التماسك البنيوي وحركية الأبنية: علل الاستغناء والعوض والاطراد عند اليزدي

التماسك البنيوي وحركية الأبنية: علل الاستغناء والعوض والاطراد عند اليزدي

مقدمة عامة

يقوم البحث النحوي والصرفي عند العرب على رؤية تفسيرية عميقة لا تقنع بالوصف الخارجي للأبنية والكلمات، بل تجهد في سبر أغوار العلاقات الجدلية التي تربط الحركات بالحروف، والتغييرات الفونيتيكية بالغايات التعبيرية. يقدم هذا المقال دراسة استقصائية ومسهبة لثلاث من أدق العلل الصرفية تداولاً في التراث اللغوي من خلال مصنف “شرح الشافية” للإمام اليزدي، وهي: الاستغناء، والعوض، والاطراد (أو طرد الباب). ويتتبع المقال كيف تفاعل فحول النحو -من لدن سيبويه وابن جني وصولاً إلى المتأخرين- مع هذه العلل لتسويغ مظاهر الحذف والتبديل في التراكيب؛ حيث يكشف “الاستغناء” عن نزوع اللسان نحو الخفة والاكتفاء بالبديل، ويوضح “العوض” قوانين التعويض الإجباري عن السواقط البنيوية لحفظ توازن الكلمة، في حين يبرهن “الاطراد” على المبدأ القياسي الشامل الذي يسعى عبره العقل الصرفي إلى توحيد أحكام الباب النحوي الواحد ومنع تشتت صيغه؛ معززاً الطرح بشروح مفصلة لثنايا الإعلال والإدغام، وموثقاً ذلك بمدونة كاملة من الحواشي التراثية المحققة.

أولاً: علة الاستغناء والاكتفاء التعبيري بالبديل الصرفي

تُعد “علة الاستغناء بالشيء عن الشيء” من أكثر العلل الصرفية والنحوية دوراناً وجرياناً في مصنفات العربية الأولى؛ إذ اتخذها إمام الصناعة سيبويه ركيزة تفسيرية متكررة في مواضع شتى من كتابه، معبراً عنها تارة بالاستغناء وتارة بالاكتفاء، كقوله في بعض التراكيب المتروكة: “فترك هذا؛ لأن من كلامهم الاستغناء بالشيء عن الشيء”. ولم يختلف صنيع ابن جني عن سلفه؛ إذ أفرد لهذه العلية العميقة مبحثاً مستقلاً في كتابه الخصائص وسمّاه بـ “باب في الاستغناء بالشيء عن الشيء”، كاشفاً عن مرونة اللسان العربي ونزوعه الفطري نحو الخفة وعدم تكرار الأدوات التعبيرية ما دام البديل قادراً على أداء الغرض الدلالي نفسه.

وقد جرى الإمام اليزدي في شرح الشافية على هذا النهج التأصيلي، فاستدعى علة الاستغناء لتفسير ندرة بعض المشتقات وقلة مجيئها؛ ومن ذلك قوله في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل؛ إذ قرر أن القياس المطرد والباب المستقر فيها أن تُصاغ من بابي “فَعُلَ” (المضموم العين الدال على السجايا) و”فَعِلَ” (المكسور العين الدال على الأعراض والألوان والعيوب). أما مجيئها من باب “فَعَلَ” (المفتوح العين) فإنه قليل نادر في كَلامهم؛ والعلة في هذا القلة هي استغناؤهم بصيغة “فاعل” الأصيلة عنها، فلما كفتهم بنية اسم الفاعل مؤونة التعبير عن الثبوت العارض في هذا الباب، استغنوا بها عن اصطناع صفة مشبهة مخصوصة.

وفي ميدان الإعلال الصرفي وحركية الإدغام، يوظف اليزدي علة الاستغناء لتفسير سقوط الحروف الزائدة؛ كما ظهر في تحليله لبنية الفعل (رُدَّ) في لغة تميم، مقابل فكه في لغة أهل الحجاز الذين يقولون في الأمر: “ارْدُدْ” على الأصل. فالتميميون نقلوا حركة الدال الأولى (وهي الضمة) إلى الراء الساكنة قبلها لتأمين مصلحة الإدغام؛ لأن حرف العلة أو المدغم لا يمكن نطقه إلا ساكنًا، فلما سكنت الدال الأولى واجتمعت مع الدال الثانية الساكنة لأجل البناء، حُركت الثانية بالفتح تخلصاً من التقاء الساكنين، فأُدغمت الأولى فيها. وفي هذه اللحظة النطقية، لما تحركت الراء بحركة الدال المنقولة إليها، استُغني كلياً عن همزة الوصل التي جلب في الأصل للابتداء بالساكن، فحُذفت من الخط واللفظ لزوال علة وجودها.

