صناعة الضبط والبيان: سمات القاعدة النحوية وأبعادها الإبستمولوجية عند تمام حسان

صناعة الضبط والبيان: سمات القاعدة النحوية وأبعادها الإبستمولوجية عند تمام حسان

مقدمة عامة

تُمثّل اللغة الأداة الأسمى لنقل الأفكار والإفصاح عما تختلجه الأذهان من مقاصد وأغراض، غير أن هذا البيان لا يستقيم ما لم تضبطه قوانين كليّة منيعة تعصم المتكلم من التعمية والغموض. يقدم هذا المقال دراسة استقصائية ومسهبة حول “سمات القاعدة النحوية” مستنداً إلى الرؤية المنهجية التي صاغها النظار والمتأخرون، وفي طليعتهم الدكتور تمام حسان. ويتناول المقال بالتحليل الإشكالية المعرفية التاريخية المتمثلة في تمرد بعض المسموع الصحيح -قرآناً وشعراً ونثراً- على تقعيد المتقدمين، مما دفع النقاد لوسم النحو بالقصور الاستقرائي. كما يفكك المقال السمات الأربع الكبرى التي اشترطها أرباب صناعة النحو في أصول علمهم؛ وهي: الموضوعية، والشمول، والتماسك، والاقتصاد، مبيناً كيف تضافرت هذه الخصائص لتجعل من النحو بنية هندسية محكمة استطاعت الحفاظ على سلامة اللسان العربي عبر القرون، رغماً عن حدة النقد التاريخي الذي واجهته من لدن كبار المحققين كابن مضاء الأندلسي.

هندسة اللسان وسر الجمال الإعرابي

إن الوظيفة الأزلية للغة هي صياغة الجسور المعرفية لفهم المعاني وتبادل الأفكار بين أفراد المجتمع الإنساني؛ فمقصودها الأسمى هو الإبانة عما يختلج في الضمائر، والإفصاح عن الأغراض والمقاصد بوضوح وجلاء. فمتى انتظمت اللغة قوانين صارمة وضوابط منضبطة، تيسر للمتكلمين بها إنتاج تراكيب واضحة مستبانة، ناصعة الدلالة، بريئة من الإشكال وخلو من الاختلال المعنوي. ومن هنا تنبع الأهمية البالغة للقواعد النحوية الكلية باعتبارها المنار الذي يضيء للمتكلم سبل الأداء التعبيري، ويبصره بمعالم الفصاحة الحقة وحسن البيان البلاغي. ولأجل هذه الغاية، بذل جهابذة النحو الأوائل قصارى جهدهم لإخراج هذه القواعد في أبهى صور الدقة والانضباط؛ حماية للسان العربي من التعمية واللحن. وفي هذا السياق، يقرر الدكتور صبحي الصالح أنه مع تطور العربية، استحال الإعراب أقوى عناصرها، وأبرز خصائصها البنيوية، بل غدا سر جمالها الدفين، وأمست قوانينه وضوابطه هي العاصمة الحقيقية من الزلل والخطأ، والبديل المعرفي الشامخ الذي عوّض غياب السليقة الفطرية بعد اختلاط العرب بالأعاجم.

جدلية المسموع وتجاوز القواعد النطوية

رغم الجهد الجبار الذي بذله المتقدمون، إلا أن مسألة عدم انطباق القاعدة النحوية المطردة على كثير من المسموع الفصيح الوارد في القرآن الكريم، أو عيون الشعر العربي، أو منثور لغة البادية، قد شغلت بال العلماء قديماً وحديثاً. ففي كثير من الأحيان، يتجاوز النص المسموع الموثق حدود القاعدة النظرية ويتمرد على قوالبها القياسية، مما دفع طائفة من اللغويين والمتأخرين إلى توجيه نقد لاذع للنحاة الأوائل، واصمين صنيعهم بالقصور في استقراء كل كلام العرب المسموع، وبناء القواعد على مادة مجتزأة لا تمثل حقيقة اللسان العربي في تفرعاته. بيد أن هذه الجدلية تُفهم بشكل أعمق عند دراسة طبيعة النحو باعتباره “صناعة”؛ حيث يؤكد الدكتور تمام حسان أن علم النحو وقواعده يعد من العلوم الضوابطية المحكمة، ولم يُطلق عليه الفحول لقب (صناعة النحو) إلا لكونه علماً يُحصَّل بالتمرن والدربة، وهو يقوم على قواعد مقررة وأدلة علمية ثابتة موضوعياً، سواء وجد العالم بها أو لم يوجد، تماماً كالقوانين الرياضية والطبيعية. ولكي تستقيم هذه الصناعة، وجب أن يتحقق في أصولها أربع سمات رئيسية: الموضوعية، والشمول، والتماسك، والاقتصاد.

أولاً: سمة الموضوعية وحدود الاستقراء الأدبي

تتجلى “الموضوعية” في الدرس النحوي من خلال التزام العلماء بمنهج محدد صمّم لجمع المادة؛ حيث بنوا تقعيدهم النحوي على المسموع من اللغة الأدبية الراقية (لغة الشعر والنص المعجز)، ونأوا بأنفسهم عن لغة الكلام اليومي والتخاطب العادي الدارج بالأسواق. وقد خضع هذا الاختيار الموضوعي لمحددات زمانية ومكانية واجتماعية صارمة تمثلت في تتبع القبائل الموثوق بفصاحتها في قلب البادية خلال عصور الاحتجاج. ورغم أن هذا الاستقراء كان في حقيقته “استقراءً ناقصاً” من الناحية الإحصائية الشاملة، إلا أنه كان كافياً وموضوعياً لتأسيس معيار لغوي رفيع يحفظ البنية التحتية للفصحى.

