نائب الفاعل: أحكامه، وتصرف الأفعال والمفاعيل عند غياب الفاعل

نائب الفاعل: أحكامه، وتصرف الأفعال والمفاعيل عند غياب الفاعل

مقدمة:

يتناول هذا النص النحوي بالتحليل والدراسة الباب الرابع من مرفوعات الأسماء في اللغة العربية، وهو ما يُعرف بـ “المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله” أو (نائب الفاعل). يستهل الكاتب الشرح ببيان التغيير الصرفي الذي يطرأ على صيغة الفعل عند بنائه للمجهول لتمييز المفعول المرفوع عن الفاعل الأصلي، موضحاً العلة النحوية وراء هذا الارتفاع. ثم ينتقل النص لتفصيل أثر هذا البناء على المفاعيل بحسب تعدي الفعل، مبينًا قاعدة نقص المفعولات بمقدار واحد عند البناء للمفعول، في مقابل زيادتها عند النقل إلى صيغة “أَفْعَلْتُ”، معرجاً على عمل اسم المفعول وتناوب الظروف والمصادر والجار والمجرور في القيام مقام الفاعل وشروط ذلك من حيث الإفادة والتنكير والتعريف. وفي الختام، يناقش النص آراء النحاة في امتناع بعض الأفعال كالأفعال القاصرة وأفعال “كان” وأخواتها عن هذا البناء، مستشهداً بآيات من القرآن الكريم وسماعيات من كلام العرب.

[شرح الرابع من الأسماء المرتفعة]:

وهو المفعول الذي لم يسم من فَعَلَ به، إذا كان الاسم مبنيا على فعلٍ بني للمفعول ولم يذكر من فعلَ به فهو رفع وذلك قولك: ضرب بكر وأخرج خالد، واستخرجت الدراهم.

فبني الفعل للمفعول على “فعل” نحو:

“ضُرِبَ” وأفعلَ نحو:

“أكرِمَ”/ ٥٧ وتفعل نحو: تضرب، ونفعل نحو: نضرب فخولف بينه وبين بناءِ الفعل الذي بني للفاعل، لئلا يلتبس المفعول بالفاعل، وارتفاع المفعول بالفعل الذي تحدثت به عنه كارتفاع الفاعل إذا كان الكلام لا يتم إلا به ولا يستغني دونه، ولذلك قلت: إذا كان مبنيا على فعلٍ بني للمفعول أردت به ما أردت في الفاعل من أن الكلام لا يتم إلا به وقلت ولم تذكر من فعل به لأنك لو ذكرت الفاعل ما كان المفعول إلا نصبًا، وإنما ارتفع لما زال الفاعل وقام مقامه.

واعلم: أن الأفعال التي لا تتعدى لا يبنى منها فعل للمفعول، لأن ذلك محال، نحو: قام، وجلس.

لا يجوز أن تقول: قيم زيد ولا جلس عمرو، إذ كنت إنما تبني الفعل للمفعول، فإذا كان الفعل لا يتعدى إلى مفعول فمن أين لك مفعول تبنيه له، فإن كان الفعل يتعدى إلى مفعول واحد نحو: ضربت زيدًا، أزلت الفاعل وقلت: ضرب زيد، فصار المفعول يقوم مقام/ ٥٨ الفاعل وبقي الكلام بغير اسم منصوب لأن الذي كان منصوبًا قد ارتفع، وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، فرددته إلى ما لم يسم فاعله قلت: أُعطي زيد درهمًا، فقامَ أحد المفعولين مقامَ الفاعلِ، وبقيَ منصوب واحد[1] في الكلام، وكذلك إن كان الفعل يتعدى إلى ثلاثة مفعولين نحو: أعلم الله زيدًا بكرًا خير الناس، إذا رددته إلى ما لم يسم فاعله قلت: أعلم زيد بكرًا خير الناس. فقام أحد المفعولين مقام الفاعل.

وبقي في الكلام اسمان منصوبان، فعلى هذا يجري هذا الباب.

وإن كان الفعل لا يتعدى لم يجز ذلك فيه، وإن كان يتعدى إلى مفعول واحدٍ بقي الفعل غير متعد، وإن كان يتعدى إلى اثنين بقي الفعل متعديًا إلى واحد، وإن كان يتعدى إلى ثلاثة، بقي الفعل يتعدى إلى اثنين، فعلى هذا فقس متى نقلت “فعل” الذي هو للفاعل مبني إلى “فُعِلَ الذي هو مبني للمفعول فانقص من المفعولات/ ٥٩ واحدًا.

