حياة اللسان ومناهج الملكة: فلسفة الاستعمال وتشكيل الحاسّة اللغوية
حياة اللسان ومناهج الملكة: فلسفة الاستعمال وتشكيل الحاسّة اللغوية
مقدمة عامة
يمثل “الاستعمال” المحور الوجودي الذي تدور في فلكه القوانين اللسانية؛ إذ لا تكتسب الأدوات اللغوية قيمتها البيانية ولا تؤدي غرض الإفصاح عما في الأذهان إلا من خلال المشافهة والمواضعة واصطلاح الجماعة المتكلمة. يقدم هذا المقال دراسة استقصائية ومسهبة حول “مفهوم الاستعمال في التراث العربي والمعاصر”، مبيناً الفروض المعرفية الصارمة التي وضعها اللغويون الأوائل لتحديد “الراوي المثالي” الفطري السليقة، والمنأى بها عن عوارض العجمة ولحن الحواضر. كما يحلل المقال الخصوصية الإعجازية للغة العربية الفصحى وارتباطها السرمدي بنص التنزيل الحكيم الذي كفل لها الصمود والبقاء عبر القرون. ويمتد التحليل ليفكك العلاقة الجدلية بين الفصحى المستعملة في المدونات العالية ولغة التخاطب اليومي الشائعة، مبرهناً على أن تذوق الأساليب وممارسة النصوص الحية وإدامة سماعها هي الأصول الحقيقية التي تسبق القواعد النظرية وتصنع الملكة اللغوية الراسخة في الصدور.
أولاً: حركية الاستعمال ومحددات السليقة اللغوية
إن القوانين النظرية والأنظمة النحوية المودعة في بطون المصنفات تظل هياكل جامدة لا تدب فيها الحياة ولا تقوم لها فائدة دلالية إلا عبر بوابة “الاستعمال الفعلي”. فما يتداوله أهل اللغة في منطقهم، ويصطلحون على معانيه في مجالسهم، هو الذي يكتسب صفة الإفادة الحقيقية دون سواه؛ إذ يرتكز وجود اللسان البشري أصلاً على مبدأ المواضعة والاصطلاح الاجتماعي، أو على “التوقيف والوحي الإلهي” عند من لا يرى بالاصطلاح من أئمة الأصول. ولأجل هذا الأثر البالغ للاستعمال في تظهير المعاني، عُني جهابذة التراث بفرز الألفاظ وتمييز “المستعمل السائر” من “المهمل المتروك”؛ إذ جعلوا من الأول نواةً صلبة بنوا عليها صرح قواعدهم القياسية، وقدموا في سبيل ذلك جهوداً ريادية مضنية للتحقق من عدالة السماع وصحة ما نُقل إلينا من تراكيب وأساليب نُسبت إلى لسان العرب الأوائل.
وفي هذا الميدان الاستعمالي، صاغ الفكر اللغوي العربي مجموعة من الفروض العلمية المتقدمة التي سبقت أحدث النظريات اللسانية المعاصرة. فلم يألُ اللغويون الأوائل جهداً في تطواف البوادي واستنقاص المتون، واضعين محددات صارمة لصفات “الراوي المثالي” للغة؛ إذ اشترطوا فيه أن يكون ممن يملكون اللسان طبعاً وفطرةً وسليقة ناصعة، متحصناً في أعماق الصحراء من أي تأثر لاهوتي أو لغوي خارجي قد يتسرب إليه من أمم الجوار المحيطة بجزيرة العرب؛ كالفرس، والأحباش، والروم، لضمان نقاء المادة المستقرأة وخلوها من الهجانة واللحن.
ثانياً: كينونة الفصحى الحية وحتمية التباين اللهجي
لقد تهيأ للغة العربية الفصحى ظرف تاريخي وبيئي استثنائي فريد لم يتوفر لأية لغة أخرى من لغات البشر؛ إذ تميزت بمرونة تفاعلية هائلة أتاحت لها التلاقح مع سائر اللهجات القبلية في أنحاء شبه الجزيرة العربية قديماً، وهي اليوم تمارس التفاعل ذاته مع العاميات المعاصرة، فتأخذ منها وتمنحها في تداول مستمر. هذه الحركية تثبت أن الفصحى كائن حي مرن يتطور وينمو على ألسنة المتكلمين بها، وينشأ عن هذا المخاض المستمر تباين طبيعي واختلاف ظاهري بين مستوى تعبيري وآخر، تبعاً للثقافة والبيئة.
بيد أن هذه الحركية لم تذوب الهوية الذاتية للعربية الفصحى؛ نظراً لخصوصية كبرى ميزتها، وهي ارتباطها الوثيق بـ القرآن الكريم منذ ما يزيد على خمسة عشر قرناً من الزمان. فالذكر الحكيم غدا محوراً دارت في فلكه كل مظاهر المدونة التراثية والأدبية، وكفل الله سبحانه وتعالى لهذه اللغة البقاء والصيانة من الاندثار والتحلل بضمانة حفظه لكتابه العزيز، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ومن هذا المنطلق الإيماني والحضاري، وجب أن ينبع اهتمامنا بنصوص العربية ورصد ظواهرها؛ كونها وعاءً للدين الإسلامي الحنيف وترجماناً للتراث الإنساني الخالد.