وعلى المنوال نفسه، يوجه اليزدي التخفيف الشائع المطرد في فعل الأمر (سَلْ)؛ إذ إن إبقاء الفعل على أصل تحقيق الهمز يستلزم جهداً نطقياً كبيراً لاستجماعه همزتين متجاورتين؛ الأولى همزة الوصل الزائدة في أوله، والثانية همزة القطع الأصلية التي هي عين الفعل (إذ الأصل البنيوي هو: اسْأَلْ). وللتخلص من هذا الثقل، نُقلت حركة العين (الفتحة) إلى فاء الفعل الساكنة (السين)، فلما تحركت الفاء بالفتحة المنقولة إليها، استُغني بها عن همزة الوصل التي لم يعد للسان حاجة بها للابتداء، فحُذفت الهمزة الزائدة، ثم حُذفت عين الفعل للتخفيف، فاستقر البناء على: “سَلْ” في صورة بليغة من صور الاقتصاد الصوتي.

ثانياً: علة العوض والتعويض البنيوي لحفظ أوزان الكلم

تقوم “علة العوض أو التعويض” في الفكر الصرفي على افتراض ذهني قياسي حتمي، ومفاده أن ثمة حرفاً أصلياً من حروف البنية الأساسية قد اعتوره الحذف لعلة تصريفية أو صوتية، فاستوجب ذلك الجلب بحرف آخر زائد ليكون عوضاً وخلفاً عن الساقط، تنبيهاً على أصالة الحرف المفقود وحفظاً لتوازن الوزن. وقد تجلى هذا المسلك التعويضي عند اليزدي في أبواب التصغير والتصريف؛ ومن ذلك توجيهه لبنية الأسماء الثلاثية المؤنثة بالتاء مثل: (أُخْتٍ، وبِنْتٍ، وهَنْتٍ).

فالمحذف من أواخر هذه الأمثلة الثلاثة في حقيقته الصرفية هو حرف “الواو” الذي يمثل لام الكلمة؛ إذ كان أصل وضعها في اللسان قبل عروض الحذف والتعويض هو: (أَخَوٌ، وبَنَوٌ، وبَنَوٌ، وهَنَوٌ) بدليل جموعها وتثنيتها. فلما حُذفت اللام (الواو) استثقالاً، جِيء بـ تاء التأنيث المفتوحة وجُعلت عوضاً وخلفاً عن اللام الساقطة، وفي الوقت نفسه دالة على معنى التأنيث. ولأن هذه التاء حازت مرتبة التعويض عن حرف أصلي، خالفت أحكام تاء التأنيث الاعتيادية؛ فلم تُكتب في الرسم بالهاء (المدورة)، ولم يوقف عليها في لغة الفصحاء بالهاء بل بالتاء الساكنة لقوتها. وتظهر ثمرة هذا الافتراض التعويضي عند رد الكلمات إلى أصلها الاشتقاقي في باب التصغير؛ إذ تسقط العوضية ويعود المحذوف إلى مكانه، فتقول في تصغيرها: (أُخَيْوٌ، وبُنَيْوٌ، وهُنَيْوٌ) بالياء والواو قبل قلبها وتدقيقها.

وتتأكد علة التعويض الوجوبي في المصادر والأسماء المعتلة الفاء (المثالية) التي تُحذف فاؤها في المضارع والأمر والمصدر، نحو كلمات: (عِدَةٌ، ومِقَةٌ). فالأصل الاشتقاقي لهذه المصادر قبل عروض الإعلال هو: (وِعْدٌ، ووِمْقٌ) على وزن فِعْل بكسر الفاء وسكون العين، مشتقة من الأفعال: (وَعَدَ، وَوَمِقَ بمعنى أحبَّ). فلما حُذفت الواو (التي هي الفاء) استثقالاً لوقوعها بعد كسرة، ونُقلت حركتها إلى العين الساكنة بعدها، جِيء بـ التاء المربوطة بعد اللام وجوباً لتكون عوضاً مكافئاً عن الفاء المحذوفة، فاستقرت الكلمة على صيغة (عِلَة).

