراسات في اللغة والأساليب. ترجمة: عبد الحليم النجار. القاهرة: دار الكتاب العربي، ص 2.

ترك تعليق