ثالثاً: وهم الإعراب الكامل واستحالة التوحيد النطقي الشائع
إن استقرار هذه الرؤية الموضوعية في أذهان القائمين على حقل التوجيه والتعليم النحوي، كفيل بأن يعصمهم من الجنوح وراء الأخيلة الواهمة التي تظن أن إجادة الفصحى وتعليمها سيقضي بالضرورة على لغة الحديث اليومي المعاشة بالأسواق والحواضر. فليس من شروط الفصاحة ولا من لوازم الأداء المعاصر أن يصطنع عامة الناس إعراب أواخر الكلمات وتطبيق قوانين الرفع والنصب في أحاديثهم العادية وتفاصيل حياتهم اليومية الراتبة.
ويؤكد علماء اللسانيات في العالم قاعدة إبستمولوجية ثابتة تقضي بأنه يستحيل مطلقاً على أية مجموعة بشرية، تعيش فوق مساحة أرضية شاسعة ومترامية الأطراف، أن تصطنع في تخاطبها العفوي اليومي لغةً معيارية موحدة تخلوا كلياً من التباينات الصوتية، أو الفروق الدلالية، أو الاختلافات الطفيفة في بنية الكلم وسياق التراكيب. فاللهجة اليومية بنت الحاجة الفورية، بينما الفصحى العالية بنت التأمل والأداء الأدبي والفكري الرفيع.
رابعاً: معاقرة النصوص العالية وهندسة الحاسّة اللغوية
إن الطريق الحبلى بالتمكن اللغوي لا تمر عبر التلقين الجاف للقواعد، بل عبر ممارسة النصوص العالية، والإكثار من حفظ عيون الأساليب، ومزاولة استعمالها عملياً في الكتابة والخطابة. هذا التراكم المحفوظ هو الكفيل بمنح الدارس قدرة فذة على تذوق البلاغة والتمييز الحسي بين منازل الأساليب؛ فالأصل التربوي يقضي بأن يتقدم التذوق اللغوي الفطري على تعلم القواعد النحوية نظرياً. ومتى استقر هذا الذوق الرفيع في وجدان السامع، أصبح لديه رقيب داخلي وجهاز استشعار حسي يجعله يشعر بوخز الخطأ واللحن فور نطقه من متكلم، أو إذا زلّ به لسانه هو شخصياً، دون أن يحتاج في تلك اللحظة إلى استحضار القاعدة النظرية أو تعليلاتها المصطنعة.
وهنا تتضح الوظيفة الحقيقية لعلوم العربية؛ إذ إن تعلم القواعد النحوية لا ينشئ الفصاحة من عدم، وإنما يأتي مكملاً ومسدداً لحاسة التذوق المستقرة، ومفسراً لأسباب الأخطاء، وموضحاً لطبيعة التراكيب العربية وأسرارها الهندسية. هذا الإحساس الباطني يتشكل لدى الإنسان عبر السماع المستمر والمكثف للقوالب والأنماط التركيبية التي تتألف منها اللغة، والوعي بطريقة النطق الصوتي الصحيح للجمل الإخبارية، والاستفهامية، والتعجبية؛ إذ إن نبرة المتكلم وجرسه الصوتي لا بد أن يتغيرا ارتفاعاً وانخفاضاً، شداً ورخاءً، تساوقاً مع طبيعة الجملة وغايتها النفسية والبيانية.
ولا يمكن بحال من الأحوال تحقيق هذا النضج اللساني والبياني إلا بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم تلاوة مجودة صحيحة، تراعي مخارج الحروف وتضبط الحركات، ومطالعة الأحاديث النبوية الشريفة البليغة، والعناية الفائقة بكلام العرب الفصيح من عيون الشعر والنثر الموروث عن العصور الزاهية. فالمتعلم -مهما تضلع من علم النحو النظري وحفظ من أراجيز القواعد- لن يكون فصيح اللسان، بَيِّن الكلام، جيد الفهم والنقد للمتن الأدبي، ما لم يتذوق روح اللغة أولاً، ويمارس صهرها في وجدانه من خلال معايشة نصوص حية، نابضة بالقوة والجمال.
——————————
[1] سورة الحجر، الآية 9.
[2] عبد التواب، رمضان (1997). فصول في فقه اللغة العربية. القاهرة: مكتبة الخانجي، الطبعة الرابعة، ص 415.
[3] محجوب، عباس (1986). مشكلات تعليم اللغة العربية. الدوحة، قطر: دار الثقافة، ص 27.