ولم يقتصر التعويض على محذوفات الفاء واللام، بل جرى في مصادر الأفعال المزيدة المعتلة العين (أجوف باب الإفعال والاستفعال)، كما في كلمتي: (الإقامة والاستقامة). فالأصل البنيوي المقيس لهما هو: (إِقْوَامٌ، واسْتِقْوامٌ) على وزني إِفْعَال واسْتِفْعَال. ونظراً لاعتلال العين بالواو وتحركها وانفتاح ما قبلها، نُقلت حركة حرف العلة إلى الحرف الساكن الصحيح قبلها (القاف)، فصار حرف العلة ساكناً سكوناً غير أصلي، ولما انفتح ما قبله قُلِب ألفاً، فاجتمع في بنية المصدر ألفان ساكنتان: الألف المنقلبة عن عين الفعل وألف المصدر الزائدة. وللتخلص من التقاء الساكنين، حُذفت إحدى الألفين (وهي العين عند سيبويه)، فبقيت الكلمة على وزن (إِفَال) أو (اسْتِفَال) نحو: (إِقَام، واسْتِقَام)، فلما انكسر الوزن بالحذف، عُوِّض عن الألف الساقطة بتاء التأنيث في الآخر وجوباً، فصارت: (إقامة واستقامة).

ثالثاً: علة الاطراد وحمل الفروع على الأصول طرداً للباب

تُمثل “علة الاطراد” أو ما يُعرف في لسان النحاة بـ “طرد الباب”، المبدأ القياسي الشامل الذي يتوخى عبره العلماء صيانة وحدة المجموعة التصريفية وتجانس أحكامها عند تشابه الوظائف المعنوية، وإن خالفت بعض الفروع السبب الصوتي المباشر للحذف؛ فما ثبت لعنصر رئيس في الباب، يُحمل عليه بقية المعاميل طرداً للنسق وسيراً على سنن واحدة.

وقد تجلى هذا الحمل الاطرادي بكفاءة مفرطة في توجيه حذف همزة القطع من مضارع الفعل المزید على وزن أَفْعَلَ، نحو فعل: (يُكْرِمُ). فالسبب النطقي والمقتضي الأصيل لحذف الهمزة يختص بصيغة المتكلم وحده (أنا)؛ إذ لو بقيت الهمزة في موضعها لأدى ذلك إلى اجتماع همزتين متماثلتين في صدر الكلمة، وكان الواجب قياساً أن يُقال: “أُؤَكْرِمُ”، واستثقال اجتماع الهمزتين في كلام العرب واضح مستفيض. فلأجل هذا الثقل الصوتي، حذفوا الهمزة الأصلية التي كانت في “أَفْعَلَ”، فاستقرت صيغة المتكلم على: “أُكْرِمُ”.

وهنا تتدخل علة الاطراد؛ فبعد أن ثبت الحذف في صيغة المتكلّم (أُكْرِمُ) لوجود العلة الصوتية، حُمِل عليها مضارع المتكلم المشارك (نُكْرِمُ) فحُذفت منه الهمزة أيضاً لمشاركته له في دلالة التكلم، ثم حُمِل على هاتين الصيغتين سائر صيغ المضارع الأخريات للغائب والمخاطب طرداً للباب وتوحيداً لشكل الفعل في هذا الوزن؛ ونظراً لأن الياء والتاء هما أختان للألف والنون في حروف المضارعة، جرى الحمل عليهما فجاءت صيغتا: (يُكْرِمُ، وتُكْرِمُ) محذوفتي الهمزة تبعاً لاطراد الباب الشامل.

ويستصحب اليزدي علة طرد الباب لتفسير حركة الإعلال في اسم الفاعل من الفعل المهموز العين المعتل اللام، نحو كلمة (جَاءٍ) في حالة الجر والتنوين. فالأصل الصرفي للاسم هو (جَائِيٌ) على وزن فَاعِل، واجتمعت في آخره همزتان (همزة العين وهمزة منقلبة عن الياء)، فأُبدلت الثانية ياءً، ثم عومل معاملة الاسم المنقوص (كقاضٍ)، فقلبت الياء وحذفت في صورة الجر جرياً على سنن القياس المطرد في المنقوص. ولما استقر الحذف والإعلال في حالة الجر، حُمِلَت عليها صورتا الرفع والنصب أيضاً؛ طرداً للباب وتثبيتاً لشكل الكلمة في سائر أحوالها الإعرابية لئلا تختلف بنيتها باختلاف العوامل، تماماً كما حُملت صيغ المضارع على صيغة (أُكْرِمُ).