ثانياً: سمة الشمول وحتمية القياس الاطرادي

أما “الشمول” في القاعدة النحوية، فإن له مفهوماً خاصاً عند المحققين؛ إذ يعني أن تكون القاعدة عامة لا كلية. ومعنى هذا التفريق الإبستمولوجي أن القاعدة لابد أن تنطبق على جمهرة مفرداتها وسوادها الأعظم، وليس من المحتم عقلاً ولا واقعاً أن تشمل جميع الجزئيات اللغوية بحيث لا يشذ عنها شيء؛ فالشذوذ في لغة البشر العفوية أمر حتمي لا يقدح في شمولية القانون العام. والعنصر الأساسي في تحقيق الشمول هو القياس (الحتمية النحوية)؛ إذ يتكفل القياس بمد أحكام النحو وتحتيم انطباقها على سائر التراكيب غير المنقولة التي لم تقع تحت يد الاستقراء المباشر. وبهذه الآلية القياسية الشمولية، لم يبقَ من لسان العرب جزء إلا وهو خاضع لسلطان النحو وقوانينه، ولا يطعن في هذا المبدأ ما ورد من تراكيب شاذة ندرت عن الجادة.

ثالثاً: سمة التماسك وثنائية عدم التناقض والتصنيف

يتسم النحو العربي كذلك بـ “التماسك البنيوي” الشديد، وهو يقوم على ركيزتين جوهريتين:

عدم التناقض:

فالنحو عبارة عن نظام هندسي مغلق وبنية معرفية جامعة تتضافر أبوابها لتفسير الظواهر، فلا يصح أن ينقض باب باباً آخر، ولا يستطاع نفي جزء منه أو إضافة عنصر غريب إليه دون الإخلال بالمنظومة ككل.

التصنيف:

 يتجلى التماسك في أبهى صوره عبر “التصنيف” الظاهر في تقسيم الكلم إلى (اسم وفعل وحرف)، وفي توزيع الأبواب بناءً على العلاقات الوفاقية الجامعة لكل صنف (كالمرفوعات والمنصوبات والمجرورات)، والعلاقات الخلافية المفرقة بين الأصناف المتباينة. هذه الشبكة المعقدة من العلاقات هي التي تحكم تماسك النحو وتمنحه صفة الصناعة المضبوطة.

رابعاً: سمة الاقتصاد ومظاهر التجريد والتقعيد

تمثل سمة “الاقتصاد المعرفي” قمة النضج المنهجي في النحو، ولها في التراث مظهران بارزان:

الاستغناء بالأصناف عن المفردات:

حيث يترفع النحوي عن دراسة كل مفردة متغيرة على حدة، ويكتفي بالكلام على الأصناف الثابتة الكلية (كالقول في الفاعل، أو المبتدأ، أو المجرور)، فالأصناف هي الأطر الثابتة والمفردات هي المتغيرات المتجددة داخلها، وهذا قمة الاقتصاد المعرفي.

التقعيد التجريدي:

 وهو الاستغناء بصياغة الحكم الشامل -الذي تمثله القاعدة- عن الاستغراق في أحكام المفردات المشتتة؛ فبدل أن يُقال حكم هذه الكلمة كذا وحكم تلك كذا، تأتي القاعدة الكلية لتختصر آلاف الجزئيات في عبارة مجردة واحدة، مما يوفر جهداً ذهنياً هائلاً على المتعلم والمحلل.

بشرية القواعد وقابليتها للتطوير والترقية

لقد نهضت القواعد النحوية، عبر تاريخها الطويل، بدورها الحضاري خير قيام؛ فكانت الدرع الحصين الذي حافظ على كيان اللغة العربية، والوسيلة الفعالة لتعليمها ونشرها بين الأمم، مما مكن الضاد من أداء رسالتها الفكرية والدينية على مر العصور. وحتى أولئك الذين ناصبوا النحاة العداء وثاروا على مناهجهم، لم يسعهم إلا الإقرار بفضلهم ونجاحهم؛ وفي طليعتهم إمام الظاهرية ابن مضاء الأندلسي الذي شهد لهم بإنصاف رغماً عن حملته الشديدة عليهم، حيث قال في كتابه الرد على النحاة: “وإني قد رأيت النحويين، قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن، فبلغوا من ذلك إلى الغاية التي أموا”، وهي شهادة تاريخية تعكس حجم الإنجاز.

ولكن، مهما ارتقت القواعد النحوية وسارت في مدارج الكمال والاتساق، يبقى من الضروري إدراك أنها منتج لغوي وضعه البشر بقناعاتهم واجتهاداتهم الزمانية؛ ومن ثم فهي ليست نصوصاً قرآنية مقدسة معصومة من الخطأ. وبناءً على هذه البشرية، فإن القواعد النحوية تظل دوماً عُرضة للنقد، وقابلة للنقص أو القصور، مثلما هي قابلة في الوقت نفسه للترقية والتطوير، والتمحيص المستمر، والحذف والإضافة والتعديل، بما يواكب حركة اللسان المتجددة ويلبي حاجات العصر المعرفية.

———————————

[1] الصالح، صبحي (2004). دراسات في فقه اللغة. بيروت: دار العلم للملايين، ص 118.

[2] ينظر بالتفصيل: حسان، تمام. الأصول: دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب. ص 60 – 64؛ وينظر كذلك: عبد العظيم، أحمد (1990). القاعدة النحوية: دراسة نقدية تحليلية. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص 9-10.

[3] حسان، تمام. اللغة بين المعيارية والوصفية. القاهرة: عالم الكتب، ص 163؛ وينظر أيضاً: شرف الدين، محمود. التقعيد النحوي. ص 19.

[4] الأندلسي، ابن مضاء. الرد على النحاة. تحقيق: د. شوقي ضيف. القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص 80.

ترك تعليق