وإذا نقلت “فَعَلَت إلى أفعلتَ، فإن كان الفعل لا يتعدى في “فعلت فعدهِ إلى واحدٍ إذا نقلته إلى “أفعلت تقول: قمت فلا يتعدى إلى مفعول، فإن قلت “أفعلت” منه قلت: أقمت زيدا، وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعول واحد فنقلته من “فعلت” إلى “أفعلت” عديته إلى اثنين نحو قولك: رأيت الهلال هو متعد إلى مفعول واحدٍ فإن قلت: أريت زيدًا الهلال فيتعدى إلى اثنين، وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين فنقلته من “فعلت إلى “أفعلت تعدى إلى ثلاثة مفعولين، تقول علمت بكرًا خير الناس، فإن قلت: أعلمتُ، قلت: أعلمتُ بكرًا زيدًا خير الناس فتعدى إلى ثلاثة، فهذان النقلان مختلفان، إذا نقلت “فعلتُ إلى “فعلتُ” نقصت من المفعولات واحدًا أبدًا، وإذا نقلت “فعلت إلى “أفعلت” زدت في المفعولات واحدًا أبدًا، فتبين ذلك فإني إنما ذكرت “فعّلتُ” وإن لم يكن من هذا الباب، لأن الأشياء تتضح بضمها إلى أضدادها/ ٦٠ واسم المفعول الجاري على فعله يعمل عمل الفعل نحو قولك: مضروب، ومعط، يعمل عمل أعطى، ونعطي تقول: زيد مضروب أبوه فترفع “أبوه بمضروب، كما كنت ترفعه بضاربٍ إذا قلت: زيد ضارب أبوه عمرًا، وتقول: زيد معط أبوه درهمًا “فترفع الأب بمعط وتقول: دفَع إلى زيد درهم، فترفع الدرهم لأنك جررت زيدًا فقام الدرهم مقام الفاعل، ويجوز أن تقول: سير بزيد، فتقيم “بزيد” مقام الفاعل، فيكون موضعه رفعًا ولا يمنعه حرف الجر[2] من ذلك، كما قال: ما جاءني من أحد، فأحد فاعل، وإن كان مجرورًا “بمن” وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُم البقرة: ١٠٥.

فإن أظهرت زيدًا غير مجرور قلت:

 أعطى زيد درهمًا، وكسى زيد ثوبًا، فهذا وجه الكلام، ويجوز أن تقول: أعطى زيدًا درهم، وكسى زيدًا ثوب، كما كان الدرهم والثوب مفعولين، وكان لا يلبس على السامع الآخذ من المأخوذ جاز، ولكن لو قلت: أعطى/٦١ زيد عمرًا، وكان زيد هو الآخذ لم يجز أن تقول: أعطى عمرو زيدًا، لأن هذا يلبس إذ كان يجوز أن يكون كل واحد منهما آخذًا لصاحبه، وهو لا يلبس في الدرهم وما أشبه، لأن الدرهم لا يكون إلا مأخوذًا، وإنما هذا مجاز والأول الوجه.

ومن هذا: أدخل القبر زيدًا، وألبستُ الجبة زيدًا، ولا يجوز على هذا، ضرب زيدًا سوطٌ، لأن سوطًا في موضع قولك: ضربةً بسوطٍ[3] فهو مصدر.

واعلم: أنه يجوز أن تقيم المصادر والظروف من الأزمنة والأمكنة مقام الفاعل في هذا الباب إذا جعلتها مفعولات على السعة وذلك نحو قولك: سير بزيد سير شديد، وضرب من أجل زيد عشرون سوطًا، واختلف به شهران، ومضى به فرسخان، وقد يجوز نصبها على الموضع، وإن كنت لم تقم المجرور مقام الفاعل، أعني قولك: بزيد على أن تحذف ما يقوم مقام الفاعل وتضمره/٦٢ وذلك المحذوف على ضربين: إما أن يكون الذي قام مقام الفعل مصدرًا استغني عن ذكره بدلالة الفعل عليه، وإما أن يكون مكانًا دلَّ الفعل عليه أيضًا إذ كان الفعل لا يخلو من أن يكون في مكان كما أنه لا بد من أن يكون مشتقا من مصدره نحو قولك: سير بزيد فرسخًا أضمرت السير، لأن “سير” يدل على السير، فكأنك قلت: سير السير بزيد فرسخًا، ثم حذفت السير فلم تحتج إلى ذكره معه، كما تقول: من كذب كان شرا له، تريد: كان الكذب شرا له.

ولم تذكر الكذب لأن “كذب” قد دل عليه ونظيره قوله تعالى: ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُم[4].

يعني البخل الذي دل عليه “يبخلون” وأما الذي يدل عليه الفعل من المكان فأن تضمر في هذه المسألة ما يدل عليه “سير” نحو الطريق وما أشبهه من الأمكنة.

ألا ترى أن السير لا بد أن يكون في طريق، فكأنك/ ٦٣ قلت: سير عليه الطريق فرسخًا، ثم حذفت لعلم المخاطب بما تعني.

 فقد صارَ في “سيرَ بزيدٍ” ثلاثة أوجه:

أجودها أن تقيم، “بزيد” مقام الفاعل، فيكون موضعه رفعًا، وإن كان مجرورًا في اللفظ، وقد أريناك مثل ذلك.

والوجه الثاني: الذي يليه في الجودة أن تريد المصدر فتقيمه مقام الفاعل وتحذفه.

والوجه الثالث: وهو أبعدها أن تريد المكان فتقيمه مقام الفاعل وتحذفه.