وفي السياق نفسه، تظهر علة الاطراد في شروط حذف الواو من الفعل المضارع المثال الواوي؛ فالقاعدة الصوتية تقضي بأن الواو تسقط وجوباً إذا وقعت بين ياء المضارعة المفتوحة والكسرة المحققة في العين، نحو فعل: (يَعِدُ) الذي أصله (يَوْعِدُ). بيد أن هذا الحذف الصوتي يسري أيضاً في بقية حروف المضارعة التي لا تتوفر فيها الياء، فتقول: (تَعِدُ، وأَعِدُ، ونَعِدُ). والعلة في سقوط الواو من التاء والنون والهمزة -رغم غياب الياء التي هي سبب الثقل المستثقل- هي حمل هذه الحروف على الياء طرداً للباب؛ نظراً لأن جميع هذه الصيغ قد جِيء بها لتؤدي معنى واحداً مشتركاً وهو دلالة المضارعة، فوجب اطراد أحكامها البنيوية تنظيماً للسان وصوناً للقياس.

———————

[1] يُطلق سيبويه في كثير من أبواب كتابه مصطلح “الاكتفاء” مرادفاً للاستغناء، وهو تتبع سياقي دقيق لأنساق التراكيب السائرة. ينظر: خليل، أحمد. الشاهد وأصول النحو في كتاب سيبويه. ص 378.

[2] سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان (1988). الكتاب. تحقيق: عبد السلام هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي، 3: 158.

[3] ابن جني، أبو الفتح عثمان (1952). الخصائص. تحقيق: محمد علي النجار. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1: 267.

[4] يقصد المحقق بالبابين المذكورين في مصنفات الصرف: باب (فَعُلَ) بضم العين الذي يصاغ منه الهيئات والغرائز الثابتة، وباب (فَعِلَ) بكسر العين الذي يصاغ منه الألوان والعيوب والأعراض المتبدلة.

[5] اليزدي، الشريف حسن بن عبد الله. شرح الشافية لليزدي. جـ 1، ص 264.

[6] العلة الخلافية هنا تكمن في أن الحجازيين يلتزمون فك الإدغام في فعل الأمر المضعف جرياً على الأصل البنيوي، فيقولون: “ارْدُدْ”، بينما تميم تميل للإدغام الخفيف.

[7] اليزدي، شرح الشافية لليزدي. جـ 1، ص 484 – 485.

[8] اليزدي. المصدر نفسه. جـ 2، ص 761، وينظر أيضاً لبيان نظائر الاستغناء: جـ 1، ص 178، 183، 236، 342.

[9] اليزدي. المصدر نفسه. جـ 1، ص 314.

[10] المِقَة: مصدر الفعل الثلاثي المثال (وَمِقَ – يَمِقُ)، ويُقال: وَمِقَهُ مِقَةً ووَمْقاً، ومعناه في لسان العرب: أحبَّه حباً شديداً وشغف به. ينظر: ابن منظور، لسان العرب (مادة: ومق)، 10: 385؛ والزبيدي، تاج العروس (مادة: ومق)، 26: 484.

[11] اليزدي، شرح الشافية لليزدي. جـ 2، ص 825.

[12] اليزدي. المصدر نفسه. جـ 2، ص 883.

[13] اليزدي. المصدر نفسه. جـ 1، ص 257.

[14] جَاءٍ: اسم فاعل مشتق من الفعل الثلاثي المهموز العين المعتل اللام (جَاءَ)، وأصل بنية الكلمة قبل عروض الإعلال المتتابع هو: (جَائِيٌ) على وزن فَاعِل، حيث التقت همزتان فقلبت الثانية ياءً، ثم عومل معاملة المنقوص كـ (قاضٍ) بحذف يائه تخلصاً من الثقل والتنوين. ينظر: سيبويه، الكتاب، 3: 552؛ والمبرد، المقتضب، 1: 115؛ والزمخشري، المفصل في صنعة الإعراب، ص 321.

[15] اليزدي، شرح الشافية لليزدي. جـ 2، ص 786.

[16] اليزدي. المصدر نفسه. جـ 2، ص 820، وينظر كذلك لمعاينة تفرعات طرد الباب: جـ 1، ص 342.

ترك تعليق