واعلم: أنك إذا قلت: سير بزيد سيرًا، فالوجه النصب في “سير” لأنك لم تفد بقولك “سيرًا” شيئًا لم يكن في “سير” أكثر من التوكيد، فإن وصفته فقلت: شديدًا أو هينًا، فالوجه الرفع لأنك لما نعته قربته من الأسماء وحدثت فيه فائدة لم تكن في “سير” والظروف بهذه المنزلة، لو قلت: سير بزيد مكانًا أو يومًا لكان الوجه النصب، فإن قلت: يوم كذا أو مكانًا بعيدًا أو قريبًا اختير الرفع والتقديم والتأخير والإِضمار والإِظهار في الاسم الذي قام مقام الفاعل ولم/ ٦٤ يسم من فعل به مثله في الفاعل يجوز فيه ما جاز في ذلك لا فرق بينهما في جميع ذلك، وتقول: كيف أنت إذا نحى نحوك ونحوك على ما فسرنا، فإن قلت: نحى قصدك فالاختيار عند قوم من النحويين النصب لمخالفة لفظ الفعل لفظ المصدر، والمصادر والظروف من الزمان والمكان لا يجعل شيء منها مرفوعًا[5] في هذا الباب حتى يقدر فيه أنه إذا كان الفاعل معه أنه مفعول صحيح فحينئذ يجوز أن يقام مقام الفاعل إذا لم تذكر الفاعل.

فأما الحال والتمييز.

 فلا يجوز أن يجعل واحد منهما في محل الفاعل، إذا قلت: سير بزيد قائمًا أو تصبب بدن عمرو عرقًا، لا يجوز أن تقيم “قائمًا وعرقًا” مقام الفاعل، لأنهما لا يكونان إلا نكرة، فالفاعل وما قام مقامه يضمر كما يظهر، والمضمر لا يكون إلا معرفة وكذلك المصدر الذي يكون علة لوقوع الشيء نحو: جئتك ابتغاء الخير لا يقوم مقام الفاعل ابتغاء الخير، لأن المعنى لابتغاء الخير، ومن أجل ابتغاء الخير/ ٦٥ فإن أقمته مقام الفاعل زال ذلك المعنى، وقد أجاز قوم في “كان زيد قائمًا” أن يردوه إلى ما لم يسم فاعله فيقولون: كين قائم.

قال أبو بكر: وهذا عندي لا يجوز من قبل أن “كان” فعل غير حقيقي، وإنما يدخل على المبتدأ والخبر، فالفاعل فيه غير فاعل في الحقيقة، والمفعول غير مفعول على الصحة فليس فيه مفعول، يقوم مقام الفاعل، لأنهما غير متغايرين إذ كان إلى شيء واحد[6]، لأن الثاني هو الأول في المعنى.

وقد نطق بما لم يسم فاعله في أحرف ولم ينطق فيها بتسمية الفاعل، فقالوا: أنيخت الناقة، وقد وضع زيد في تجارته، ووكس[7]، وأغرى به وأولع به، وما كان من نحو هذا مما أَخذ عنهم سماعًا وليس بباب يقاس عليه.



[1] في سيبويه جـ١/ ١٩ إذا قلت: كسى عبد الله الثوب وأعطى عبد الله المال، رفعت عبد الله ههنا كما رفعته في “ضرب” حين قلت: ضرب عبد الله وشغلت به كسى وأعطى كما شغلت به “ضرب” وانتصب الثوب والمال لأنهما مفعولان تعدى إليهما فعل هو بمنزلة الفاعل.

[2] على شرط أن لا يكون حرف الجر للتعليل، فلا يقال: وقف لك..

لا من أجلك لا إذا جعلت نائب الفاعل ضمير الوقوف المفهوم من “وقف” فيكون التقدير: وقف الوقوف الذي تعهد لك.  أو من أجلك، وإذا كان نائب الفاعل مؤنثًا لا يؤنث فعله، بل يجب أن يبقى مذكرا.  تقول: ذهب بفاطمة. ولا يقال: ذهبت بفاطمة.

[3] في الأصل “بصوت” وليس له معنى.

[4] آل عمران: ١٠٨.

[5] مذهب البصريين إلا الأخفش، أنه إذا وجد بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله مفعول به ومصدر.

وظرف وجار ومجرور، تعين إقامة المفعول به مقام الفاعل، ولا يجوز إقامة غيره مقامه مع وجوده، وما ورد من ذلك شاذ أو مئول، ومذهب الكوفيين أنه يجوز إقامة غيره وهو موجود: تقدم أو تأخر، فتول: ضرب ضرب شديد زيدا، وضرب زيدا ضرب شديد، وكذلك في الباقي، واستدلوا لذلك بقراءة أبي جعفر: {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ..

شرح ابن عقيل: ٢/ ٦٧.

[6] في سيبويه ١/ ٢١، وإن شئت قلت: كان أخاك عبد الله “فقدمت كما فعلت ذلك في ضرب لأنه فعل مثله” وحال التقديم والتأخير فيه.

كحاله في ضرب، إلا اسم الفاعل والمفعول فيه.  لشيء واحد.

[7] وَكَسَ: نَقَصَ، والوكس: النقص، في حديث أبي هريرة: “من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا” انظر اللسان مادة: وَكَسَ.

ترك تعليق